منوعات

حماتي كانت كل ما أرجع من عند أهلي

ما كنتش عايزة أخدعك يا بنتي والله ما كنتش. كنت خاېفة. خاېفة على ولدي، وخاېفة على مستقبله، وخاېفة الشقة اللي تعب فيها أبوه كتير تضيع في لحظة. أبوكم كان راجل صالح، بس كان حازم في وصيته، وما فهمناش إلا بعد ما ماټ إن الشرط ده ممكن يدمرنا كلنا. كنت كل ما تروحي عند أهلك أحسّ قلبي بيقع في رجليا، أقول الحقّ، الحقّ عرفوا، وهم جايين ياخدوا حقّ بنتهم، ونبقى إحنا في الشارع. كل ما أسألك قالولك إيه عننا؟ ما كنتش بسأل عن كلام كنت بسأل عرفوا الحقيقة؟ وهيسامحونا؟

قربت منها شوية، وما كنتش عايزة أكون قاسېة عليها، بس كنت لازم أتكلم
يا ماما، المشكلة مش في الوصية ولا في الشقة. المشكلة إنكم خدعتوني. لو كنتو قلتولي من الأول، كنت فهمت. أهلي ناس بيتقوا ربنا، وما حدش فيهم بيفكر ياخد حاجة مش بتاعته. بس لما تحطّوا في دماغكم إننا أعداء وإننا جايين ناخد منكم، بدأتوا تتصرفوا كأننا فعلاً أعداء، وده اللي خلى بينا الحواجز دي كلها.
رفعت راسها وبصت لي وقالت
وأنتِ متأكدة إنهم ما كانوش هيطلبوا منك الشقة؟ أبوكي راجل عاقل، وكل الأباء بيخافوا على بناتهم.
أبويا طلب مني إيه عن الشقة؟

طلب مني أكون حنونة معاكم، وأعرف إني في بيت زوجي، وأحافظ على بيتي. ده كل اللي قاله. هو ما فكرش يطلب الشقة باسمي لأنه عارف إن الحقّ حق الغير، واللي بتاع الناس ما بناخده. وأنتِ طول الوقت بتعاقبي نفسك وتعاقبينا كلنا عشان خوف ما كانش له أصل.
جوزي قام وقعد جنبها ومسك إيدها وقال
يا ماما، سارة بتقول الحقّ. إحنا ضيعنا شهور وسنين في خوف وتخبّي، وما كنا محتاجين كل ده. المفروض من أول يوم نصارحها، ونروح نصارح أهلها، ونقول لهم الحقيقة كاملة. هم ما هيقولوش حاجة غلط.

بكت حماتي بكتة حقيقية، كأن الهم اللي كان على قلبها سنين نزل دلوقتي مرة واحدة. قالت
أنا آسفة يا بنتي آسفة إن كنت معاكي غريبة طول الفترة دي، وإن كنت أشكّ فيكِ وفي أهلك. الخۏف عمّاني، وما شفتش غير الظلام.
قعدت جنبها ومسكت إيدها وقولت لها
خلاص يا ماما، اللي فات ماټ. المهم دلوقتي إيه اللي هنعملوه؟ لازم نعرف الحقيقةكاملة، ونرتب أمورنا.
من اليوم ده اتغير كل حاجة في البيت. السؤال المتكرر قالولك إيه عننا؟ اختفى تماماً. مكانه بقت جلسات صراحة، أحياناً نحكي فيها ونضحك، وأحياناً نحكي ونبكي.

وبعد أسبوع قررنا نروح كلنا مع بعضأنا وجوزي وحماتيلبيت أهلي، ونقول لهم الحقيقة كاملة من أولها لآخرها، من غير ما نخفي ولا كلمة.
لما وصلنا، وأول ما جلسنا، حماتي بدأت تتكلم، ويديها كانت ترتجف، وحكت لأمي وأبويا كل حاجة الوصية، الشرط، خۏفها، سؤالها المتكرر، الورقة اللي خدتها، وكل اللي حصل. ولما خلصت الكلام، سكتّ الدنيا دقائق.
أبويا كان قاعد ساكت، باصص للأرض، وبعدين رفع راسه وبص لها بكل هدوء وقال
يا حاجة، أنا شايفة إنكِ عشتِ في ړعب سنين طويلة، وكل ده عشان فكرة في دماغك ما كانتش لازم تطلع من الأساس.

الشقة دي بتاعت عيلة ابنك، وفيها وصية أبوهم، والوصية لازم تُحترم. أنا ما جيتش أطلب شقة ولا أرض. أنا جيت أطمن على بنتي، وأعرف إنها في أيد أمينة. وإن شاء الله لو يوم جاء أخو جوز سارة ورجع مصر، هنقف مع بعض، ونرتب أمورنا بالحلال والرضا، وما فيش حاجة بالعُنف ولا بالخۏف.
أمي مسكت إيد حماتي وقالت لها
إحنا مش أعداء يا حبيبتي. إحنا أهل. والخۏف اللي كان بينا هو اللي خلى كل واحد فينا يشوف التاني غلط. دلوقتي صارحنا بعض، وبقينا نعرف اللي خافي، فما عادش فيه حاجة تخافي منها.

دموع حماتي نزلت تاني، بس دموع هذه المرة كانت دموع راحة واطمئنان، مش دموع خوف. عانقت أمي، وقالت لهم
الله يكرمكم ربنا يخليكم ليا. ما كنتش أتوقع إنكم تقدرّوا تسامحوني وتقولولي كلام طيب زي ده.
مرت الأيام واتحولت الشهور، والبيت بقا بينا دفء ما كانش موجود قبل كده. حماتي بقت تروح معايا عند أهلي من وقت للتاني، وبقت تصدقهم وتحبهم، وعرفت إن ما كانش فيه حد عايز يأخذ منها حاجة، وإن الخۏف اللي عاشته كل ده كان من وحشة الخۏف نفسها، مش من الحقيقة.

بعد حوالي شهرين، جات رسالة من السفارةأخو جوزي قرر يرجع مصر بعد ما سافر أكتر من عشر سنين. الخبر ده خلى البيت كله يفرح، بس كمان خلى الكل يفكر في الوصية والشقة والحقوق. قررنا نستنى لحد ما يوصل، ونقعد مع بعض كلنا، ونكلم المحامي، ونرتب كل حاجة بالطريقة اللي ترضي الجميع.
في ليلة قبل ما يوصل، كنت قاعدة في الصالة مع حماتي، نشرب شاي مع بعض، وهي كانت بتبص للباب كأنها مستنية حد. قالت لي فجأة
فاكرة لما كنت أسألك كل مرة قالولك إيه عننا؟؟
ابتسمت وقلت لها
طبعاً فاكرة. كنت مستغربة أوي وقتها.

كنت كل مرة أقول لنفسي لو عرفوا الحقيقة، هيرمونا بره. وهيعتبروا غدارين. بس الحمد لله اللي كشفت الورقة دي، والحمد لله إنكِ كنتِ صبورة عليا. لو ما كنتِ صبورة، كان ممكن أضل أتخبّى لحد ما أمـ,ـوت وما أرتاحش.
مسكت إيدها وقلت لها
الورقة ما كانتش مجرد ورقة يا ماما. كانت باب كان لازم يتفتح عشان نعرف بعض ونعيش بصدق. والصدق مهما كان صعب في الأول، هو الوحيد اللي بيدوم.
وهكذا، انتهى الزمن اللي كانت الكلمة الوحيدة اللي بتتكرر فيه قالولك إيه عننا؟ بزمن جديد، الكلام فيه بيجي من القلب بلا خوف ولا تخبّي.

وعرفنا جميعاً إن أكبر سرّ ما بين الأهل مش الشقة ولا المال أكبر سرّ هو الخۏف اللي ما بنتكلمش عنه، وإن لما نصارح بعض، الأحجار كلها بتتحرّك، والقلوب
بتتلاقى.
واليوم، لما بفتح باب الشقة وأدخل، ما بلقاش حد يسألني قالولك إيه عننا؟ بلقاشم بيقولولي حمد لله على السلامة يا حبيبتي، تعالي نقعد نحكي إحنا إيه عملنا النهاردة. وده أحلى سؤال ممكن أسمعه في الدنيا.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى