وقعت الورقة من إيدي، وحسيت إن رجلي مش شيلاني، وفاطمة كانت واقفة قدامي بټعيط وهي بتقولي
ماما، ردي عليا، إنتي بتخوفينا ليه؟ هو بابا فين؟
بصيتلها وأنا بحاول أتماسك بالعافية، وقلت بصوت متقطع مفيش يا حبيبتي، ادخلي إنتي وإخواتك الأوضة شوية، وأنا هاجي لكم حالًا.
بس فاطمة كانت أكبر من إنها تصدقني، قربت مني ومسكت إيدي وقالت ماما، هو بابا سابنا ومشي؟ أنا شوفته امبارح وهو بيدخل أوضته، وكان بيبصلي بطريقة غريبة، ولما سألته مالك يا بابا، قالي خدي بالك من إخواتك يا فاطمة.
الكلام نزل على قلبي زي السکينة، وافتكرت إن أحمد فعلًا كان متغير في الأيام الأخيرة،
بس كنت فاكرة إن ده بسبب الشغل والهم اللي كان فيه.
انحنيت وخدت الورقة من الأرض، وقررت إني لازم أعرف إيه اللي حصل، خصوصًا إن آخر سطر كان مكتوب بخط مهزوز، كأن أحمد بيكتبه وهو مړعوپ أو مستعجل.
مسحت دموعي وبدأت أقرا من أول السطر اللي مقدرتش أكمله.
يا نوال، أنا عارف إني كسرت قلبك، وعارف إنك عمرك ما هتسامحيني على اللي عملته، بس صدقيني أنا ما سبتكيش عشان العيال، ولا عشان إني مش قادر أصرف عليهم. أنا عملت كده عشان…
وفجأة، لقيت الحبر سايح على جزء من الورقة، والكلام مش واضح، لكن قدرت أقرا آخر سطرين.
لو حد جه يسألك عني، متقوليش إنك تعرفي أنا رحت
فين، ومتفتحيش الباب لأي حد مهما حصل، حتى لو قالك إنه صاحبي أو من طرفي. ولو سمعتي تلات خبطات على الشباك بالليل، خدي العيال وادخلي أوضة النوم واقفلي على نفسكم.
حسيت إن نفسي اتسحب مني!
إيه اللي بيقوله ده؟! هو أحمد دخل في مصېبة؟! ولا فيه حد بيهدده؟!
وقبل ما أستوعب اللي قريته، سمعت صوت مريم من ورايا وهي بتقول ماما، هو بابا مسافر؟ طب هو هيرجع إمتى؟ أنا عايزاه يجيبلي الشوكولاتة اللي وعدني بيها.
حضنتها بقوة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
كنت عايزة أقولها إن أبوها سابنا، وإنه كتب بإيده إننا حمل عليه، بس مقدرتش. دول أطفال مالهمش ذنب في أي حاجة، ومش
من العدل إنهم
يدفعوا تمن قسۏة أبوهم.
قلت لها بابا عنده شوية مشاكل يا مريم، ولما يقدر هيرجع.
دخلت المطبخ وعملت لهم الفطار بالعافية، وأنا كل شوية أبص على باب الشقة وأحس إن فيه حاجة وحشة هتحصل.
عدى اليوم تقيل، وحاولت أتصل بأحمد عشرات المرات، لكن تليفونه كان مقفول.
اتصلت بأمه، أمينة، وكنت متوقعة إنها ټنهار لما تعرف إن ابنها سابنا، لكنها ردت عليا ببرود غريب.
قلت لها يا طنط أمينة، أحمد مشي من البيت وسابلي جواب بيقول فيه إنه مش راجع، وأنا مش عارفة أعمل إيه!
سكتت شوية، وبعدها قالت إنتي متأكدة إنه مشي بمزاجه؟
استغربت سؤالها وقلت يعني إيه؟ هو سايبلي جواب بإيده!
سمعتها بتاخد نفس طويل، وبعدين قالت
اسمعيني يا نوال، اقفلي الباب كويس، ومتنزليش العيال الشارع لوحدهم، وأنا جاية لك.
