حماتي كانت كل ما أرجع من عند أهلي تسألني نفس السؤال، وبنفس الطريقة كأنها مستنية إجابة معينة
قالولك إيه عننا؟
في الأول كنت بضحك وأقول لها
ولا حاجة يا ماما، قعدنا شوية واتكلمنا في حاجات عادية.
فتسكت، بس كنت ألاحظ إنها بتبص في وشي كأنها بتحاول تقرأ كلام أنا ماقلتهوش.
كنت فاكرة إنها مجرد ست بتحب تعرف أخبار البيت، خصوصًا إن علاقتي بأهلي كانت قريبة، وكل أسبوع تقريبًا كنت بروح لهم.
لكن مع الوقت، السؤال بدأ يتكرر بشكل غريب.
أول ما أدخل من باب الشقة، حتى قبل ما أخلع الجزمة
مامتك قالتلك إيه؟
بابا كان بيتكلم عن إيه؟
إخواتك سألوكي عن جوزك؟
حد اتكلم عن حياتكم؟
وأنا كنت كل مرة أضحك وأرد
والله ما قالوا حاجة.
لحد ما في يوم رجعت من عند أهلي، لقيت جوزي قاعد معاها في الصالة.
أول ما دخلت، الاتنين سكتوا.
سكتة قصيرة جدًا
بس كفاية إني أحس إن الكلام كان عني.
بصيت لهم وابتسمت.
خير؟
حماتي ردت بسرعة
ولا حاجة يا حبيبتي.
دخلت أوضتي وبدلت هدومي، لكن وأنا خارجة سمعت صوتها وهي بتسأل جوزي
وأنت لما كنت عندهم إمبارح قالولك إيه عننا؟
وقفت مكاني.
نفس السؤال.
بنفس الكلمات.
بس المرة دي
السؤال ماكانش ليا.
كان لجوزي.
قعدت أسمع من بعيد.
جوزي قال
ماما، هو إنتِ ليه مهتمة أوي يعرفوا عنك إيه؟
حماتي اتوترت.
لا يا ابني، بس بسأل.
بتسألي مراتي كل مرة تروح عند أهلها، ودلوقتي بتسأليني أنا كمان.
سكتت.
وبعدين قالت
أصل أنا بحب أعرف الناس بتقول عني إيه.
جوزي ضحك
وإيه اللي هيقولوه يعني؟
ماسمعتش ردها.
دخلت عليهم وقتها كأني ما سمعتش حاجة.
ومن اليوم ده بدأت ألاحظ تفاصيل ماكنتش باخد بالي منها.
كل مرة أرجع من عند أهلي، حماتي تسألني.
وكل مرة جوزي يزور أهلي لوحده، تسأله.
ولو أختي اتصلت بيا، تفضل قريبة مني.
ولو أمي تبعتلي رسالة، تسألني
مين اللي باعت؟
في الأول قلت يمكن غيرتها مني.
لكن بعد كام أسبوع، حصل موقف خلاني أشك إن الموضوع أكبر من مجرد فضول.
كنت عند أهلي، وأمي قالت لي جملة عادية جدًا عن جوزي
خلي بالك من نفسك، وإنتِ لو احتجتي حاجة إحنا موجودين.
مافيهاش أي سر.
ولا حتى حاجة تتخبى.
رجعت البيت، وحماتي كعادتها سألتني
قالولك إيه عننا؟
ضحكت وقلت
ولا حاجة.
وشها اتغير.
أكيد قالوا حاجة.
لا والله.
مامتك زعلانة مننا؟
لأ.
أخوكي اتكلم عن جوزك؟
لأ.
فضلت تسأل لحد ما أنا بدأت أستغرب.
وبعدين قالت فجأة
طيب أبوكي قال إيه عن الشقة؟
اتجمدت.
لأن أبويا فعلًا كان سألني في الزيارة عن الشقة.
بس ماكنتش قلت لها.
بصيت لها وقلت
إنتِ عرفتي منين إنه سألني عن الشقة؟
سكتت.
لأول مرة
ماعرفتش ترد.
وفي اللحظة دي فهمت إن السؤال اللي كانت بتسأله كل مرة
قالولك إيه عننا؟
ماكانش فضول.
كانت بتحاول تعرف
إيه اللي إحنا عرفناه عنها.
والأغرب إن بعدها بيومين، وأنا بفتح درج قديم في الصالة، لقيت ورقة تخص ملكية الشقة ناقصة من الملف.
ولما سألت جوزي عنها، بص لي للحظات وقال
ماما قالت لك إيه عن الورقة دي؟
ساعتها عرفت إن الموضوع ماكانش عن كلام أهلي علينا
كان فيه حاجة حماتي خاېفة أهلي يعرفوها من الأساس.
بصيت لجوزي للحظة، وقلبي دق بسرعة ما كنتش أحسّه من زمان. كلامه ده جابلي ړعب مش عاديلأنه ما سألنيش إيه الورقة دي؟
ولا ليه بتسألي؟، لأ هو سألني مباشرة ماما قالت لك إيه عن الورقة دي؟ كأنه عارف إنها اللي خدتها، وكأنه مستني أعرف الحقيقة كلها.
قلت له بصوت هادي ومتردد
هي الورقة اللي ناقصة من ملف الشقة، ورقة الملكية القديمة إنت بتقول إن ماما اللي خدتها؟
جوزي غمض عينيه وشدّ على شعره بيده، وقعدعلى الكنبة كأنه حمل عليه جبل. سكت دقائق طويلة، ما كانش عايز يتكلم، وأنا قاعدة قدامه مستنية، كل دقيقة بتمرّ بيها بتبدو كأنها ساعة.
لحد ما رفع راسه وبص لي بعينيه اللي كان فيها خزي وقلق وقال
يا ريتك ما وصلتي للمرحلة دي يا سارة يا ريتك ما كشفتي حاجة كنت حاول أخفيها عنك من أول يوم.
قلت له بصوت بدأ يعلو شوية
أخفيها ليه؟ وإيه الورقة دي أصلاً؟ وليه هي خاېفة أهلي يعرفوها لدرجة كل ما أرجع من عندهم تسألني بنفس السؤال؟ إحنا في سرّ إيه هنا؟
تنهد بعمق وبدأ يحكي، وصوته كان تقيل ومكسور
الشقة دي يا سارة ما كانتش ملكي من الأساس. كانت ملك أبوي الله يرحمه.
لما ماټ، هي اتسجلت باسمي بس، لكن كان فيه شرط في الوصية ما حدش يعرفه غيري وماما. أبويا كتب في ورقة منفصلة إن الشقة تبقى ليّ طول ما أنا عايش، ولما أمـ,ـوت تروح كلها لأخويا الكبير اللي كان مسافر بره مصر من زمان وإن ماما تعيش فيها طول حياتها وما تخرجش منها. الورقة اللي لقيتها ناقصة دي كانت نسخة تانية من الوصية كاملة، اللي فيها الشرط ده مكتوب بخط أبويا وتوقيعه.
اتفاجئت وقلت
يعني إيه؟ يعني الشقة مش بتاعتك بالكامل؟ وإن أخوك يقدر ياخدها مننا في أي وقت؟
مش في أي وقت بس لما ماما ټمـ,ـوت، أو لما هو يقرر يرجع ويطالب بحقّه. والمشكلة الأكبر أبويا كتب كمان في نفس الوصية إنه لو اتضح إن الشقة بتباع أو بتتنقل لحد تاني غير أفراد العائلة، الملكية كلها تروح للجمعية الخيرية اللي هو كان بيتبرع ليها طول حياته. وما حدش يأخذ منها حاجة.
قعدت أستوعب الكلام ده، ودماغي كانت بتدور. سألتوه
وعلاقة ده بأهلي إيه؟ وليه هي خاېفة يعرفوا؟
هنا جوزي سكت شوية، وبدا يتكلم ببطء وكأنه بيجرّ كل كلمة قبل ما يخرجها
لأنك يا سارة لما جيت نعرف على بعض واتكلمنا في الجواز، أبوكي كان سألني عن الشقة، وقلت له إنها ملكي بالكامل، مفيش فيها شريك ولا شرط. وماما كانت معايا في اللحظة دي وسمعتني. وما ردت عليا وقتها، بس بعد كده قالت لي إن ده غلط، وإن لازم نصحّح الوضع. لكن في الحقيقة هي كانت خاېفة إن أبوكي يطلب يكتب الشقة باسمك أو باسمينا مع بعض بعد الجواز، زي ما بيعملوا كتير من الناس عشان يضمنوا حق بنتهم.
ولو حصل ده الشقة تروح للجمعية الخيرية، وأخويا يخسر كل حاجة.
قلبي اتقبض. قلت له
يعني كل ما كانت بتسألني قالولك إيه عننا؟ كانت تقصد أبوكي طلب منك حاجة بخصوص الشقة؟ أخوكي قالك نكتبها باسم سارة؟ أمك عرفت الحقيقة؟
بالظبط. هي كل مرة تروحي عندهم، پتخاف إن يكون أبوكي حكالك حاجة، أو إنهم فهموا الحقيقة من غير ما نقول، أو إنك إنتِ بدأت تشكّي وتسأليهم. وكل ما أسألها ليه پتخافي كده، تقول لي أهلها ناس أصحاب، بس لما يعرفوا الحقيقة مش هيسكتوا، وهيطلبوا حق بنتهم، وحق بنتي وحق أخوك اللي جاي من بره يتضيع.
وكنت أقول لها سارة بنت ناس وأهلها أكرم ناس، مش هيطلبوا حاجة مش ليهم. بس هي كانت خاېفة أوي، وكل يوم الخۏف بيزيد معاها لحد ما بقيتي تحسي إنها في حالة ړعب مستمر.
وقفت من مكاني ومشيت شوية في الصالة، وعقلي بيحاول يربط كل الخيوط ببعضها. سألتوه
وين الورقة الأصلية؟ والنسخة اللي خدتها امك؟
الأصليةفي خزنة المحامي بتاع أبويا. والنسخة اللي كانت هنا خدتها من الدرج عشان تتأكد إنها في مكان آمن، وقالت لي إنها خاېفة إنك تشوفيها وتفهمي كل حاجة من غير ما نكون جاهزين نحكي لك.
جاهزين؟
يعني كنتو مخبّين عليا الموضوع ده كلو من أول الجواز؟
بص لي بخجل وقال
حاولنا نقول لك كتير مرات. بس كل مرة نبدأ، ماما تترجاني ما أتكلم، تقول لي الوقت مش مناسب، وتقول لي إنك ممكن تسيبيني لو عرفتي. وأنا كنت كنت ضعيف قدامها، وخاېف أخسرك، وخاېف أخسرها، وخاېف الشقة تضيع. فسكتّ. وسكوتي طال لحد ما بقى صعب أتكلم.
ساعتها سمعنا صوت الباب بيفتح. هي جت.
دخلت حماتي الشقة وشافتنا قاعدين كده، وعيوننا حمراء، والجو كله غريب. وقفت عند الباب، وبصت لنا بقلق، وبعدين بصت لجوزي وقالت له مباشرة
قلت لها؟
ما ردّش هو.
وأنا اللي رديت بصوت واصل ليها
أيوه يا ماما، قلت لي. قلت لي كل حاجة عن الشقة والوصية والشرط اللي كنتو خابينه عليا.
وشها اتغير لونها، وحطت الشنطة من يدها على الكرسي، وقعدت على أقرب كنبة كأن رجليها ما شالتش جسمها. سكتت دقائق، وبعدين نزلت دمعة من عينها وقالت بصوت مهزوز
