منوعات

في السوبر ماركت بقلم محمد نور

حسيت إن دموعي هتنزل تاني.
سألته بصوت
مخڼوق
ليه تعمل كل ده مع واحدة غريبة ماتعرفهاش؟
وجّه عينيه ناحية مريم، اللي كانت قاعدة على الأرض وبتاكل حتة عيش، وقال
عشان نادية كانت دايمًا بتقول إن مافيش أي معنى إن الواحد يبقى عنده كل حاجة، لو اتعلّم مايبصش للناس اللي قدامه ومابقاش حاسس بيهم.
سكت لحظة، وبعدها أشار للشيك.
وعشان دي أول ليلة من زمان قوي أحس فيها إني بدأت أرجع للشخص اللي كنت عليه قبل ما أخسرها.
فضلت باصة للشيك اللي قدامي.
وبعدين بصيت لبناتي.
وفي الآخر، مدّيت إيدي وخدته.

في اللحظة دي، افتكرت إن حياتنا أخيرًا هتتغير.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن الليلة دي ما غيّرتش حياتي أنا وبناتي وبس…
دي كانت كمان بداية تغيير كبير في حياة يوسف المنشاوي نفسه.
يتبع في الجزء الثاني
الجزء التاني من مساعدة بسيطة لبداية حياة جديدة
بعد تلات أيام، بعتّ رسالة ليوسف.
كنت دفعت إيجار شهرين، واشتريت حفاضات وأكل، واحتفظت بجزء من الفلوس للطوارئ.
والأهم من ده كله، إن كان عندي مقابلة شغل.
كتبت له
هو حضرتك بتساعد كمان في مقابلات الشغل يا أستاذ أنا لسه بتعلّم أبقى مفيد؟

ردّ عليّا تقريبًا في نفس اللحظة
واضح إني هضطر أضيف المهارة دي للسيرة الذاتية بتاعتي.
اتقابلنا في مكتبة عامة.
يوسف قعد يراجع السيرة الذاتية بتاعتي لدقايق طويلة، وبعدها رفع عينيه وسألني
إنتِ كاتبة هنا موظفة استقبال ليه؟
قلت له
عشان ده كان منصبي.
قال باستغراب
يا جنى، إنتِ كنتِ بتنسّقي مواعيد ستة موظفين، وبتتفاوضي مع الموردين، وبتديري الملفات، وبتحلّي شكاوى العملاء، وبتنظّمي المدفوعات.
هزّيت راسي.
أيوه.
بصّ لي من فوق الورق وقال
ده اسمه شغل إداري، مش مجرد استقبال.

وسكت لحظة قبل ما يكمل
إنتِ بقالك سنين بتعملي شغل منسقة إدارية، ومع ذلك بتقدّمي نفسك كأن كل اللي كنتِ بتعمليه هو الرد على التليفونات!
عمري ما كنت بصيت لنفسي بالطريقة دي قبل كده.
قعدنا نعيد كتابة السيرة الذاتية، ونتدرّب على أسئلة مقابلات الشغل، ونتناقش في إزاي أشرح خبرتي الحقيقية من غير ما أقلل من نفسي.
لكن يوسف عمل حاجة فاجأتني أكتر من الشيك نفسه.
ماعرضش عليّا وظيفة في شركته.
بصيت له وقلت
حضرتك ممكن تعيّني عندك من بكرة.
ردّ بهدوء
ممكن.
سألته
أومال ليه مابتعملش كده؟

قال
عشان عايزك تدخلي أي شركة وإنتِ عارفة إنك أخدتي مكانك لأنك تستحقيه فعلًا، مش لأن راجل معاه فلوس قرر ينقذك. الكلام ده فضل يرنّ في ودني وقت طويل.
بعد تلات أسابيع، جالي اتصال من شركة متخصصة في الأجهزة الطبية، بيبلغوني إنهم وافقوا عليّا في وظيفة منسقة إدارية.
أول ما سمعت الخبر، اتصلت بيوسف وأنا بعيط من الفرحة.
وافقوا عليّا! أنا اتقبلت في الشغل!
سمعت ابتسامته في صوته وهو بيردّ
كنت عارف إنك تقدري تعمليها.
قلت له وأنا بضحك وسط دموعي
الحمد لله إن واحد فينا على الأقل كان واثق فيّا!
في البداية، كانت رسايلنا مقتصرة على الحاجات العملية.