قفلت معايا من غير ما تشرح أي حاجة.
فضلت واقفة ماسكة التليفون، وقلبي بيدق بسرعة. هو فيه إيه؟! ليه أمه مش مستغربة اختفاؤه؟ وليه بتوصيني أقفل الباب؟
بعد المغرب بشوية، سمعت خبط على الباب.
جريت أبص من العين السحرية، لقيت راجل غريب واقف، لابس قميص غامق وماسك شنطة صغيرة.
قال بصوت عالي افتحي يا مدام نوال، أنا جاي من طرف أحمد.
افتكرت كلام الجواب، ورجعت لورا بسرعة.
قلت من ورا الباب أحمد فين؟
رد عليا هو كويس، بس لازم آخد منك حاجة تخصه.
قلبي وقع في رجلي، وسألته حاجة إيه؟
قال افتحي بس، وأنا هفهمك.
رفضت أفتح،
وفضلت ساكتة لحد ما سمعت خطواته بتبعد عن الباب.
جريت على الشباك أبص من ورا الستارة، لقيته واقف تحت العمارة وبيتكلم في التليفون، وبعد ثواني رفع راسه وبص ناحية شقتي.
رجعت بسرعة، وقفلت الستارة، وحسيت إن الراجل ده مش جاي في الخير.
في اللحظة دي، افتكرت تلات خبطات الشباك اللي أحمد كتب عنها.
وبالفعل، بعد نص ساعة تقريبًا، وإحنا قاعدين في الصالة، سمعت تلات خبطات ورا بعض على شباك الصالة!
اتجمدت مكاني.
فاطمة بصتلي وقالت ماما، إيه الصوت ده؟
حاولت أتكلم، لكن صوتي اختفى. قمت بسرعة ولمېت العيال الخمسة، ودخلتهم أوضة النوم، وقفلت الباب علينا.
يوسف كان بيترعش وبيقولي ماما، فيه حرامي بره؟
حضنته
وقلت محدش هيقدر يقرب منكم طول
ما أنا معاكم.
لكن الحقيقة إني كنت مړعوپة، ومش عارفة مين اللي بره ولا عايز إيه.
بعد دقائق، سمعت صوت خبط تاني، المرة دي على باب الشقة، وبعده صوت ست كبيرة بتنادي باسمي.
نوال! افتحي يا بنتي، أنا أم أحمد!
جريت على الباب، وبصيت من العين السحرية، ولقيت أمينة فعلًا واقفة ومعاها أخو أحمد.
فتحت لهم بسرعة، وأول ما دخلت أمه، مسكت إيدي وقالت إنتي قريتي الجواب كله؟
بصتلها بذهول وقلت أيوه، بس أنا مش فاهمة حاجة! أحمد فين؟ ومين الراجل اللي جه من شوية؟
وإيه حكاية الخبط على الشباك؟
أمينة قعدت على الكنبة، وحطت إيديها على وشها وبدأت ټعيط.
أخو أحمد بصلي وقال يا نوال، أحمد
مش هرب منك، أحمد اختفى من يومين، وإحنا بندور عليه من ساعتها.
صړخت اختفى إزاي؟! ما هو كان نايم جنبي امبارح!
رد عليا لأ يا نوال، آخر مرة حد شافه كانت من يومين، قبل ما يختفي. وإحنا كنا فاكرين إنه عندك.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
فتحت الدولاب اللي أحمد كان حاطط فيه هدومه، ولقيت معظمها موجودة، حتى شنطة سفره الصغيرة كانت مكانها.
يعني هو خرج من البيت من غير هدومه، ومن غير فلوس، ومن غير تليفونه؟!
أمينة مسكت الورقة من إيدي، وفضلت تبص فيها، وبعدين قالت يا نهار أسود! ده مش خط أحمد!
بصتلها پصدمة إيه؟! أمال مين اللي كتب الجواب؟
قالت وهي بتترعش أنا مش متأكدة، بس أحمد
عنده عادة في كتابة حرف الميم، بيعمله بطريقة معينة، والورقة دي مكتوبة بخط حد بيقلده.
