منوعات

رماها في الطريق بقلم محمد عبده

زينب بصت له بثبات.
— المصنع مش هيتدمر عشان الصفقة وقعت يا رشدي. المصنع ممكن يتدمر لو سلمناه لشخص بيخفي الحقيقة عن أصحابه.
وبعدين أضافت:
— أما العمال، فدول مش ورقة بتستخدمها عشان تهددني بيها.
رجع رشدي لورا، وهو بيحاول يفكر في طريقة ينقذ بيها نفسه.
وفجأة، افتكر حاجة.
بص ناحية مريم وقال:
— بما إنك قررتي تتكلمي، يبقى قولي لهم كمان إنك كنتِ عارفة إن المصنع عليه ديون، وإنك وافقتي تساعديني في ترتيب الأمور المالية!
مريم اتلخبطت.

— أيوه، أنا كنت عارفة إن فيه ديون، لكن ما كنتش أعرف أي حاجة عن التحويلات دي!
رشدي ابتسم ابتسامة باردة.
— ممتاز. يبقى عندنا اعتراف إنك كنتِ عارفة بالوضع المالي، وإنك وقعتي على المستندات بنفسك.
زينب فهمت على الفور هو بيحاول يعمل إيه.
كان عايز يحول مريم من زوجة مخدوعة لشريكة مسؤولة عن كل اللي حصل، عشان لو التحقيق بدأ، ما يبقاش هو الشخص الوحيد اللي يتحمل المسؤولية.
لكن اللي رشدي ما حسبش حسابه إن مريم كانت محتفظة برسائل قديمة بينهما.

رسائل كانت بتبعتها له كل ما يسلمها مستندات للتوقيع، وكانت بتسأله فيها عن طبيعة الأوراق.
مريم طلعت موبايلها بإيدين بتترعش.
— أنا مش فاهمة كل اللي يحصل، لكن فيه حاجة لازم أوريها لماما.
فتحت محادثة قديمة، وبدأت تقرأ بصوت مسموع:
— «رشدي، إنت قلت لي إن الورق ده مجرد تحديث بيانات. ليه فيه كلام عن قروض وضمانات؟»
وبعدها قرأت رده:
— «ما تقلقيش. دي إجراءات داخلية، وأنا مسؤول عنها بالكامل. توقيعك مجرد إجراء شكلي، ومش هيترتب عليه أي التزام شخصي عليكِ».
مريم رفعت عينيها ناحية زوجها.

— إنت قلت لي إن توقيعي مش هيترتب عليه أي التزام! إزاي دلوقتي بتقول إني كنت عارفة بكل حاجة؟
رشدي ما ردش.
فمريم فتحت رسالة تانية، كانت باعتاها له بعدها بأيام.
«أنا مش مرتاحة للموضوع، ولو فيه أي مخاطرة تخص العمال أو حصصهم، لازم نوقف كل حاجة».
وكان رده:
«الموضوع تحت السيطرة. ما تتدخليش في شغلي، وسيبي الإدارة ليا».
الأستاذ سامح طلب منها الاحتفاظ بنسخة من الرسائل وتسليمها للمراجعين المختصين.
لكن زينب كانت لسه محتاجة تعرف حاجة واحدة.
بصت لبنتها وسألتها:

— مريم، هل رشدي طلب منك قبل كده توقعي على أوراق تانية تخص المصنع أو حساباته؟
مريم سكتت.
كانت بتحاول تفتكر.
وبعد لحظات، قالت:
— أيوه… فيه ورق تاني. من حوالي ست شهور، جاب لي مجموعة مستندات وقال إنهم خاصين بإعادة تنظيم الملكية داخل الشركة. أنا كنت بسأله عن كل ورقة، لكنه كان بيأكد لي إن الموضوع قانوني وإن المحامي راجعه.
زينب حسّت إن الصورة بتكتمل قدامها.
— وعندك نسخة من الأوراق دي؟
مريم أومأت.
— أيوه، موجودة في البيت. أنا احتفظت بيها لأني كنت عايزة أراجعها بعدين.
رشدي صرخ:

