بصيتله. “إيه؟” قال: “المكتب كان مقفول.” شريف ضحك ضحكة صغيرة. ضحكة خلتني أكرهه أكتر. قال: “كان مقفول بالمفتاح اللي معايا.” أسعد بصله. “إنت كان معاك مفتاح بيتنا؟” شريف سكت. أخويا شدّه من هدومه. “رد!” قال: “المفتاح اتعمل من غير ما تعرفوا.” أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس. سنة كاملة وأنا عايشة في بيتي وأنا فاكرة إنه أكتر مكان آمن لابني. طلع حد تاني كان بيدخل ويخرج من غير ما أعرف. قلت: “مين الست؟” شريف قال: “أنا معرفش اسمها الحقيقي.” “بس تعرفها؟” “أيوه.” “فينها؟” سكت.
“فينها؟!” قال: “آخر مرة شفتها كانت يوم الحادثة.” أسعد وقف. “حادثة إيه؟” شريف بصله. “إنت لسه فاكر إن ابنك بدأ يخاف منك فجأة؟” أسعد ما ردش. شريف كمل: “الحقيقة إن اللي حصل في الليلة دي بدأ قبل ما تدخل بيتك.” أنا حسيت إن فيه جزء ناقص. قلت: “قول كل حاجة.” شريف بص للباب. وبعدين قال: “الصندوق.” “صندوق إيه؟” “الصندوق الأسود اللي مكتوب عليه في الورقة.” قلت: “فينه؟” قال: “في المخزن.” “إنت تعرف مكانه؟” “أيوه.” أسعد قرب منه. “خدنا ليه؟” شريف بصله وقال: “عشان اللي جواه هو السبب إن ابنك اتعرض لكل ده.”
خرجنا من البيت بعدها بوقت قصير. أنا وأسعد وأخويا والدكتور، وشريف اضطر يمشي قدامنا ويدلنا على الطريق. لكن قبل ما نخرج، وقفت قدام ابني. ركعت على الأرض ومسكت وشه بين إيديا. قلت: “أنا هارجعلك بسرعة.” قال: “ماما، متروحيش.” “ليه؟” مسك إيدي بقوة. “عشان الست قالتلي إن لو روحتوا للمخزن… مش هترجعوا.” حسيت بقشعريرة. بصيت لأسعد. هو سمع كلام ابنه. قرب منه وقعد قدامه. لكن ما لمسهش. قال: “يا حبيبي، أنا وماما هنرجع.” ابني بصله للحظات. وبعدين قال: “بابا…” أسعد دموعه نزلت. “نعم يا حبيبي؟” قال: “أنا مش خايف منك.”
أسعد غمض عينيه. وكأن الجملة دي كانت أغلى حاجة سمعها في حياته. ابني كمل: “أنا كنت خايف عليك.” أسعد انهار. حضنه لأول مرة من سنة. والولد في البداية شد جسمه. وبعدين، بعد ثواني طويلة، حط إيده الصغيرة على كتف أبوه. المشهد ده كسرني. لأن ابني كان بيرجع لأبوه بنفسه. مش لأن خوفه اختفى. لكن لأن الحقيقة بدأت تظهر. خرجنا. وصلنا للعمارة رقم ١٢. كانت عمارة قديمة جدًا، جزء كبير منها مقفول، والمخزن موجود في آخر الدور الأرضي.
شريف وقف قدام باب حديد صدئ. طلع مفتاح. أنا بصيتله. “إنت لسه محتفظ بالمفتاح؟” قال: “كنت مستني اليوم ده.” فتح الباب. ريحة تراب ورطوبة ض.ربت في وشي. النور كان ضعيف. دخلنا. المكان مليان كراتين قديمة وأثاث مغطى بقماش. شريف مشي لآخر المخزن. وقف قدام صندوق خشبي أسود. قال: “ده.” أسعد قرب. مد إيده ناحية الغطا. لكن شريف مسك إيده. “استنى.” “ليه؟” “لأن اللي جواه مش مجرد صور.” سكت. قلت: “أمال إيه؟” قال: “حاجة لو ظهرت للناس، هتغير حياة أكتر من شخص.” أسعد قال: “افتح.”
شريف رجع خطوة. فتح الصندوق. جواه فلاشة، وموبايل قديم، ومجموعة صور، ودفتر صغير. أخويا مد إيده للموبايل. ضغط زر التشغيل. اشتغل. وكانت البطارية لسه موجودة. ظهرت على الشاشة ملفات فيديو. أول فيديو كان بتاريخ اليوم اللي بدأ فيه ابني يخاف من أبوه. ضغطنا عليه. ظهرت صورة البيت. الكاميرا كانت مخفية. والفيديو بدأ. ظهر ابني وهو بيلعب في الصالة. وبعده بدقايق ظهر شخص داخل من باب الشقة. كان لابس هدوم أسعد. نفس الجاكت. نفس البنطلون. نفس الحذاء. لكن وشه ماكانش واضح.
ابني قرب منه في البداية. وكان بيضحك. ثم الشخص قال جملة واحدة: “بابا رجع.” ابني وقف. وبصله. وبعدين حصل شيء خلاني أحط إيدي على بقي. لأن ابني قال: “إنت مش بابا.” الفيديو وقف لحظة. والشخص قرب منه. وبعدها الشاشة اسودت. الدكتور قال: “شغلوا الفيديو اللي بعده.” شغلناه. المشهد كان بعد عشر دقائق. لكن المرة دي كان ابني في غرفة المكتب. والشخص الغريب واقف قدامه. وصوت امرأة كان جاي من خارج الكاميرا. قالت: “قوله إن أبوه عمل كده.” الرجل رد: “مش هيصدق.” المرأة قالت: “هيصدق لو خاف.”
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني. بصيت لأسعد. هو كان واقف مش قادر يستوعب. ثم ظهر جزء تاني في الفيديو. الرجل خلع الجاكت. وعندها ظهر وشه كاملًا. أنا شهقت. لأن الوش كان مألوف. مألوف جدًا. بصيت لشريف. ثم للشاشة. ثم رجعت أبص لشريف. قلت: “ده إنت؟” هز راسه. “أيوه.” أسعد اندفع عليه. لكن أخويا مسكه. “استنى!” شريف قال: “أنا كنت مجرد منفذ.” صرخت: “منفذ لمين؟!” ما ردش. قلبنا في الدفتر. أول صفحة كان فيها أسماء. أسماء ناس. وتواريخ. ومبالغ مالية. وفي آخر الصفحة اسم أسعد. لكن بجانبه كلمة واحدة: “الهدف.”
أسعد قرب من الدفتر. إيده كانت بتترعش. قلب الصفحات. وفي الصفحة الأخيرة كانت فيه صورة لنا إحنا التلاتة. وتحتها مكتوب: “المطلوب: تفريق الأسرة قبل عيد الميلاد السابع.” أنا حسيت إن نفسي اتقطع. “ليه عيد ميلاده السابع؟” شريف قال: “لأن عند السبع سنين… كان لازم يفتكر.” بصيتله. “يفتكر إيه؟” قال: “اللي حصل قبل ما يبقى ابنكم.” سكت المكان كله. أسعد بصله. “إنت بتقول إيه؟”
شريف قرب من الصندوق. طلع صورة قديمة جدًا. وحطها قدامنا. الصورة كانت لامرأة شايلة طفل رضيع. والطفل كان عنده علامة صغيرة جدًا فوق حاجبه. نفس العلامة اللي في وش ابني. لكن المرأة اللي في الصورة… ما كانتش أنا. رفعت عيني ببطء. “دي مين؟” شريف قال: “أمه.” أنا حسيت إن الدنيا اسودت قدامي. قلت: “أنا أمه.” قال: “أيوه… إنت أمه دلوقتي.” الكلمة دي كانت أغرب من أي حاجة سمعتها. “دلوقتي؟” سكت. وبعدين قال: “لأن ابنك الحقيقي كان المفروض يمو.ت من سبع سنين.”
أسعد رجع خطوة. “إنت مجنون.” شريف هز راسه. “لو كنت مجنون… ماكنتش هوريكم التسجيل ده.” وقبل ما حد يتكلم، سمعنا صوت باب المخزن بيتقفل. التفتنا. الباب اتقفل من بره. وفي نفس اللحظة الموبايل القديم اشتغل لوحده. وظهر تسجيل جديد. مدته أقل من دقيقة. ضغطنا عليه. ظهرت امرأة جالسة قدام الكاميرا. وشها كان متغطي. لكن صوتها كان واضح. قالت: “لو وصلتوا للصندوق… يبقى الخطة فشلت.” سكتت لحظة. وبعدين قالت: “بس فيه حاجة واحدة لسه ماعرفتوهاش.” قربت من الكاميرا. وقالت: “أسعد مش هو أبو الطفل الحقيقي.”
أنا بصيت لجوزي. وهو بصلي. وفي اللحظة دي بالذات… اتسمع صوت ابني من السماعة اللي كانت في جيب أخويا. كان بيتكلم مع حد. والصوت التاني اللي بيرد عليه… كان صوت نفس الست اللي ظهرت في الفيديو. ثم سمعناها بتقول له: “قول لمامتك الحقيقة يا حبيبي…” “قوليلها مين أبوك الحقيقي.” وانقطع التسجيل. أما أنا… فماقدرتش حتى أبص في وش أسعد. لأن السؤال اللي كان بيصرخ جوايا وقتها ماكانش مين أبو ابني… السؤال كان: لو أسعد مش أبوه… مين الراجل اللي ابني كان بيناديه بابا طول سبع سنين؟
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتكلم ولا حتى أرفع عيني في وش أسعد. الجملة اللي سمعناها كانت لسه بتتردد في ودني: “أسعد مش هو أبو الطفل الحقيقي.” أنا كنت متجوزة أسعد من تمان سنين. وابني عنده سبع سنين. يعني ببساطة، لو الكلام ده حقيقي، يبقى فيه جزء كامل من حياتي أنا نفسي مش فاهماله. أسعد كان واقف قدامي، وشه شاحب، وعينيه مثبتة على الأرض. قال بصوت مبحوح: “نادية… بصيلي.” ما بصتش. قال: “أنا عمري ما كذبت عليكي في حاجة تخص ابننا.”