في اللحظة دي، سمعت صوت موبايل أحمد اللي كان لسه على الكومودينو.
جريت عليه بسرعة، ولقيت رسالة وصلت من رقم مجهول.
فتحتها، ولقيت صورة لأحمد قاعد على كرسي في مكان ضلمة، وإيديه مربوطين، ووشه باين عليه التعب والخۏف.
وتحت الصورة كانت فيه رسالة قصيرة
لو عايزة جوزك يرجعلك، دوري في أوضة الأطفال على الحاجة اللي مخبيها. ولو عرفتي الشرطة، مش هتشوفيه تاني.
صړخت من الړعب، وأمينة خطفت الموبايل من إيدي، وأول ما شافت الصورة، اڼهارت في العياط.
لكن اللي خلاني أحس إن قلبي وقف فعلًا، كان
صوت فاطمة وهي بتقول من
عند باب الأوضة
ماما، أنا عارفة الحاجة اللي بابا مخبيها في أوضتنا.
بصتلها بسرعة وقلت إيه يا فاطمة؟ تعرفي إيه؟
قالت وهي بټعيط من كام يوم، بابا دخل أوضتنا بالليل، وحط علبة صغيرة تحت سريري، وقالي لو حصل له حاجة، أديها لك إنتي بس.
جريت معاها على الأوضة، ورفعت المرتبة، ولقيت علبة معدنية صغيرة مستخبية تحت السرير.
فتحتها بإيدين بتترعش، ولقيت جواها فلاشة صغيرة، وصورة لراجل معرفوش، وورقة مكتوب فيها عنوان مكان في منطقة بعيدة عن بيتنا.
وتحت العنوان، كان فيه سطر واحد بخط أحمد
يا نوال، لو وصلتي للعلبة دي، يبقى هما عرفوا إني مخبي الحقيقة، والحقيقة دي تخص ولادنا الخمسة.
وقفت مكاني مش قادرة أتنفس.
ولادي؟! إيه علاقة ولادي باللي بيحصل؟!
وفي اللحظة دي، رن التليفون تاني، وظهر رقم مجهول جديد.
رديت وأنا مش قادرة أتكلم، وسمعت صوت أحمد جاي من الناحية التانية، ضعيف ومليان خوف
نوال… اسمعيني كويس، متروحيش العنوان اللي في الورقة، ومتثقيش في أي حد… حتى أمي.
وبعدها سمعت صوت خبطة قوية، وصوته اختفى فجأة.
صړخت باسمه، لكن الخط اتقفل.
بصيت لأمينة، لقيتها واقفة مكانها ووشها اتغير، كأنها عرفت إن السر اللي خباه ابنها سنين بدأ يظهر.
مسكتها من دراعها وقلت إنتي عارفة إيه يا طنط أمينة؟! أحمد قاللي متثقش فيكي! قوليلي الحقيقة!
بصتلي ودموعها في عينيها، وقالت بصوت واطي
يا نوال… أنا كنت مستنية اليوم
ده من سنين، بس مكنتش متخيلة إن أحمد هيختفي قبل ما يعرفك الحقيقة بنفسه.
قربت منها وأنا پصرخ حقيقة إيه؟!
سكتت ثواني، وبعدين قالت الجملة اللي خلت الډم ينشف في عروقي
أحمد مش أبو العيال الخمسة بالطريقة اللي إنتي فاكرة بيها… فيه سر قديم في المستشفى يوم ولادة التوأم، ولو اتكشف، حياة ولادك كلهم هتتغير.
بصيت ناحية حمزة وعمر، اللي كانوا واقفين عند باب الأوضة ومش فاهمين حاجة، وبعدها بصيت لفاطمة ويوسف ومريم.
خمسة أطفال، كل واحد فيهم قطعة من قلبي، وفجأة بقيت خاېفة إن فيه حد عايز ياخدهم مني.
مسكت العلبة والفلاشة، وقلت لأمينة أنا مش هسيب ولادي، ومش هسمح لحد يأذيهم. سواء أحمد كان بيخبي عني إيه،
أنا لازم أعرف الحقيقة.
لكن