— إنتِ مش هتروحي لأي مكان تجيبي أوراق! الكلام ده انتهى!
لكن مريم بصت له للمرة الأولى من غير خوف.
— لأ يا رشدي. الكلام ما انتهيش. أنا لازم أعرف إنت كنت بتخليني أمضي على إيه طول الفترة اللي فاتت.
ثم التفتت إلى أمها.
— ماما، أنا غلطت لما ما صدقتش ليلى، وغلطت لما سكت على معاملته ليها. لكن أنا ما كنتش أعرف إنه ممكن يكون بيعمل كل ده في المصنع.
زينب ما قدرتش تسامح بنتها في اللحظة دي، لكنها فهمت إن المواجهة لسه في بدايتها.
قالت لها:

— الحقيقة هتظهر يا مريم، سواء كانت في صالحك أو ضدك. المهم إنك من اللحظة دي ما تخبيش أي حاجة.
مريم هزت راسها، ودموعها بتنزل.
أما ليلى، فكانت قاعدة بتسمع الكلام كله، ومش فاهمة تفاصيل القروض والتحويلات، لكنها فهمت إن جدتها مش هتسيب حد يظلمها أو يظلم العمال.
قربت منها وهمست:
— تيتة، هو إحنا هنرجع البيت؟
زينب مسكت إيدها وقالت:
— أيوه يا حبيبتي. بس قبل ما نمشي، لازم نتأكد إن محدش هيقدر يأذيكي تاني.
وفي اللحظة دي، دخل رجل كان واضح عليه التوتر، واتجه مباشرة ناحية رشدي.

كان محاسبًا سابقًا في المصنع، اسمه خالد، وكان قد ترك عمله قبل عدة أشهر في ظروف غامضة.
أول ما شافه رشدي، اتجمد في مكانه.
خالد وقف قدام أعضاء المجلس، وحط ملفًا صغيرًا على الترابيزة.
وقال:
— أنا جيت النهارده لأن ضميري ما بقاش يسمح لي أسكت أكتر من كده.
رشدي حاول يتكلم، لكن خالد رفع إيده وقال:
— سيبني أكمل. أنا كنت مسؤولًا عن مراجعة بعض الحسابات، ولما اكتشفت اختلافات كبيرة بين الفواتير والتحويلات، طلبت تفسيرًا رسميًا.
فتح الملف، وطلع مجموعة من النسخ.

— بعد يومين، اتطلب مني أوقّع على تقرير بيقول إن كل الحسابات سليمة، رغم إن فيه مبالغ ما قدرتش أتحقق من صحتها. ولما رفضت، اتقال لي إن الأفضل ليا أسيب الشغل.
القاعة كلها كانت بتسمع باهتمام.
خالد كمل:
— أنا احتفظت بنسخ من بعض المستندات اللي راجعتها قبل ما أمشي. وفيه تحويلات تانية مش موجودة في الملف اللي قدمته الأستاذة زينب.
سامح قرب منه وسأله:
— عندك دليل على الكلام ده؟
خالد حط المستندات قدامه.
— دي نسخ من السجلات اللي كانت تحت مسؤوليتي.

وكلها محتاجة مراجعة مستقلة، لكن فيه حاجة واحدة أنا متأكد منها: المبالغ اللي خرجت من الشركة أكبر بكتير من اللي اتسجل في التقارير الرسمية.
رشدي بدأ يفقد أعصابه.
— إنت موظف سابق، وما عندكش أي صلاحية تدخل الاجتماع ده! الكلام ده كله انتقام شخصي!
خالد رد بثبات:
— لو كنت عايز أنتقم، كنت اتكلمت من زمان. لكني سكت لأني كنت خايف أخسر شغلي ومستقبلي. النهارده، بعد ما عرفت إن العمال ممكن يفقدوا مصدر رزقهم، قررت إني ما اسكتش تاني.
زينب بصت إلى خالد باهترام.
— شكرًا إنك جيت. كل اللي معاك هيتراجع بالطريقة القانونية.

ثم التفتت إلى أعضاء المجلس وقالت:
— أعتقد إن مفيش حد هنا يقدر يوافق على بيع المصنع قبل ما نعرف مصير الأموال دي.
الأعضاء وافقوا على تأجيل التصويت، وطلبوا مراجعة مستقلة للحسابات، مع تجميد أي قرارات كبيرة تخص بيع أصول لحين اتضاح الصورة.
للحظة، بدا إن رشدي خسر كل شيء.
لكن وهو بيجمع أوراقه، قرب من زينب وقال بصوت منخفض، محاولًا يمنع الحاضرين من سماعه:
— إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ لسه ما تعرفيش كل حاجة.
زينب بصت له من غير ما ترد.
رشدي ابتسم ابتسامة غريبة، ثم أضاف:

— اسألي بنتك عن المستند اللي وقّعته قبل ما أتجوزها. اسأليها عن الحساب اللي اتحول له مبلغ كبير باسم شخص من عيلتها.
مريم رفعت رأسها بصدمة.
— إنت بتقول إيه؟
لكنه ما جاوبش.
أخد موبايله ومشى ناحية باب القاعة، وخرج بسرعة.
زينب كانت عارفة إن كلامه ممكن يكون مجرد محاولة أخيرة عشان يزرع الشك بين أفراد العيلة.
لكنها في نفس الوقت ما قدرتش تتجاهله.
بعد دقائق، اتصلت مريم بأحد أقاربها اللي كانت بتثق فيه، وسألته عن المستندات القديمة اللي رشدي ذكرها.
ولما سمعت الإجابة، وشها اتغير تمامًا.
قفلت المكالمة ببطء، وبصت لأمها.

— ماما… أنا افتكرت حاجة. فيه تحويل مالي فعلًا اتعمل لحساب باسم شخص قريب مننا، ورشدي قال لي وقتها إنه مجرد تسوية قديمة.
زينب سألتها:
— مين الشخص ده؟
مريم بلعت ريقها، وقالت الاسم بصوت واطي.
كان اسم والد ليلى الراحل، أحمد.
ساد الصمت.
زينب ما صدقتش اللي سمعته.
أحمد مـ,ـات من سبع سنين، قبل ما رشدي يدخل حياتهم بوقت طويل.
إزاي يكون فيه تحويل مالي باسم شخص متوفى؟ وليه رشدي استخدم اسمه؟ وهل كان بيستغل حسابًا قديمًا، ولا فيه سر متعلق بميراث ليلى نفسها؟

بصت زينب لحفيدتها، اللي كانت واقفة جنبها ومش فاهمة ليه كل الكبار اتغيرت ملامحهم فجأة.
وبعدين قالت لمريم:
— إحنا مش هنفترض أي حاجة قبل ما نشوف الأوراق. لكن من اللحظة دي، مفيش أسرار تاني.
مريم أومأت، وهي بتدرك إن جوازها كله ممكن يكون مبنيًا على أكاذيب أكبر مما تخيلت.
أما زينب، فكانت بتفكر في سؤال واحد:
هل رشدي سرق أموال المصنع فقط، أم إنه مد إيده كمان لحق حفيدتها في ميراث والدها الراحل؟
ولما طلبت من مريم تجيب المستندات من البيت، وصلتها رسالة جديدة من رقم مجهول.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:

«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، راجعي الملف القديم الخاص بوفاة أحمد. رشدي ما دخلش العيلة بالصدفة».
زينب قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين رفعت عينيها ناحية الباب اللي خرج منه رشدي.
لأول مرة، بدأت تشك إن كل اللي حصل خلال السنين اللي فاتت كان جزءًا من خطة أكبر بكتير.
نهاية الجزء الثالث…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” الجزء الاخير

الجزء الرابع والأخير: السر اللي قلب حياة العيلة كلها! زينب فضلت باصة للرسالة اللي وصلتلها من الرقم المجهول، وهي حاسة إن كل حاجة كانت فاهمها عن السنين اللي فاتت بدأت تتغير. «لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، راجعي الملف القديم الخاص بوفاة أحمد. رشدي ما دخلش العيلة بالصدفة». الجملة الأخيرة كانت أكتر حاجة خوفتها. أحمد، جوز بنتها الأول وأبو ليلى، كان راجل بسيط وأمين. مـ,ـات من سبع سنين في حادث أثناء رجوعه من المصنع، وساعتها الكل اعتبر اللي حصل قضاء وقدر.

لكن ليه حد بيربط مـ,ـوته برشدي، مع إن رشدي ما ظهرش في حياتهم غير من تلات سنين؟ هل فيه حاجة حصلت قبل الحادث محدش عرفها؟ ولا فيه شخص بيحاول يستغل الموقف عشان يوقع رشدي؟ زينب قررت إنها مش هتتهم حد من غير دليل. بصت لمريم وقالت: — عايزاكي ترجعي البيت وتجيبي كل الأوراق اللي رشدي كان بيطلب منك توقعي عليها، وأي مستندات تخص الحسابات القديمة. ومهما كان اللي هنكتشفه، لازم نعرف الحقيقة كاملة. مريم هزت راسها، وبعدها بصت ناحية بنتها.

ليلى كانت قاعدة جنب جدتها، ساكتة، وعينيها مليانة تعب. قربت مريم منها وقالت: — ليلى، ممكن تيجي معايا؟ البنت مسكت إيد جدتها بقوة. — أنا عايزة أفضل مع تيتة. مريم نزلت عينيها، وما حاولتش تجبرها. لأول مرة، فهمت إن الأمومة مش كلمة بتتقال، ولا مجرد وجود طفل في البيت. الأمومة مسؤولية، وأمان، واحتواء، وإنها كانت بتطلب من بنتها تتحمل حاجات أكبر من سنها عشان هي نفسها ما تواجهش الحقيقة. قالت مريم بصوت مكسور: — حاضر يا حبيبتي. هسيبك مع تيتة، ومش هضغط عليكي. بس أوعديني إنك تسمحِيلي أحاول أصلح اللي أنا بوظته.

ليلى ما ردتش، لكنها ما بعدتش وشها عنها. وكان ده كل اللي قدرت تقدمه في اللحظة دي. في صباح اليوم التالي، رجعت مريم لبيت أمها ومعاها حقيبة مليانة مستندات قديمة. زينب كانت مستنياها، ومعاها الأستاذ سامح وخالد المحاسب السابق، بعد الاتفاق على إن مراجعة الأوراق تتم بشكل منظم، وإن أي مستندات مهمة تتسلم للجهات المختصة. فتحوا الحقيبة، وبدأوا يراجعوا الأوراق واحدة واحدة. كانت فيه عقود، وكشوف حسابات، ومراسلات قديمة تخص المصنع. وبعد ساعات من المراجعة، ظهر مستند غريب.

كان عبارة عن اتفاق مالي اتعمل قبل وفاة أحمد بشهور، بين شركة صغيرة لتوريد معدات المصانع وبين جهة مرتبطة بمصنع زينب. المستند ما كانش دليلًا على ارتكاب جريمة لوحده، لكنه كشف إن أحمد كان قد اعترض على فواتير مش واضحة، وطلب مراجعتها قبل اعتمادها. خالد قرب الورقة من عينيه وقال: — أنا فاكر الموضوع ده. كان فيه خلاف قديم على تكلفة معدات جديدة، وأحمد طلب وقتها مراجعة الفواتير لأنه لاحظ إن الأسعار أعلى من المعتاد.

زينب سألته: — والخلاف ده انتهى إزاي؟ خالد رد: — على حد علمي، الموضوع اتقفل بعد وفاته. لكن محدش شرح لنا بالتفصيل إيه اللي حصل. مريم كانت بتسمع الكلام وهي حاسة إن نفسها بيضيق. — يعني أحمد كان بيكشف مخالفات قبل ما يمـ,ـوت؟ زينب ردت بحذر: — ده اللي المستندات بتشير إليه، لكن ما نقدرش نربط ده بوفـ,ـاته من غير دليل واضح. في اللحظة دي، وصلت رسالة جديدة من الرقم المجهول. المرة دي، كان فيها اسم شخص ورقم تليفون، ومعاهم عنوان أرشيف قديم تابع للشركة اللي كانت بتورد المعدات.

زينب قررت تتواصل مع محامي المصنع، وتطلب منه التحقق من صحة المستندات والرسالة قبل أي خطوة تانية. وبعد يومين من الفحص، وصلهم رد مهم. الشركة القديمة كان عندها بالفعل سجل مراسلات احتفظت بيه بعد إغلاق فرعها، وفيه نسخة من خطاب كتبه أحمد قبل وفاته بأيام. الخطاب كان واضحًا في نقطة واحدة: أحمد اكتشف اختلافات مالية، وطلب وقف بعض المدفوعات لحين مراجعتها. لكن ما كانش فيه أي دليل يثبت إن الحادث اللي مـ,ـات فيه كان مدبرًا، أو إن رشدي له علاقة بوفاته.

زينب ارتاحت شوية، لأنها ما كانتش عايزة تظلم حد باتهام خطير من غير إثبات. لكن السؤال الأهم فضل موجودًا: إيه علاقة رشدي بالمستندات دي؟ بعد مراجعة السجلات، اكتشف خالد إن بعض الشركات اللي تعاملت مع المصنع قديمًا رجعت تظهر بأسماء جديدة، وإن جزءًا من التحويلات اللي تمت في عهد رشدي اتوجه لشركات مرتبطة بنفس شبكة الموردين. الأمر كان محتاج تحقيقًا رسميًا، لكن الصورة بدأت تتضح. رشدي ما اخترعش كل حاجة من البداية، لكنه استغل ثغرات قديمة في الرقابة على الحسابات، ووسعها خلال فترة إدارته.

وكان بيحاول بيع المصنع قبل ما تتكشف المخالفات، لأن الصفقة كانت هتنقل السيطرة على بعض الأصول وتخلي مراجعة الحسابات القديمة أكثر تعقيدًا. أما التحويل اللي ظهر باسم أحمد، فاتضح بعد مراجعة البنك إن المبلغ كان مرتبطًا بحساب قديم تمت تسويته بعد وفاته، وإن استخدام اسمه في المستندات اللاحقة محتاج تفسيرًا رسميًا. لم يثبت حتى تلك اللحظة أن رشدي سرق ميراث ليلى، لكن الأدلة كانت كافية لفتح تحقيق شامل في التعاملات المالية. زينب ما اكتفتش بالكلام.

قدمت المستندات للمحامي، وطلبت مراجعة مستقلة لكل العمليات الثلاث والعشرين، مع إخطار الجهات المختصة بأي مخالفات تثبتها التحقيقات. وفي اجتماع مجلس الإدارة التالي، تم تعليق صلاحيات رشدي التنفيذية مؤقتًا لحين انتهاء المراجعة، وتأجيل صفقة البيع. ولما اتواجه بالمستندات، حاول ينكر مسؤوليته، لكن رسائل مريم، وسجلات الحسابات، وشهادة خالد، خلت موقفه أضعف يومًا بعد يوم. وبعد أسابيع من التحقيق، ظهرت مخالفات مالية موثقة، واتخذت الشركة الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد الأموال ومحاسبة المسؤولين عنها. أما الادعاءات المتعلقة بوفاة أحمد، فلم يظهر دليل كافٍ يثبت أن رشدي تسبب فيها، ولذلك لم تسمح زينب بتحويل الشكوك إلى اتهامات مؤكدة.

كانت عايزة العدالة، مش الانتقام. لكن وسط كل ده، كان فيه شخص أهم من المصنع كله بالنسبة لزينب. ليلى. البنت كانت بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج، لكنها لسه بتصحى أحيانًا من النوم وهي خايفة، وتسأل جدتها إذا كان رشدي هييجي ياخدها تاني. وفي كل مرة، كانت زينب تضمها وتقول: — إنتِ في أمان يا حبيبتي. محدش هيجبرك ترجعي لمكان إنتِ مش حاسة فيه بالأمان. أما مريم، فكانت بتحاول تصلح علاقتها ببنتها خطوة بخطوة. ما طلبتش منها تسامحها فورًا، وما استخدمتش جملة «أنا أمك ولازم تسمعيني» زي ما كانت بتعمل قبل كده.

بدلًا من كده، بدأت تسمعها. عرفت منها قد إيه كانت بتخاف من رشدي، وإزاي كان بيحاول يجبرها تناديه «بابا» قدام الناس، ويعتبر رفضها إهانة شخصية ليه. وعرفت كمان إنها كانت بتخبي خوفها عن أمها، لأنها كانت فاكرة إن مريم هتزعل منها لو اشتكت من جوزها. في إحدى الليالي، قعدت مريم جنب بنتها وقالت: — أنا مش هطلب منك تناديني ماما لمجرد إنك مضطرة. أنا عايزة أرجع أكسب ثقتك، حتى لو أخد مني وقت طويل. ليلى بصت لها وقالت:

— أنا بحبك يا ماما، بس أنا زعلانة منك.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى