أبوي قرب منه ومسكه من تحت باطه رفعه من على الأرض بالعافية، جوزي كان جسمه زي الواير المقطوع، مش قادر يشيل نفسه من كثر الكسرة والندم. أبويا بص له وقال له بنبرة أصلية فيها رحمة الصعايدة بس بدون تنازل:
“قوم يا بني.. قوم وقف على حيلك، الرجال ما تتمرغش في التراب كدا. بتي قالت كلمتها، والقلب إذا زهد في الشيء خلاص ما يدخلوش تاني. أنت ليك عندنا أصل ونخوة، هتفضل تاخد واجبك وضيافتك كل ما تيجي، وابنك مش هنسرق منك ولا هنعلم عليه يكرهك، هتشوفه في أوقات الرؤية وهنكبره على إنك أبوه.. لكن شيماء خلاص، خرجت من ذمتك وفي طريقها، وأنت في طريقك.”
جوزي بقى يتلفت في الصالة زي المجنون، يادوب شايف من كثر الدموع اللي مغمية عينيه، يبص لي يلاقيني لافة ضهري، يبص لـ “حمزة” يلاقيه خايف من شكله ومستخبي في ح.ضن أمه، يبص لأبوي وأمي يلاقيهم واقفين بجمود وكرامة ما تتهزش. أمي دخلت المطبخ وجابت كوباية مية، مدتها له وهي بتقول له بقلب أم: “اشرب يا بني واهدا.. ربنا أرحم منا جميعاً، أنت ذقت عقاب فعلك في الدنيا، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.. روح لأمك المريضة واخدمها، ده باب الجنة بتاعك دلوقتي، واعلم إن دعوة المظلوم ما بينها وبين الله حجاب.”
أخد كوباية المية بإيدين بترعش، شرب منها بؤ واحد ورماها على الأرض اتكسرت مية حتة، وقعد يصرخ ويكلم نفسه: “أنا اللي خربت بيتي بإيدي! أنا اللي سمعت كلام الجهل والافتراء! أنا اللي حرمت نفسي من اللقمة الهنية والبيت الدافئ عشان خاطر تراب وشقة مقفولة! يارتني قطعت لساني، يارتني دفنت نفسي ولا إني أقف الوقفة دي!” خرج من البيت وهو بيترنح في الشارع، ويمشي خطوات ويقع، والناس في الشارع الصعيدي يبصوا عليه ويتحسروا على حاله. رجع القاهرة، بس ما رجعش الشاب بتاع زمان.. رجع راجل عاجز، قلبه ميت، وجسمه بقى زي الخيال.
في القاهرة، الحياة بقت بالنسبة له شغل شاق عشان يجيب ثمن العلاج والنفقة، ويرجع البيت يلقى أم صامتة عاجزة على السرير، بتبص للسقف وبتبكي بدون صوت من حسرتها على ابنها اللي اتدمر وعلى حياتها اللي انتهت بالمرض. وبقى كل يوم جمعة، يركب القطر في نص الليل، ييجي الصعيد ويقعد الثلاث ساعات بتوع الرؤية في مركز الشباب، بس المرة دي ما بقاش ييجي يقعد بغرور أو غضب، كان بييجي يقعد ساكت، يلمس إيد حمزة ويتأمله، ويعيط في صمت.
وفي يوم من أيام الرؤية، بعد ما حمزة كمل سنتين وبدأ يتكلم ويفهم، جوزي قاعد مع الولد، والولد بدأ يستجيب له شوية بشوية. جوزي بص لي وأنا واقفة بعيد، وطلع من جيبه ظرف أبيض وناداني بصوت مكسور: “شيماء.. تعال يا شيماء، خدي الجواب ده.” قربت خطوتين وقُلت له: “جواب إيه ده؟” رد وهو بينزل عينيه في الأرض والندم بياكل ملامحه: “دي ورقة طلاقك يا شيماء.. أنا عرفت إنني لو فضلت معلقك هكون بظلمك تاني، وأنتِ ما تستاهليش إلا كل خير.. أنا دمرت حياتي بس مش هسيبك أذاكي أكتر من كده.. أوراقك كلها هتجيلك للبيت بالمأذون، مع كل حقوقك والمؤخر والنفقة.”
مسكت الظرف بإيدي، وبصيت له، لقيت عيونه مطفية تماماً، خالي من أي أمل، وكأنه سلم خلاص بعقابه الأبدي. وقبل ما يلف ويمشي، وقف ودور وشو لي وقال لي بنبرة تقطع القلب: “أنا طلقتك بقلمي، بس والله يا شيماء، عمرك ما هتروحي من قلبي، وهفضل أندم على اليوم اللي زعلتك فيه لحد ما أنزل القبر!” مشى وسابني واقفة بالورقة في إيدي، حمزة مسك في إيدي وهو بيقول: “بابا عيط ومشى يا ماما!”.. سكت وبصيت للسماء وأنا حاسة إن صفحتي القديمة اتطوت بالكامل، بس الأيام كانت بتجهز لمرحلة جديدة خالص في حياتي وحياة ابني!
مرت الأيام وتوالت السنين، والورقة اللي استلمتها في مركز الشباب كانت النهاية الرسمية لقصة مليانة بالوجع، بس كانت البداية الحقيقية لحياة جديدة بنيتها بعرق جبيني وكرامتي. خرجت من تجربة زواجي وأنا فاهمة إن الضعف استسلام، وإن الست لما بتنداس كرامتها مالهاش غير سند نفسها وأهلها اللي صانوها.
حمزة كبر وبقى يروح الروضة، ولد زي الفل، عينيه مليانة ذكاء وشقاوة، وكل ما يكبر كل ما يبهت أثره القديم في قلبي ويتحول لحب مطلق للطفل اللي بقى كل دنيتي. رجعت كملت دراستي المفتوحة اللي كنت وقفتها أيام الجواز، وبدأت أشتغل في حضانة خاصة في البلد، ومنها لتفصيل وتطريز الهدوم اللي تعلمته من أمي. بقيت أعمل قرشي بأيدي، ومرفوعة الراس، لا مستنية نفقة تتأخر ولا منّة من حد. أبوي كان يبص لي وأنا قاعدة على ماكينة الخياطة في الليل والولد نايم جنبي، ويقول لي وهو بيعدل شاله:
“الله يرضى عليكِ يا بتي، رفعتي رأسنا وصنتي نفسك، والقرش اللي ييجي بعرقك هو اللي فيه البركة.”
في الناحية التانية، كان الليل ما بيمشيش على القاهرة. جوزي السابق -اللي بقى بالنسبة لي مجرد ذكرى بعيدة- كان عايش في القاع اللي صنعته أمه بأيدها. الشقة الكبيرة اللي كانت سبب الفتنة بقت زنزانة متأخرة. أمه كبرت في المرض، الجلطة تمكنت من نص جسمها التاني، وبقت طريحة السرير، لا بتقدر تتكلم كلام مفهوم ولا تتحرك. كانت تقضي اليوم كله بتبص للسقف ودموعها نازلة، وكل ما تدور عينها في الأوضة وتشوف التراب والمكان المكركب، تفتكر النهار اللي وقفت فيه في وسط الأوضة وقالت لي: “أنزل نضفي شقة أختك ومينفعش تنزل تلاقيها كده وأنتِ موجودة زي القضاء والقدر!”
أخته اللي في السعودية، الموقف بينها وبين أخوها وصل لطريق مسدود. لما طالبت بحقها في الشقة أو إنها تجيب أثاثها، أخوها اتخانق معاها في التليفون وصوتهم جاب آخر الشارع، قال لها بصوت مليان مرار: “أنتِ جاية تدوري على شقة وأثاث؟ أمك ميتة بالبطيء في السرير وأنا ضيعت بيتي ومراتي وابني بسبب إجازتك وبسبب النظافة اللي كنتِ عايزاها! العيب مش عليكِ، العيب على اللي سمع كلامكم ودمر حياته!” ومن يومها، قطعت أخته الاتصال تماماً، وبقت المادة والفلوس هي اللي حاطة السور بين الأخ وأخته اللي ضحى بعائلته عشانها.
في يوم جمعة شديد الشتاء، المطر كان بينزل في الصعيد كأنه بيغسل الأرض. كنت قاعدة في بيت أبوي بنعمل شاي دافئ على الكانون، وبنضحك مع حمزة وهو بيلعب. الباب اتخبط، ولما فتحنا لقينا المحامي بتاعنا واقف، ولابس معطفه ومبلول من المطر. دخل المحامي ورحب بيه أبوي، وقال له: “خير يا أستاذ؟ في حاجة جديدة في النفقة ولا القضايا؟” المحامي قعد وأخد كاس الشاي وقال بنبرة فيها ثقل: “لا يا حاج، النفقة بتنزل في موعدها وما فيش قضايا.. أنا جاي أبلغكم بحاجة تانية تخص أبو حمزة.”
أنا وقفت وسكت، وأبوي بص للمحامي وقال له: “خير؟ حصل له حاجة؟” المحامي كمل وقال: “أبو حمزة اتصل بيا البارحة بالليل.. كان بيبكي بكاء مرير، وطلب مني أقول لشيماء إن أمه اتوفت البارحة بالليل بعد صراع طويل مع المرض.” السكون خيم على الأوضة. أمي حطت إيدها على بؤها وقالت: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. ربنا يرحمها ويسامحها على اللي عملته.”
المحامي كمل كلامه وهو بيصلي على النبي: “الراجل قلبه مكسور تماماً يا جماعة.. بيقول إنه دفن أمه النهاردة الصبح، وقاعد في الشقة لوحده، مش قادر يقعد فيها ساعة واحدة. الشقة فاضية، والبيت مهجور، وهو حاسس إن كل شبر في البيت بيصرخ في وشه بذنب شيماء وأهلها. وطلب مني أمانة أقولها لك يا شيماء.” بصيت للمحامي وقُلت له بثبات: “أمانة إيه يا أستاذ؟”
المحامي طلع الورقة اللي كتب فيها كلامه وقال: “بيقول لك: ‘أمي راحت لمولاها، والذنب اللي في رقبتي ورقبتها مش قادر أشيله لوحدي. أنا مسامح في كل حاجة، وبترجاكي من كل قلبي تدعي لها بالرحمة، وتسامحيها على كلمة الفقر والتعييرة اللي قالتها لأهلك، عشان هي راحت للحي القيوم اللي ما بياخدش عنده إلا الحق.. وأنا أستاهل كل اللي يجرى لي، بس طمني قلبي إنك مش شايلة في قلبك منها بعد ما راحت لدراها’.”
الدموع نزلت من عيني صامتة.. مش حزناً على أمه، ولا ندم على فراقه، لكن على الدنيا الرخيصة اللي الناس بتبني فيها أوهام من الكبر والغرور، وفي الآخر بيخرجوا منها بحتة قماش بيضاء وما بيفضلش غير الأثر والتسامح. أبوي رفّع راسه وقال بوقار أهل الصعيد: “الميت راحت لمولاها يا أستاذ، وما يلتجئش عليها غير الرحمة.. ربنا يسامحها ويغفر لها ويغفر لنا جميعاً. قل له يا أستاذ إننا مسامحين لوجه الله، والذنب اللي كان بيننا وبينها انطوى بوفاتها.”
المحامي هز رأسه احتراماً وقال: “الله ينور عليك يا حاج، ده أصلكم.. بس أبو حمزة كمان قال إنه من الجمعة الجاية مش هيقدر ييجي الرؤية لعدة أسابيع، لأنه بيمر بظروف صحية ونفسية صعبة جداً، ونقول لـ حمزة إن أبوه مسافر شغل عشان ما يزعلش.”
بعد ما مشي المحامي، قعدت على الخياطة ثاني، مسكت قماش الرضيع اللي كنت بنضفه لحمزة، وبصيت للولد وهو نايم في ح.ضن أمي. حسيت إن الأيام أثبتت لي إن الحق ما ، وإن ربنا ما بيكسرش خاطر مظلوم. أمه راحت لدار الحق، وهو بقى عايش في دار الباطل اللي بناها بأيده، بيت فاضي، مهجورة كلها تراب وذكريات توجع القلب، وأخت بايعة، وابن بيشوفه بساعات ومستندات.
مرت شهور على وفاة أمه، وجاء يوم الجمعة اللي قال المحامي إن أبو حمزة هيرجع فيه للرؤية بعد غياب. أخدت الولد ورُحت مركز الشباب.. كنت متوقعة أشوف راجل حزين، بس اللي شفته في اليوم ده على باب مركز الشباب خلى قلبي يتنفض من الذهول! وقفت على باب مركز الشباب والرجلين بتتخشب تحت مني، والولد ماسك في صوابعي بقوة وهو بيستكشف المكان بعينيه. الراجل اللي كان قاعد على البنش الخشبي وتحت شمس الظهرية ما كانش الشاب اللي عرفته ولا حتى الزوج المكسور اللي شفته من شهور.. كان عبارة عن خيال راجل، شبح انكمشت ملامحه وضهر انحنى كأنه شايل جبل فوق كتافه.
شعر رأسه كان أبيض بالكامل زي القطن، وش المليان قسوة وكبرياء زمان بقى عبارة عن تجاعيد غائرة وجلد مشدود على العظم. كان لابس بدلة قديمة ومبهدلة، وكأنه نسي الحياة ونفسه من يوم ما دفن أمه وقفل على نفسه باب المهجورة. أول ما شافنا داخلين من باب السور، حاول يقوم يستقبلنا، بس رجله خانته وقعد تاني بسرعة على البنش، ونفسه طالع بعافية كأنه طالع جبل. مد إيده البترعش ببطء شديد ونادى على الولد بصوت بحوح ومكتوم: “حمزة.. تعالى يا بني.. تعالى يا حبيب أباك.”
الولد بص لي الأول يستأذن بعينيه، ولما هزيت له رأسي بالراحة، أخد خطوات خايفة وقرب منه. أبو حمزة مسك إيد الولد الصغير وحطها على وشو وشعره الأبيض، وبدأ يبكي بصوت صامت، دموع نازلة تقطر على أطراف صوابع الطفل. الولد ما خافش المرة دي، بل رفع إيده الصغيرة ومسح دموع أبوه وقال له ببراءة الأطفال: “أنت بتعيط ليه يا بابا؟ هي تيتة راحت عند ربنا خلاص؟”
