“قضيت 15 سنة في الغربة بغسل الحمامات ومسح السلالم عشان أبني فيلا لأهلي… ولما رجعت، المفتاح ما فتحش الباب. أمي قالتلي بكل برود: أوضة النوم الرئيسية بقت لأخوكي… أصل هو راجل وعنده عيلة، إنما إنتِ مالكيش غير نفسك.” اسمي هبة… وعمري دلوقتي 35 سنة. من 15 سنة، وأنا عندي عشرين سنة بس، سبت بيتنا الصغير في إحدى قرى الشرقية، وسافرت السعودية.وقتها كان معايا شنطة هدوم، وألف جنيه، وقلب مليان أحلام.أبويا كان متوــ,,ـــــفي من وأنا صغيرة، وأمي، أمينة، كانت شايلة البيت بالعافية، وأخويا كريم كان لسه في الإعدادي. قبل ما أسافر، حــ,,ـــــضنت أمي على باب البيت وقالتلها وأنا بعيط:
“استحملي شوية يا أمي… والله هرجع أبنيلك البيت اللي طول عمرك بتحلمي بيه.” حــ,,ـــــضنتني وهي بتبكي وقالت: “ربنا يكرمك يا بنتي… إنتِ سندي بعد أبوكي.” الكلمتين دول فضلوا بيرنوا في ودني سنين.أول سنة في الغربة كانت جحيم. اشتغلت خدامة في بيت.وبعدها اشتغلت في شركة نظافة.الصبح أنضف مكاتب وشركات.وبالليل أغسل حمامات وممرات ومولات.إيديا كانت بتتشقق من الكلور، وضهري كان بيكسرني من الشغل، لكن عمري ما اشتكيت.كنت بقول لنفسي: “كل تعب النهارده هيبقى بيت بكرة.” كنت ساكنة في أوضة صغيرة جدًا مع ثلاث بنات.
حمام واحد لينا كلنا.ولا مرة خرجت أفسح.ولا اشتريت هدوم جديدة.ولا حتى جبت لنفسي موبايل غالي.كل جنيه كنت بوفّره.وأول كل شهر… أفتح التطبيق وأحوّل لأمي حوالي 120 ألف جنيه بالمصري.كانت كل مرة تبعتلي صور.مرة وهي بتقول: “بصّي يا هبة… الأرض اتسوت. ” وبعدها: “الحمد لله، صبّينا القواعد.” وبعد كام شهر: “بصّي… الدور الأول خلص.” وبعدين بعتتلي فيديو وهي واقفة في البلكونة، وبتضحك وتقول: “دي أوضتك يا بنتي… هتشربي فيها القهوة كل صبح.” كنت بقفل المكالمة وأقعد أعيط من الفرحة.كل مرة كنت بحس إن الحلم بيكبر قدامي. مرت السنين.خمستاشر سنة كاملة.فاتني فرح صاحبتي.وماتت جدتي وأنا معرفتش أنزل ألحقها.وأمي كانت كل مرة تقولي:
“ماتنزليش دلوقتي… استني لما البيت يخلص ونفرح بيكي.” وأنا كنت مستنية اليوم ده.لحد ما بعتتلي آخر صورة.الفيلا خلصت.وشها أبيض، وجنينتها واسعة، وبابها حديد أسود شيك. بصيت للصورة ساعات.وقلت: “خلاص… كفاية غربة.” قدمت استقالتي.وصفيت كل حاجة.وحجزت أول طيارة على مصر.ماقولتش لحد إني جاية.كنت عايزة أشوف الفرحة في وشوشهم.وصلت المطار الصبح.وخدت عربية لحد البلد.طول الطريق قلبي كان بيدق. ولما العربية وقفت قدام الفيلا… دموعي نزلت لوحدها.قلت في سري: “الحمد لله… أخيرًا رجعت بيتي.” نزلت الشنطة.طلعت السلم.طلعت المفتاح اللي بقاله سنين في ميداليتي.ودخلته في الباب… لكن… المفتاح ما فتحش.وقفت مستغربة.جربته مرة… واتنين… وتلاتة.برضه مافيش.افتكرت إنهم غيروا الكالون. فضغطت الجرس.بعد ثواني… الباب اتفتح.لكن…
مش أمي اللي فتحت.كانت واحدة ست صغيرة، لابسة روب حرير، وشايلة طفل على إيدها.بصتلي من فوق لتحت وقالت باستغراب: “خير؟” قولتلها بابتسامة: “أنا هبة… بنت أمينة… ده بيتنا. ” الست وسعت عينيها، ولفت وشها لجوه وهي بتزعق: “يا كريم… أختك اللي في السعودية وصلت!” دخل كريم من الصالة وهو ماسك الموبايل في إيده، ولابس شورت وتيشيرت بيت، وكأنه لسه صاحي من النوم.وقف قدامي ثانيتين، وقال ببرود: “إزيك يا هبة. ” استنيت إنه يحــ,,ـــــضني… يسألني عاملة إيه… حتى يبتسم.لكن ولا حاجة.لف وشه وقال لمراته: “دنيا… دخلي الواد الأوضة.”
وقتها بدأت أحس إن في حاجة غلط.دخلت الفيلا وأنا شايلة شنطتي، وبصيت حواليّا.كل حاجة كانت فخمة… لكن مش دي الحاجات اللي أنا اخترتها. الصالون اللي كنت دافعة فيه تحويشة سنة كاملة اتغير.الحيطة اللي كنت طالبة تتعلق عليها صورة أبويا، متعلقة عليها شاشة عملاقة.وألعاب الأطفال مرمية في كل مكان.نزلت أمي من على السلم.أول ما شافتني حــ,,ـــــضنتني بسرعة.لكن الحــ,,ـــــضن كان بارد… بارد أوي.قالت وهي متوترة: “يا بنتي… ما قولتيش إنك جاية.” ضحكت وأنا بمسح دموعي.“حبيت أعملكم مفاجأة… خلاص يا أمي… الغربة انتهت.” ابتسمت ابتسامة باهتة.قولتلها: “أنا طالعة أخد دش وأنام شوية… السفر بهدّلني.” بصت لكريم… وكريم بص لدنيا… وساد صمت غريب.استغربت.“في إيه؟”
أمي أخدت نفس طويل وقالت: “بصي يا هبة… إحنا كنا عايزين نقولك… بس ما لقيناش فرصة.” قلبي بدأ يدق بسرعة.“خير؟” قالت وهي بتفرك إيديها: “أوضة النوم الكبيرة… كريم ودنيا بقوا قاعدين فيها.” ابتسمت وقلت: “عادي… أقعد يومين في أوضة الضيوف. ” رد كريم بسرعة: “مافيش أوضة ضيوف.” “إزاي؟” “عملناها أوضة للعيال.” بصيت لأمي.“طيب… هنام فين؟” قالت وهي بتتجنب تبصلي: “إحنا جهزنالك أوضة فوق الجراج.” افتكرت إنها بتهزر.فضلت مستنياها تضحك.لكنها كانت بتتكلم بجد.قولتلها: “فوق الجراج؟” “آه… أوضة حلوة ومريحة.” طلعت أشوفها.كانت أوضة صغيرة…
نص تشطيب.ريحة رطوبة وبنزين.سر,,ـــــير حديد قديم.ومروحة سقف بتزيق.وقفت في نص الأوضة وأنا مش مستوعبة.نزلت تاني وأنا بحاول أتمالك نفسي.قولتلهم بهدوء: “يا جماعة… يمكن في سوء تفاهم. ” “أنا اللي بنيت البيت ده.” “أنا اللي حولت الفلوس شهر بشهر.” “أنا اللي كنت شغالة ليل ونهار.” أمي قطعت كلامي.“وإحنا مقدرين ده.” “بس…” سكتت.قولتلها: “بس إيه؟” ردت بمنتهى البرود: “إنتِ واحدة لوحدك.” “إنما كريم راجل… وعنده مرات وابن.” “هو أولى بالأوضة الكبيرة.” حسيت إن في حد ضــ,,ـــــربني على وشي.بصيت لكريم.كان ساكت.ولا حتى حاول يدافع عني.قولتله: “إنت موافق؟” رفع كتفه وقال: “يعني… ده الطبيعي.” “إنتِ شغلك بره.” “وأكيد هتسافري تاني.”
بصيتله وأنا مش مصدقة.“أنا صفيت شغلي كله. ” “رجعت عشان أعيش هنا.” دنيا خرجت من المطبخ وهي بتاكل زبادي وقالت وهي بتضحك: “بصي يا هبة… ما تكبريش الموضوع.” “إنتِ الحمد لله معاكي فلوس.” “اعمليلك شقة حلوة وخلاص.” لفيت ناحيتها بصدمة.“أعمل شقة؟” “بعد ما دفعت عمري كله في الفيلا دي؟ ” أمي اتعصبت فجأة.“إيه يعني؟” “الفلوس اللي كنتي بتبعتيها كانت للعيلة.” “مش عشان تيجي بعد كده تعايرينا بيها.” صرخت لأول مرة: “أعايركم؟” “أنا ضيعت شبابي كله عشانكم.” “إيديا اتجرحت.” “ضهري اتكسر.” “ومحرمتش نفسي من حاجة إلا عشان البيت ده. ” أمي بصتلي بحدة وقالت: “بطلي أنانية يا هبة.” “أخوكي راجل.”
“ولازم نقف جنبه.” الكلمة دي… “أخوكي راجل.” فضلت ترن في ودني.كأن كل اللي عملته في حياتي مالوش أي قيمة… بس لأني بنت.وقتها سكت.ولا اتخانقت. ولا صرخت.طلعت أوضة الجراج.قفلت الباب.وقعدت على السر,,ـــــير الحديد.وبعد دقايق… فتحت شنطتي.وأخرجت ظرف أصفر… عمره أكتر من خمسة عشر سنة.بصيت للورق اللي جواه… وابتسمت لأول مرة من ساعة ما رجعت.لأن في حاجة واحدة… أمي وكريم ماكانوش يعرفوها.وحاجة واحدة… كانت كفيلة تقلب حياتهم كله أكيد، دي تكملة كاملة بنفس أسلوب التشويق، مع كشف سر الظرف في النهاية وقفلة قوية:تكملة حكاية هبة — سر الظرف الأصفرفتحت الظرف بإيدي المرتعشة، وطلعت منه ورقة قديمة لونها اصفر من الزمن.
كانت الورقة عبارة عن عقد ابتدائي للأرض اللي اتبنت عليها الفيلا. قعدت أبص فيه ثواني طويلة، وبعدين ابتسمت. لأن تحت اسمي مباشرة كان مكتوب:”المالكة: هبة أمينة…”الأرض نفسها كانت باسمي. من خمستاشر سنة، قبل ما أبعت أول جنيه، كنت طالبت من أمي تعمل لي توكيل عشان أشتري قطعة الأرض باسمّي. وقتها كنت لسه بنت عندها عشرين سنة، وكل اللي كان في دماغي إني أبني بيت أرجعله يومًا ما. أمي قالتلي وقتها:”اعملي اللي إنتِ عايزاه يا بنتي، دي أرضك وإحنا أهلك.”وصدقتها. لكن ماكنتش أعرف إن الأيام هتخليني أحتاج الورقة دي. فتحت موبايلي، ودخلت على ملف كنت محتفظة بيه من سنين. صور التحويلات.
كل شهر. كل سنة. خمستاشر سنة كاملة. المبالغ اللي اتحولت كانت أكبر بكتير من قيمة الأرض والبيت. لكن كان فيه حاجة أهم…كل تحويل كان مكتوب في سببه: “بناء وتجهيز منزل هبة”.يعني حتى لو حد حاول يقول إن الفلوس كانت هدية للعيلة…كان عندي ما يثبت العكس. قفلت الملف، وحطيت الورق في شنطتي. وما نزلتش أواجههم. لأني لأول مرة في حياتي…