مراتي كانت كل مرة أقول لها إن أمي جاية البيت، تتوتر وتقول لي نفس الجملة
ماتجيبش مامتك من غير ما تقولي قبلها بيوم.
في الأول ماخدتش الموضوع بشكل شخصي.
كنت فاكر إنها بتحب الخصوصية، أو بتحب ترتب البيت قبل ما حد ييجي.
وكنت فعلًا كل مرة أقول لها
ماما ممكن تيجي بكرة.
فترد
تمام، بس قوليلي الساعة كام بالظبط.
ولو أمي قالت لي إنها هتعدي فجأة، مراتي كانت تتضايق جدًا.
طب ما كنت تقولي من بدري!
كنت أقول لها
يا حبيبتي دي أمي، جاية تشوفنا ساعة وتمشي.
فترد
وأنا مش بمنعها، بس لازم أعرف قبلها.
وكنت شايف إن طلبها منطقي.
لحد يوم، أمي اتصلت بيا وقالت
أنا معدية عليكوا النهارده.
قلت لها
تمام يا أمي.
قفلت معاها، ومراتي كانت واقفة جنبي.
أول ما سمعت، وشها اتغير.
النهارده؟
أيوه.
بس أنا ماكنتش مستعدة.
مستعدة لإيه؟ ماما مش جاية تقيم البيت.
سكتت.
وبعدين قالت
خلاص، خليها تيجي.
لكن طول الوقت كانت متوترة بشكل غريب.
فضلت تدخل وتخرج من الأوض، تقفل أدراج، وتفتح دواليب، وتنقل حاجات من أماكنها.
سألتها
في إيه؟
قالت بسرعة
مفيش.
أمي وصلت.
قعدنا في الصالة، وكل حاجة كانت طبيعية.
لكن وأنا بجيب لها مية من المطبخ، سمعت صوت أمي بتقول لمراتي
إنتِ متوترة ليه يا بنتي؟
مش متوترة.
أمي سكتت شوية.
وبعدين قالت جملة خلتني أقف مكاني
هي خاېفة أشوف حاجة معينة؟
مراتي
ما ردتش.
دخلت عليهم.
ماما، إنتِ قصدك إيه؟
أمي بصت لي، وبعدين قالت
ولا حاجة يا ابني، بس أنا ملاحظة إن مراتك كل ما تعرف إني جاية، بتبقى مش على بعضها.
مراتي قامت بسرعة
أنا هدخل أعمل القهوة.
لكن أمي مسكت إيدي.
لأ، سيبها.
وبصت لي
أنا هقولك حاجة، بس ماتزعلش.
قولي.
من فترة وأنا حاسة إن في حاجة مش طبيعية.
زي إيه؟
قالت
كل مرة أجي هنا، مراتك بتفضل لازقة فيكي، ومش بتسيبني أدخل أوضة لوحدي.
بدأت أفتكر.
وفعلًا
أمي عمرها ما دخلت أوضة النوم لوحدها.
ولا مرة فتحت دولاب.
ولا حتى دخلت المطبخ من غير ما مراتي تيجي وراها.
قلت
يمكن بتحب الخصوصية.
أمي هزت راسها.
الخصوصية حاجة والخۏف حاجة تانية.
سكت.
وبعد ما أمي مشيت، سألت مراتي
ماما قصدها إيه؟
قالت
ولا حاجة.
لأ، في حاجة.
إنت مصدقها أكتر مني؟
أنا بس بسألك.
بدأت ټعيط.
أنا تعبت من إن كل حاجة تتحسب عليا.
قلت
محدش بيحاسبك.
أمك مش بتحبني.
دي مش إجابة.
سكتت.
وأنا لأول مرة بدأت أحس إن الموضوع مش مجرد ترتيب بيت.
بعدها بأسبوع، أمي اتصلت وقالت
ابنك، أنا نسيت عندكم شال الأسبوع اللي فات. ممكن أعدي آخده؟
قلت
طبعًا.
لكن قبل ما أقفل، سألتني
هي مراتك موجودة؟
استغربت.
أيوه.
طيب ماتقولهاش إني جاية.
سكت.
ليه؟
قالت
عايزة أشوف حاجة بنفسي.
وفعلًا، أمي جات من غير ما تعرف مراتي.
أول ما فتحت لها الباب،
دخلت بسرعة وقالت
اقفل الباب.
في إيه يا أمي؟
بصت حواليها.
وبعدين قالت
أنا مش خاېفة على نفسي.
أمال؟
بصت ناحية أوضة النوم.
وقالت بصوت واطي
أنا خاېفة تكون مراتك مخبية عنك حاجة في بيتك وپتخاف إني أشوفها قبلك.
وقبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة.
مراتي رجعت.
لكن الغريب إنها أول ما فتحت الباب
ما بصتش لنا.
بصت مباشرة ناحية درج صغير في الصالة.
والدرج كان مفتوح.
وساعتها فهمت ليه كانت مصممة إن أمي تبلغها قبل أي زيارة بيوم كامل
مراتي وقفت في الباب، وعيناها مثبتة على الدرج اللي كان مفتوح قدامها، كأنها شافت جوه قلبها متقطع مش مجرد خزانة خشب صغيرة. لون وشها صار أصفر زي الورق القديم، ويدها اللي كانت ماسكة حقيبتها ارتجفت لحد ما وقعت الحقيبة على الأرض بصوت خفيف، وما حاولتش حتى
ترفعها.
أنا بصيت عليها، وبصيت على الدرج، وشعور غريب بدأ يملاني خليط من الخۏف والارتباك ونوع من الغصة اللي لازمتني من يوم ما لاحظت توترها الغريب كل ما أمي تيجي.
أمي كانت واقفة جنبي ساكتة، بس عيناها بتتكلم، بتقول لي أنا قلتلك.
أول ما سمعت صوت وقوع الحقيبة، رفعت لي عيناها ببطء، وصوتها طلع ناعم ومهزوز زي اللي هي بټعذب نفسها
أنا ما كنتش عايزة حاجة ټوجعك.
قلت بصوت عالي شوية، حاولت أكون واثق رغم إن قلبي كان بيدق يطلع من مكانه
إيه اللي مخبي
هنا؟ افتحي الدرج.
خطت خطوة واحدة بطيئة ناحية الدرج، ورجعت وقفت تانية كأن رجليها مش قادرة تحملها. عيونها امتلأت دموع سريع، وقالت
أرجوك مش عايزة أتفرق معاك.
أنا حبيتك من أول يوم شفتك، وما كنتش أقصد أضيع حياتي كلها في الخۏف ده.
كلامها زادني قلق، وقلت بقسۏة شوية
افتحي. ولا هفتح أنا.
مديت إيدي ناحية الدرج، ولما شافتني جاية، صړخت بصوتها كله
لاء! ما تفتحوش!
أمي مسكت إيدي بثبات، وقالت بصوت هادئ حازم
سيبها هي تفتح يا ابني. اللي جواها هي اللي تعرفه، وهي اللي لازم تقولك.
جلست مراتي على حافة الكنبة اللي جنب الدرج، ودفنت وشها في كفوفها، وبكت بصوت مكتوم طويل.
سكتنا أنا وأمي نستناها، والمكان كله كان ثقيل زي الړصاص، ما بين غير صوت تنفسها ودموعها اللي سقطت على الأرض. بعد دقائق حسيتها بدأت تهدأ شوية، رفعت راسها، ومسحت دموعها بكفها بحركة عادية زي ما كانت بتعمل من زمان، بس النظرة اللي في عيناها كانت تغيرت كانت نظرة إنسانة خلاص تعبت من الجري، وتعبت من الإخفاء.
قالت بصوت واطي، كل كلمة بتتقطع من التانيه
أنا مش عايزة أخسرك. ولو عرفت الحقيقة ممكن تكرهني. وممكن تكره اللي جابوني للدنيا كلهم.
قلت لها بنبرة حاولت ألطفها شوية
مش هكرهك. بس قوليلي في إيه.
الخۏف اللي عايشة فيه من يوم ما اتجوزنا ده ليه؟
تنهدت بعمق كأنها بتشيل حمل سنين من
على صدرها، وبعدين مديت إيدها ببطء شديد وسحبت الدرج للخارج كله.
جوه ما كان حاجة غريبة ولا كنز ولا حاجة تتخيلها كانت مجرد صندوق كرتوني
صغير، لونه بني، ومقفل بشريط لاصق قديم. شكله كان مهمل، وكأنه اتحرك كتير من مكان لمكان، زي ما كانت هي بتتنقل بحياتها من بيت لبيت.
سحبت الصندوق ببطء وحطته على ركبتيها، وبصت لي مرة أخيرة كأنها بتستأذنني، وفكته.
أول حاجة طلعتها كانت صورة قديمة، لونها بدأ يصفر.
بصيت عليها شفت فيها راجل وست وولد صغير، ومراتي كانت بنت صغيرة بينهم. قلبني حاجة لما شفت الصورة، وقلت في نفسي عيلتها.
طلعت وراها ورقة مطوية كتير، حوافها بليت من كتر ما فتحت وقفلت. وبعدين طلعت آخر حاجة ظرف أبيض مغلق، ومكتوب عليه اسمي بخط إيدها.
مدتلي الظرف أولًا، وقالت
ده ليك. اقراه بعد ما أخلص كلامي. وإن شاء الله تسامحني لو تقدر.
رجعت بالصورة قدام عيناها كأنها بتتكلم معاها مش معايا
دول والدي ووالدتي. اللي في الصورة أخويا الكبير. ما.توا كلهم في حاډثة سيارة وأنا عندي ست سنين.
بقيت يتيمة، ومحدش قبل يربيني غير عمي أبوهم كان أخوه الكبير.
سكتت شوية، وعضت شفتها السفلى كأن الكلام بيوجعها وهي بتقوله
الناس كانت تقول لي إن عمي راجل طيب، وإنني حظي حلو إنه أخدني عنده. بس الحقيقة الحقيقة إنه أخدني عشان ورث أبوي. أبوي سابلي ورث كويس، وعمى ما كانش عايز
حد يعرف إنه وصلي عليه لحد ما أتجوز. كان كل