بعد كام شهر، بدأنا إجراءات قانونية عشان يوسف يتبنّى البنات رسميًا.
ولما القرار صدر أخيرًا، فضل ماسك الورق ويبصّ له فترة طويلة.
قربت منه وسألته
إنت
كويس؟
هزّ راسه بالإيجاب.
مريم قربت منه وسألته
يعني كده إنت بقيت بابانا
بجد؟
يوسف نزل على ركبته قدامها وقال
أنا كنت فاكر إني باباكم من زمان.
ردّت مريم بمنتهى الجدية
أيوه، بس دلوقتي معاك ورقة تثبت ده.
ابتسم يوسف وقال
يبقى الموضوع رسمي وخطېر جدًا!
مريم رمت نفسها في حضنه.
الحقيقة إن الورقة ماعملتش عيلتنا.
هي بس كتبت بالحبر حاجة كانت موجودة بينا من زمان.
في أول ذكرى سنوية لجوازنا، ادّيت يوسف برواز هدية.
كان فيه من ناحية صورة فرحنا، ومن الناحية التانية ورقة قديمة مطوية، لونها بهت من الزمن.
أول ما شافها، بصّ لي بعدم تصديق وقال
مش معقول!
ابتسمت وقلت
أيوه، معقول.
كانت فاتورة السوبر ماركت.
كنت لقيتها في واحدة من الأكياس بعد أيام قليلة من الليلة اللي اتعرفنا فيها.
يوسف مرّر صباعه على الورقة القديمة وقال
أنا دخلت السوبر ماركت الليلة دي عشان ماكنتش عايز أطبخ.
ضحكت وقلت
وأنا دخلته وأنا بدعي إن الكارت يكون فيه فلوس تكفي علبة اللبن.
قال مبتسمًا
وفي الآخر اشتريت عشا مجمّد.
بصيت له وقلت
اللي ماكلتوش أصلًا.
ضحك وقال
صحيح!
قعدت جنبه وسألته
عمرك فكرت إيه اللي كان ممكن يحصل لو كنت دفعت تمن حاجتك ومشيت؟
بصّ ناحية الجنينة، حيث كانت مريم بتجري ورا ليلى حوالين ترابيزة صغيرة، والاتنين بيصرخوا من الضحك.
قال
غالبًا كنت رجعت البيت، أكلت لوحدي، وروحت الشغل تاني يوم، وفضلت أكرر نفس الحياة
زي ما كنت بعمل كل يوم.
سألته
وبدل ده حصل إيه؟
مسك إيدي وقال
بدل ده، لقيت الطريق لبيتي الحقيقي.
ومع مرور السنين، بدأنا نساعد عائلات تانية في هدوء.
ماكناش بنوزّع مبالغ كبيرة من غير ما نفهم احتياجات الناس، ولا بنظهر في حياة حد باعتبارنا أبطال جايين ينقذوه.
أنا أصريت على ده.
لأني كنت لسه فاكرة كويس إحساسي تحت نور السوبر ماركت، وأنا واقفة قدام الكاشير وكارت البنك مرفوض، وبنتي بتسألني إذا كانت أختها هتقدر تشرب لبن ولا لأ.
أحيانًا كنا بندفع تمن مشتريات البيت لأسرة محتاجة.
وأحيانًا كنا بنتكفل بمصاريف حضانة أطفال لعدة أسابيع، لحد ما أهلهم يقفوا على رجليهم.
يوسف كان بيساعد الناس في كتابة سيرهم الذاتية.
وأنا كنت بجهّزهم لمقابلات الشغل.
ومرة كل سنة، في ذكرى اليوم اللي اتعرفنا فيه، كنا بنشتري لبن أطفال وحفاضات واحتياجات أساسية، ونتبرع بيها لمراكز دعم الأسر.
ماكناش بنسمح بوجود كاميرات، ولا بننشر أسماء الناس اللي بنساعدهم.
يوسف كان دايمًا بيقول إن العمل الطيب لو محتاج جمهور عشان يبقى له قيمة، يبقى غالبًا إحنا بنسأل السؤال الغلط من البداية.
وبعد سنين طويلة، عدّينا بالعربية قدام السوبر ماركت اللي اتقابلنا فيه لأول مرة.
اللافتة كانت اتغيّرت، ومريم كبرت، وليلى ماكانتش أصلًا فاكرة الليلة دي.
يوسف هدّى سرعة العربية وقال
الكاشير كانت هناك بالضبط.
ضحكت وقلت له
إنت أصلًا مش شايف الكاشير من مكانك ده!
ردّ بثقة
أنا عارف كويس جدًا كانت فين.
بصيت له، وفجأة افتكرت الراجل الأنيق اللي ظهر ورايا وأنا بحاول أقرر هاشيل إيه من مشترياتي عشان أقدر أدفع الحساب.
كنت فاكرة وقتها إنه هو اللي أنقذنا في الليلة دي.
لكن مع مرور الوقت، فهمت إن الحكاية كانت أعقد من كده بكتير.
يوسف كان عنده فلوس، وشركة، وبيت كبير.
لكنه كان عايش كأنه شخص فقد الأمل في إن بكرة ممكن يحمل له أي حاجة تستاهل إنه يصحى عشانها.
أما أنا، فكان عندي بنتين، وفلوس قليلة، وخوف أكبر من قدرتي على الاحتمال.
لكن كان عندي كمان صوت في البيت.
ورسومات على التلاجة.
وببرونات.
وأحضان.
وأسباب كتير تخلّيني أقوم من السرير كل صباح.
هو ادّانا الاستقرار في الوقت اللي كنا محتاجينه فيه أكتر من أي حاجة.
وإحنا رجّعناله حاجة ماكانش يقدر يشتريها بفلوسه.
حياة كان نفسه يبقى جزء منها.
في الليلة دي،
كنت فاكرة إن الراجل الغني اللي واقف ورايا بيدفع تمن علبة لبن أطفال.
لكن الحقيقة إن محدش فينا كان يعرف وقتها إن الإيصال الصغير ده هيكون بداية إيه.
وبعد سنين، لما كنت بسمع ضحك بناتي في الجنينة، ويوسف بيتناقش معاهم بجدية شديدة عن مين اللي خبّى مفاتيحه، فهمت الإجابة أخيرًا.
هو ماكانش اشترى أكل وبس.
هو فتح باب.
وإحنا الأربعة، في النهاية، عدّينا منه سوا.
النهاية