مريم دموعها نزلت. — ومن حقك تزعلي. وأنا مش هقول لك تنسي اللي حصل. أنا هحاول أثبت لك كل يوم إني اتغيرت. ليلى ما حضنتهاش فورًا، لكنها مدت إيدها ومسكَت إيدها. كانت بداية صغيرة، لكنها كانت حقيقية. بعد ثلاثة شهور، انعقد اجتماع جديد لمجلس إدارة المصنع. المرة دي، زينب دخلت القاعة وهي معاها تقرير المراجعة المستقلة، وخطة جديدة لإنقاذ الشركة من غير بيعها للمجموعة الاستثمارية. وقفت قدام الحاضرين وقالت:
— المصنع ده اتبنى بتعب العمال، ومش من حق أي مدير يقرر مصيرهم من ورا ضهرهم. إحنا هنراجع نظام الإدارة، ونشدد الرقابة على الحسابات، ونمنع أي تحويل مالي كبير من غير موافقة واضحة من المجلس. وبعدين عرضت خطة لإعادة تنظيم الإنتاج، والبحث عن مستثمرين بشروط تحافظ على الورش المحلية، وتضمن حقوق العمال. عم جابر قام من مكانه وقال: — وإحنا هنفضل في شغلنا؟ زينب ابتسمت. — هدفنا إن كل عامل أمين يفضل في شغله، وإننا نطور المصنع من غير ما نضحي بالناس اللي بنينا نجاحنا معاهم.
الخطة اتوافقت عليها الأغلبية، وبدأ المصنع مرحلة جديدة من الإصلاح. أما رشدي، فبقي خارج الإدارة لحين استكمال الإجراءات القانونية، وبعد ثبوت مخالفات مالية بحقه، واجه المساءلة عن الأفعال اللي أثبتتها التحقيقات. لم تكن كل تفاصيل القضية قد انتهت في يوم واحد، لكن أهم شيء حصل إن المصنع لم يُبع، والعمال لم يفقدوا مصدر رزقهم بسبب الصفقة التي حاول تمريرها. وفي مساء يوم هادئ، كانت زينب قاعدة في شرفة بيتها، وليلى جنبها بترسم كرات زجاجية صغيرة بألوان مختلفة.
زينب سألتها: — هتعملي إيه بالكرات دي يا حبيبتي؟ ليلى ابتسمت. — هعلقها في المصنع. عايزة كل العمال يشوفوها ويفتكروا إننا قدرنا نحافظ على مكانهم. زينب ضمتها وقالت: — أبوكي كان هيفتخر بيكي أوي. ليلى سكتت شوية، وبعدها سألت: — تيتة، هو أنا غلطت لما رفضت أنادي رشدي بابا؟ زينب مسكت إيديها وبصت في عينيها. — لأ يا حبيبتي. إنتِ مش مطالبة تدي أي حد مكانة في قلبك بالغصب. الاحترام مش معناه إنك تتنازلي عن مشاعرك، واللي عايز يكون قريب منك لازم يحترمك الأول.
ليلى ابتسمت، وحطت رأسها على كتف جدتها. وبعد لحظات، ظهرت مريم عند باب الشرفة، وفي إيدها كوبين من العصير. قربت منهم، وقدمت لليلى كوبًا. — ينفع أقعد معاكم؟ ليلى بصت لجدتها، وبعدها زحزحت نفسها قليلًا وفسحت مكانًا لأمها. مريم قعدت جنبها، من غير ما تحاول تفرض عليها حضنًا أو تطلب منها كلامًا مش مستعدة تقوله. فضلوا قاعدين سوا، يتفرجوا على الشمس وهي بتغيب. كانت العلاقة بينهم لسه محتاجة وقت عشان تتصلح، لكن المرة دي كان فيه شيء مختلف: مفيش تهديد، ولا إجبار، ولا خوف من الكلام.
زينب بصت لحفيدتها، وحست إن أهم انتصار حققته ما كانش كشف العمليات المالية الثلاث والعشرين، ولا إيقاف صفقة البيع، ولا إخراج رشدي من الإدارة. أكبر انتصار كان إنها قدرت تحمي طفلة من إنها تصدق إن التخلي عنها كان ذنبها هي. لأن ليلى ما كانتش محتاجة حد يثبت لها إن رشدي شخص سيئ بقدر ما كانت محتاجة حد يفهمها إن رفضها مش جريمة، وإن مشاعرها ليها قيمة، وإنها تستحق تعيش في أمان. وفي الليلة اللي اتسابت فيها على الطريق، كانت فاكرة إن كل الناس اللي المفروض تحميها تخلوا عنها.
لكنها اكتشفت إن جدتها كانت مستعدة تواجه الدنيا كلها عشانها. وأحيانًا، العيلة مش هي الناس اللي بتفرض نفسها عليك… العيلة الحقيقية هي اللي تختارك وقت ما تكون في أضعف لحظاتك، وتحميك من غير ما تطلب منك مقابل. تمت القصة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”