وبعدين بدأت أبعت له صور ليلى وهي بتحاول تقعد لوحدها، وفيديوهات لمريم وهي بترسم قطط شكلها أقرب لبطاطس ليها شوارب.
وبقيت أبعث له رسايل أسأله إذا كان اتعشّى، ولا لسه معتمد على الأكل اللي بيطلع من الميكروويف.
وفي يوم سبت، عزمتُه على الغدا.
وصل وهو شايل هديتين كبار.
بصيت له من عند الباب وقلت
يوسف!
ردّ باستغراب
نعم؟
قلت له وأنا بشاور على الهدايا
أنا عزمتك على الغدا، مش عشان ترعى موسم أعياد الميلاد عندنا!
ظهرت مريم من ورايا، وبصت للهدايا بحماس.
أنا بحب الهدايا!
ضحكنا إحنا التلاتة.

الغدا اللي كان المفروض ياخد ساعة، استمر تقريبًا أربع ساعات.
وبعده بقت فيه عزومات تانية.
أيام سبت في الجنينة.
وعصريات بنشرب فيها القهوة ونتكلم.
وعشا في
بيته الكبير، اللي كان عبارة عن فيلا فخمة من الحجر، شكلها معمول لعيلة كاملة، لكن الصمت كان ماليها كأنها اتحكم عليها تفضل فاضية للأبد.
لحد ما بناتي بدأوا يدخلوا حياته واحدة واحدة.
في الأول، ظهر صندوق ألوان في مطبخه.
بعده شوية ألعاب.
وبعدين بطانية صغيرة لليلى على الكنبة.
وفي يوم، مريم اختارت أوضة من أوض الضيوف، ووقفت تعلن بكل ثقة
الأوضة دي هتنام فيها عرايسي!

يوسف عمل نفسه بيفكر بجدية، وبعدها قال
يبقى لازم نراجع عقد الإيجار الأول.
مريم بصت له بجدية وقالت
لأ، العرايس مش هتدفع فلوس!
ضحكنا كلنا.
بعد ست شهور، نقلت لشقة أحسن، أقرب لمكان شغلي.
يوسف أصرّ يدفع مبلغ التأمين بتاع الشقة، لكني وافقت بشرط واحد.
قلت له
هرجّع لك الفلوس كل شهر.
ردّ عليّا
يا جنى، أنا مش محتاج الفلوس دي.
بصيت له وقلت
وأنا محتاجة أعرف إني قادرة أقف على رجلي بنفسي.
المرة دي ماجادلنيش.

يوم النقل، وبعد ما آخر كرتونة دخلت الشقة الجديدة، لقيته واقف بيتفرج على مريم وهي بتلعب، وليلى نايمة في سريرها الصغير.
وقفت جنبه وقلت
إنت غيّرت حياتنا.
هزّ راسه وقال
إنتِ اللي جبتي الشغل. وإنتِ

اللي ربيتي البنات. وإنتِ اللي كملتي رغم كل اللي مريتي بيه.
قلت له
إنت ادّيتني فرصة أتنفس من غير خوف.
قربت منه شوية، وكملت
بس ده مش أهم حاجة عملتها عشاني.
بصّ لي وسألني
أومال إيه؟
قلت له وأنا باصة في عينيه
إنك فضلت موجود حتى بعد ما بطلت أحتاج الفلوس.
ملامحه بقت جدية.
كنا بقالنا شهور بنبني علاقة جديدة، علاقة محدش فينا كان عنده الجرأة يسميها باسمها الحقيقي.
وكان فيه سؤال بيلحّ عليّا بقاله أسابيع.
أخدت نفس عميق وقلت
يوسف، محتاجة أسألك سؤال.
ردّ
اتفضلي.

بلعت ريقي بصعوبة، وبعدها قلت
أنا والبنات مهمين عندك عشان بتحبنا فعلًا؟ ولا عشان مساعدتنا بتخلّيك تحس إنك مفتقد نادية بشكل أقل؟
يوسف سكت.
سكت وقت طويل قوي.
ولأول مرة من ساعة ما اتقابلنا في السوبر ماركت، خفت من الإجابة اللي ممكن أسمعها.
الجزء التالت لما المساعدة اتحولت لعيلة
يوسف ماحاولش يردّ بسرعة.
وبعد كده فهمت إن ده كان مهم.
قعد قدامي، وشبّك صوابعه مع بعض، وبعد لحظات من الصمت قال
في البداية، مساعدتك كانت بتخلّيني أحس إني لسه شخص ليه فايدة في الدنيا.
حسيت بقبضة في صدري.

لكنه كمل
لمدة تسعتاشر شهر بعد ۏفاة نادية، كانت حياتي عبارة عن إني أصحى، أروح الشغل، أرجع بيت فاضي، وأنام، وأكرر نفس الحكاية تاني يوم. كنت أقدر أشتري أي حاجة تعجبني، لكن ماكانش فيه أي حاجة فعلًا نفسي أشتريها.
بصّ ناحية مريم.
كانت حاطة مكعب خشب فوق راسها، وبتجري في الصالة وهي بتصرخ إنها ملكة مصر!
يوسف ابتسم، وبعدها قال
الليلة اللي اتعرفت فيها عليكم، افتكرت إني لسه قادر أعمل حاجة ليها معنى. لكن من زمان قوي، ده ماعدش السبب اللي بيخلّيني أرجع لكم.
فضلت ساكتة وأنا بسمعه.

كمل كلامه
دلوقتي أنا باجي عشان نفسي أسمع مريم وهي بتحكي لي حصل إيه في المدرسة، حتى لو هتحتاج أربعين دقيقة عشان توصل للنقطة الأساسية في الحكاية. عشان ليلى بتضحك كل مرة أقلّد الصوت الغريب اللي إنتِ بتكرهيه. عشان عايز أعرف يومك كان حلو ولا لأ. وعشان لما يعدّي تلات أيام من غير ما أشوفكم، بيتي بيرجع هادي زيادة عن اللزوم.
رفع عينيه وبصّ لي مباشرة.
إنتِ مش بديلة لنادية يا جنى.
صوته اتهزّ شوية وهو بيكمل
وبناتك كمان مش بديل للأطفال اللي نادية وأنا ماخلفناهمش.

أخد نفس طويل وقال
إنتوا ناس مختلفين، وليكم مكانكم الخاص في حياتي. وأنا بحبكم عشان إنتوا إنتوا، مش عشان بتفكروني
بأي حد تاني.
فضلت باصة له من غير ما أتكلم.
ماحصلش بينا بوسة في اللحظة دي، ولا قال لي كلام رومانسي مثالي زي اللي بنشوفه في الأفلام.
حكايتنا عمرها ما كانت بالشكل ده.
يوسف ببساطة، فضّل موجود.
وده في الآخر كان كفاية.
لما مريم تعبت في نص الليل، جه بنفسه ومعاه الأدوية وشنطة مليانة حاجات محدش طلبها منه.
ولما اضطرّيت أشتغل لوقت متأخر، قعد مع البنات واتعشّى معاهم.
ولما يوسف كان بيحكي لي عن نادية، كنت بسمعه باهتمام.

عمري ما حاولت أنافس ست ماټت، ولا حسيت إن وجودي في حياته معناه إنه لازم يمسح ذكرياتها.
مع الوقت، فهمت إنك ممكن تحب شخص جديد من غير ما تمحو الشخص اللي كان موجود قبله.
وبالتدريج، صداقتنا بدأت تتحول لحاجة أعمق.
وفي ليلة، بعد ما نوّمنا البنات، قعدنا في مطبخ بيته نشرب القهوة.
فجأة قال
عندي مشكلة.
بصيت له وقلت
عملت إيه؟
ردّ
لسه ماعملتش حاجة.
قلت له
كده الموضوع شكله أخطر!
ابتسم وقال
وقعت في حب واحدة بتزعق لي كل ما أشتري حاجات كتير لبناتها.

حاولت أحافظ على ملامح جدية، وقلت
شكلها واحدة صعبة جدًا.
ردّ بسرعة
صعبة بشكل لا يُحتمل.
سألته وأنا بضحك
وأنت ناوي تعمل إيه بقى؟
قرب مني شوية وقال
أسألها

إذا كان فيه احتمال إنها تكون هي كمان بتحبني.
مااحتجتش أردّ عليه بالكلام.
قربت منه وبُسته.
وبعد أكتر من سنة بشوية من الليلة اللي اتقابلنا فيها في السوبر ماركت، اتجوزنا في كنيسة صغيرة على أطراف كويريتارو.
ماكانش فيه فرح ضخم يصلح لمجلات المشاهير.
ولا أربعمية مدعو.
كان فيه بس ناس قريبة مننا، وزهور بسيطة، وبنتين مقتنعتين إن الفرح معمول أساسًا عشانهم هما.
مريم كانت لابسة فستان موف فاتح، وماسكة سلة صغيرة فيها بتلات ورد.
ولما خلصت المشي في الممر، رجعت ناحيتي وقالت بجدية شديدة
ماما، أنا نسيت أنثر الورد في الناحية دي.

ينفع أمشي تاني؟
اڼفجر كل اللي موجودين بالضحك.
ومريم رجعت تمشي للمرة التانية بكل حماس.
أما ليلى، اللي كانت بدأت تمشي خطوات صغيرة ومتلخبطة، فقررت تتجاهل كل قواعد المراسم.
أول ما شافت يوسف، جريت ناحيته على قد ما قدرت، ورفعت دراعاتها وهي بتنادي
بابا!
المكان كله سكت للحظة.
ليلى عمرها ما نادته بالكلمة دي قبل كده.
يوسف نزل لمستواها، وشالها، وډفن وشه في شعرها.
وشفت كتافه وهي بتترعش من العياط.
وأنا كمان عيطت.
بعد الجواز، حياتنا ما اتحولتش لصورة مثالية من غير أي مشاكل.
كان فيه صباحات مچنونة.

وجزم بتختفي في ظروف غامضة.
وكورن فليكس مرمي على الأرض.
وخناقات صغيرة عن مين اللي نسي يشتري الحفاضات.
ولَيالٍ ترفض فيها ليلى إنها تنام، وأيام تدخل فيها مريم في نوبة عياط لأن حد استخدم اللون الموف اللي كانت عايزاه في المدرسة.
يوسف كان بيحب كل لحظة من اللحظات دي.
اتعلّم يفك تشابك شعر البنات.
واتعلّم يجهّز لهم سندوتشات المدرسة.
واتعلّم إن بنت عندها أربع سنين ممكن تحكي خناقة حصلت في الحضانة بتفاصيل وتعقيدات تخليها شبه مفاوضات دولية!

واتعلّم كمان إنه لازم يحتفظ بتوك شعر في جيوب بدلته، لأن مريم كانت دايمًا بتضيّع التوك بتاعتها.
وفي يوم، دخلت عليه وهو واقف قدام المراية بيستعد لاجتماع شغل.
شوفته بيجمع حاجته المفاتيح، والمحفظة، والموبايل…
وبعدين طلع تلات توك شعر لونهم وردي وحطهم في جيبه.
وقفت عند الباب وقلت له
يا سلام على يوسف المنشاوي! رجل الأعمال والمستثمر… والمورّد الرسمي لإكسسوارات الأطفال!
بصّ لي بجدية مصطنعة وقال
عندي مسؤوليات لازم ألتزم بيها.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى