منوعات

بعد ولادتي .حكايات روماني مكرم

الكلمة دي قطعت ما تبقى من قلب الراجل، ضم الولد لصدره بلهفة وبكاء مسموع خلى عمال مركز الشباب وأمين الشرطة يبصوا عليه بألم وشفق. فضلت واقفة بعيد، ساكتة، ببص للرسمة اللي رسمتها الأيام.. الرسمة اللي أثبتت إن الدنيا كاس وكل واحد بيشرب منه على قدر أفعاله. بعد ما هدي شوية، أخرج من جيبه كيس بلاستيك صغير، فيه شوية حلوى ولعبة صغيرة شاريها من السكة، واداهم للولد. ولما الولد انشغل باللعبة، رفع عينيه المطفيين وبص لي، وقال بنبرة مكسورة ومستسلمة تماماً:

“ازيك يا شيماء.. يا رب تكوني بخير أنتِ والحاج والأم.” رديت بوقار وهدوء: “الحمد لله يا ابن الناس، كلنا بخير ونعمة من ربنا.” تنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال: “أنا جاي النهاردة مش بس عشان أشوف حمزة.. أنا جاي أسلم عليه وعليكي، لأني ماشية يا شيماء.. سايب القاهرة كلها وماشي.” بصيت له باستغراب وقُلت: “ماشي رايح فين؟”

ابتسم ابتسامة مكسورة مليانة حزن وقساوة وقال: “بعت الشقة.. الشقة اللي كانت سبب خراب بيتي، والتي كانت أمي -الله يرحمها- عايزاكي تنزلي تنضفيها وجرحك ناضح دم.. بعتها برخيص يا شيماء، بعتها عشان مش قادر أدخلها ولا أتنفس فيها. كل ركن فيها كان بيصرخ في وشي بصوتك وصوت عياطك، وكل شبر تراب فيها كان بيذكرني بقسوتي وذنبي.. بعتها وسددت باقي ديوني، وباقي القرشين حطيت نصهم في حساب البنك باسم حمزة، يتربى بيهم ويكبر، والنص التاني أخدت بيه أوضة صغيرة بالإيجار في إحدى قرى طنطا، هقعد هناك أشتغل في مصنع غزل وصوف، بعيد عن الناس وبعيد عن الذكريات اللي بتق.تلني كل ليلة.”

سكت شوية، والدموع رجعت تلمع في عينيه وكمل: “أختي في السعودية عرفت إني بعت الشقة، اتصلت بي تصرخ وتطالب بنصيبها، وقالت لي كلام أقسى من الرمح.. سيبت لها الفلوس في البنك وقلت لها خدي حقك وابعدي عني.. أنا أختي باعتني عشان قرشين، وأمي راحت، ومراتي وابني ضاعوا مني بسبب طمعنا وقسوتنا.. أنا بقيت في الدنيا دي طريد، ماليش أصل ولا سكن ولا ونيس غير ذنبي.” الكلام كان ب ينزل زي المطر الثقيل، وقفت مش عارفة أقول إيه. القسوة اللي جربتها منه زمان تلاشت، وحل مكانها الشفقة على إنسان دمر حياته بيده.

قرب خطوة من السور وقالي بتوسل: “أنا مش هقدر أجي الصعيد كل أسبوع زي الأول يا شيماء.. الصحة راحت والقلب اتعطب.. هجي مرة واحدة في الشهر أشوف حمزة ساعتين وأمشي.. وبترجاكي، لو جرى لي حاجة في الغربة دي، ما تخليش حمزة يكرهني.. قوليلو أبوه كان عبيط وقاسي وركب رأسه لحد ما خرب بيته، بس كان بيحبك وكان ندمان لحد آخر نفس في حياته.” أبوي كان جاي من بعيد عشان ياخدنا، وقف وشاف المنظر، سمع أواخر الكلام. قرب من أبو حمزة، وحط إيده على كتفه بوقار وحنان الأب الصعيدي، وقال له:

“استعيذ بالله يا بني.. ربنا غفور رحيم، وأنت ذقت عقابك ودقت المرار، والمسامحة من شيم الكرام.. روح في طريقك وربنا يصلح حالك، وابنك في حفظ الله ورعايته، هيربى على الأصول والدين، وعمره ما هيسمع منا كلمة واحدة تعيبه في أبوه.” أبو حمزة انحنى وباس إيد أبوي بحرارة، وبص لي بآخر نظرة رجاء ووداع، ونزل باث رأس حمزة وقال له: “خلي بالك من أمك يا حمزة.. أمك جوهرة أنت ما تعرفش قيمتها، حطها في عينيك واستقوى بيها.”

لف ضهره ومشي بخطوات بطيئة، ضهره محني وشعره الأبيض يبان من تحت الكاب اللي لابسه، واختفى في زحمة الشارع الرئيسي. رجعت البيت وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي انزاح بالكامل، بس الأيام ما كانتش لسه قفلت الستار، لأن بعد مرور سنة كاملة على سفر أبو حمزة وانقطاع أخباره، وصل لبيتنا في الصعيد جواب مكتوب بالإيد، جاي من مستشفى حكيمي في طنطا!

استلمت أمي الجواب من إيد ساعي البريد، الجواب كان أصفر ومكرمش، مكتوب عليه بخط مرعوش وركيك اسم أبوي والعنوان بالتفصيل، وفي أقصى الظرف من فوق ختم مستشفى طنطا العام. أمي إيدها كانت بترعش وهي بتمسك الظرف، ونادت عليّ بصوت خايف: “يا شيماء.. تعالي يا بتي شوف الجواب ده، ده جاي من طنطا من الناحية اللي راحها أبو حمزة!”

طلعت من الأوضة وأنا مسكة المقصة والمتر بتاع الخياطة، قلبي اتفض في صدري أول ما شفت اسم المستشفى. أبوي كان قاعد في حوش البيت بيصلح في الفأس، حط الفأس على جنب، وعدل نظارته، وأخد الجواب من إيدي ببطء شديد. فتح الظرف بحذر، وطلع الورقة المكتوبة بخط طبيب أو ممرض، وبدأ يقرأ بصوت واطي وأمي وأنا واقفين على أعصابنا. الجواب كان نصه كالتالي:

“إلى السيد المحترم والد السيدة شيماء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نُحيطكم علماً بأن المريض (فلان) يرقد لدينا في قسم الباطنة بالمستشفى العام بطنطا في حالة صحية حجة جداً، إثر إزاداد وتدهور حالته بمرض التليف الكبدي والفشل الكلوي. المريض يرفض العلاج، ولا يوجد بجانبه أي مرافق أو أحد من أقاربه، وهو في ساعات حارجة من عمره، ولا يتوقف عن المناداة باسم ابنه ‘حمزة’ وطلب العفو من زوجته السابقة ‘شيماء’. نرجو حضوركم أو إبلاغ من يهمه الأمر للضرورة القصوى قبل فوات الأوان.”

أمي حطت إيدها على صدري وصدرها وبدأت تبكي: “يا مري يا بني! الداهية اللي طاح فيها دي كلها وهو لوحده في الغربة؟ لا حبيب ولا قريب جنبه؟” أبوي قفل الجواب وطواه ببطء، بص لي بعيون مليانة وقار وحكمة، وقال لي بصوت صلب هادي: “سمعتِ الجواب يا بتي؟ الأيام دارت، والراجل بين إيدين الكريّم.. لا هينفعه ندم ولا هينفعنا قسوة. القلوب لو ما لانتش في لحظات الموت، يبقى ما فيهاش رحمة ربنا.”

قعدت على الدكة وأنا جسمي كله بيتكتك. افتكرت كل حاجة.. افتكرت النهار اللي كنت واقفة فيه بتسند على الحيطة وأنا جرح القيصرية ناضح دم، وهو بيبص لي بقلة حيلة وبيقول لي “قومي نضفي شقة أختي ومش عايزين مشاكل”. افتكرت أمه وهي بترميني بالفقر، وافتكرت القطر السريع اللي ركبته في نص الليل بدموعي ونزيفي.. وافتكرت كمان منظره وهو زاحف على ركبتيه في صالتنا، وشعره اللي ابيض، وجسمه اللي اتنحل، والدموع اللي غسلت وشو في مركز الشباب.

بصيت لأبوي وقُلت له بصوت مخنوق: “أنا سامحته لله يا أبوي من زمان.. بس أروح له؟ أروح أعمل إيه بعد السنين دي كلها؟” أبوي قام وقف، وعدل الشال على كتافه وقال بقاطعية الصعايدة: “تروحي يا بتي.. تروحي وتاخدي حمزة معاكي، عشان الولد يشوف أبوه للمرة الأخيرة، وعشان ما يجيش يوم ويقول أمي حرمتني من شوفة أبوي وهو بيموت. ونحن ناس عندنا أصل، لما الخصم يقع ويستسلم للموت، النخوة بتقول نحضر ونستر ونشيل.”

سافرنا في نفس الليلة. أخدنا قطار الليل المتجه لشمال مصر. الطريق كان طويل ومظلم، صوت عجيب القطر على القضبان كان بيض.رب في دماغي ويرجع لي شريط سنين طويلة من العذاب والانتصار والكرامة. حمزة كان نايم في ح.ضني، بقى ولد عنده أربع سنين، يفهم ويعرف، وكل شوية يصحى يسألني: “إحنا رايحين فين يا ماما؟” وأنا أرد عليه وأمسح على شعره: “رايحين نشوف بابا يا حبيبي، بابا تعبان شوية ولازم نطمن عليه.”

وصلنا مستشفى طنطا العام مع أول شعاع شمس للنهار الجديد. الريحة في العنبر كانت ريحة المظهرات والأدوية والهم. مشينا في الطرقات الطويلة، أبوي ماشية بثبات وفي إيده العكاز، وأنا ماشية جنبه شايلة حمزة أو ماسكة إيده. دخلنا العنبر المجاني.. كان عنبر كبير فيه عشرات الأسرة المتراصة، كل سرير عليه إنسان بينتظر مصيره. سألنا الممرضة، شاورت لنا على سرير في أخر العنبر جنب الشباك. قربنا بخطوات بطيئة.. السرير كان عليه جسم نحيل جداً، غاطس تحت الملاءة البيضاء الدبلانة. خراطيم الأكسجين والمحاليل متوصلة بجسمه، ووشه شاحب زي لون الرماد، شفايفه ناشفة ومشققة، وعينيه مقفولة بصعوبة، ونفسه طالع ونازل بصوت حشرجة مرعبة.

أبوي قرب منه بالراحة، وحط إيده الدافية على كتفه ونادى بصوت واطي: “يا فلان.. يا بني.. وحد الله.” الراجل فتح عينيه ببطء شديد، العينين كانت زجاجية ومطفية تماماً. بدأ يحرك حدقة عينه في الصالة ببطء لحد ما وقعت عليا وعلى حمزة وعلى أبوي. لأول وهلة، افتكر نفسه بيحلم، أو إن دي تهيؤات سكرات الموت. حاول يرفع إيده البترعش عشان يلمس الهوا، بس الإيد كانت تقيلة ومش شايلاه. طلعت من حنجرته بحة صلبة ومكسورة: “حـ… حاج؟ شيماء؟ أنتِ هنا يا شيماء؟ ولا أنا بقيت في الآخرة خلاص؟”

قربت خطوات من أطراف السرير، حطيت إيد حمزة على حرف الملاءة، وقُلت له بصوت هادي: “إحنا هنا يا فلان.. جينا نطمن عليك ونشوفك.” بدأ يبكي.. بكاء بدون صوت، الدموع كانت بتطلع من عيونه المريضة وتنزل على الخدين الغائرين لتغرق المخدة. حاول يقعد، المحاليل شدت في إيده، أبوي مسكه بالراحة وسنده على المخدة، وجاب كوباية مية من على الطقطوقة، حط فيها نقطتين مية على طرف صباعه وبدأ يبلل شفايفه الميتة.

الراجل مسك إيد أبوي وشبّك فيها بإيدين ضعيفة، وقال وهو بيتخنق بالدموع: “سامحني يا حاج.. سامحني بالله عليك! أنا ظلمت بتك الشريفة العفيفة، وعيرتكم بفقركم الشريف، وربنا أخد حقكم مني في صحتي ومالي ونسلي! أنا هقابل ربنا كمان شوية يا حاج، ومش قادر أقابله وأنا شايل الذنب ده!” أبوي بص له بعين فيها رحمة الصعايدة وعزة نفوسهم، وقال له: “مسامحينك يا بني لله والوطن.. المسامحة تمت من يوم ما زحفت على ركبتك وجيت بيت أبوي. الميتين راحت لمولاها، وأنت بين إيدين رحيم كريم. اطمن ورّيح بالك، سرك وسر بيتك مستور، وابنك في حمايتي وحماية أمه.”

هنا، الراجل دور وشو ناحيتي، بص لي بنظرة رجاء واسترحام عمرها ما تترسم في عين إنسان حي إلا وهو بيفارق، وقال بصوت بيتقطع مع النَفَس: “شيماء.. ابني يا شيماء.. حمزة! خليه يقرب مني.. خليه يلمسني قبل ما أمشي.” شلت حمزة وقربته من السرير. الولد لما شاف أبوه بالشكل ده، عينيه اتملت دموع وهرش في رقبتي خايف، بس قُلت له بحنية: “ما تخافش يا حمزة.. ده بابا، سلم على بابا وقبل إيده.”

الولد مد إيده الصغيرة، وباس رأس أبوه الأبيض والشاحب. أبو حمزة أخد كف الولد الصغير وحطه على قلبه اللي كان بيلفز أنفاسه الأخيرة، وبقى يشده لصدره وهو بيستنشق ريحة الولد كأنه بياخد زاد للطريق الطويل. قال وهو بيحشرج: “يا حمزة.. يا بني، أوعى تظلم حد في حياتك.. أوعى تجور على ست أو تبيع اللي صانتك عشان خاطر حد! أمك دي تاج على رأسك، شيلها في عينيك وحافط عليها.. أنا ضيعت الجنة اللي كانت في إيدي عشان خاطر الكبر والافتراء!”

ثم بص لي وقال آخر كلمات تطلع من لسانه: “سامحيني يا شيماء.. سامحي أمي.. قوليلها فلان مات وهو بيطلب منك العفو.. ادعي لي يا شيماء.. ادعي لي بالرحمة.”

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى