منوعات

نرمين عادل همام

كان فيه طلب لاتخاذ إجراءات قانونية مرتبطة بتقييم الحالة النفسية ليارا ومدى أهليتها لرعاية طفلتها، بناءً على ادعاءات ومستندات مقدمة من الطرف الآخر. حسيت إن الدم بيغلي في عروقي. — لسه مكملين؟! يارا بصتلي بخوف. — هما عايزين يعملوا فيا إيه يا حسام؟! قعدت جنبها، وحاولت أتكلم بهدوء رغم الغضب اللي جوايا. — ده طلب وإجراء لازم نراجعه مع المحامي، مش معناه إن حد حكم عليكي أو إن فيه قرار اتاخد ضدك. هنقدم المستندات اللي عندنا، وهنطلب التحقق من صحة التقرير اللي اتقدم. ومش هنسمح لحد يثبت عليكي حاجة مش حقيقية.

يارا نزلت عينيها، وقالت بصوت مكسور: — يعني حتى وأنا في المستشفى، مش هيسيبوني في حالي؟ ما لقيتش إجابة تريحها. كل اللي قدرت أعمله إني مسكت إيدها، وفضلت جنبها لحد ما هديت شوية. وبعدها اتصلت بالأستاذ شريف وبعتله نسخة من الإخطار. في المساء، كنت قاعد في مكتب الأستاذ شريف، والملفات قدامنا متقسمة حسب الموضوع: مستندات الشركة، والتحويلات المالية، والتقرير الطبي، والتسجيلات اللي صورتها في البيت. شريف كان بيراجع كل حاجة بعناية، ولما وصل للإخطار الأخير، رفع عينيه ليا.

— كنت متوقع إنهم يحاولوا يستخدموا التقرير الطبي في الإجراءات القانونية. قلت له بقلق: — يعني ده ممكن يضر يارا؟ — أي ادعاء رسمي لازم نتعامل معاه بجدية، لكن وجود طلب مش معناه إن الادعاء صحيح. إحنا هنقدم اعتراضنا، ونطلب التحقق من مصدر التقرير، ونوضح الظروف اللي اتقدم فيها. ولو فيه فحص طبي مطلوب من جهة مختصة، يارا تتعامل معاه بالطريقة الرسمية، ونتأكد إن حقوقها محفوظة. وبعدين أشار لملف التسجيلات.

— عندنا تسجيلات للواقعة اللي حصلت في البيت، وعندنا مستندات محتاجة مراجعة فنية وقانونية، وعندنا دلوقتي إجراءات رسمية لازم نرد عليها. لكن خليني أكون واضح معاك: مش كل الأدلة بتثبت نفس الحاجة. الفيديو يثبت اللي ظاهر فيه، والمستندات لازم تتفحص، والاتهامات المالية لازم يتتبع مسارها. قلت له: — وأنا موافق. أنا عايز الحقيقة، حتى لو طلعت مختلفة عن اللي أنا فاكره. ابتسم ابتسامة صغيرة. — كويس. دي أهم نقطة. لأن لو دخلنا الموضوع بهدف الانتقام، هنضيع تركيزنا. لكن لو دخلناه بهدف إثبات الوقائع، هنقدر نطالب بحقوقكم بالطريقة الصح.

في الأيام اللي بعدها، بدأنا نتحرك بشكل منظم. المحامي طلب مراجعة المستندات الأصلية، والتأكد من مصدر التقرير الطبي، وفحص التوقيعات الموجودة على بعض الأوراق. وكمان بدأنا نراجع حسابات الشركة مع المحاسب، وطلبنا كشوفًا تفصيلية بالمعاملات اللي كانت محل شك. ما كانتش الإجراءات سهلة. فيه أوراق احتاجت وقت عشان تتراجع، وفيه بيانات ما ظهرتش من أول مرة، وفيه معاملات طلع ليها تفسير طبيعي، ومعاملات تانية فضلت محتاجة تحقيق. لكن مع كل خطوة، الصورة كانت بتوضح أكتر.

والأهم إننا ما بقيناش بنتحرك بناءً على كلام أمي أو تهديداتها، لكن بناءً على أدلة بنحاول نتحقق منها. أما يارا، فكانت بتتعافى يوم ورا يوم. الدكتور سمح لها ترجع البيت بعد ما حالتها استقرت، لكني ما رجعتهاش لبيت شبرا. استأجرت شقة صغيرة هادية، قريبة من المستشفى، ورتبت كل حاجة فيها عشان ترتاح هي والبنت. في أول ليلة لينا هناك، يارا فضلت واقفة عند باب الأوضة، بتبص على السرير الصغير اللي حطينا فيه بنتنا. سألتني بتردد:

— إنت متأكد إننا هنقدر نبدأ من جديد؟ قربت منها وقلت: — مش لازم ننسى اللي حصل، ولا نتصرف كأنه ما حصلش. لكن نقدر نبني حياة جديدة، فيها احترام وأمان، ومحدش يفرض علينا نعيش في خوف. ابتسمت ابتسامة بسيطة. — أنا نفسي بس أرجع أحس إني في بيتي. بصيت حواليّا، وبعدين بصيت لها. — البيت مش الحيطان يا يارا. البيت هو المكان اللي تقدري تكوني فيه على طبيعتك، من غير ما تخافي من الإهانة أو التهديد. وإحنا هنخلي المكان ده بيتنا فعلًا.

في اللحظة دي، حسيت إننا بدأنا نرجع لبعض، مش بس كزوج وزوجة، لكن كاتنين اتعلموا بالطريقة الصعبة إن الحب لوحده مش كفاية من غير احترام وحدود واضحة. بعد أسابيع من المراجعات والتحقيقات، بدأت تظهر نتائج مهمة. الجهة المختصة اللي راجعت التقرير الطبي طلبت التحقق من مصدره، وتبين إن فيه بيانات وإجراءات ما كانتش متطابقة مع السجلات اللي اتراجعَت. واتطلب فحص المستندات الأصلية، ومراجعة الجهة اللي صدر منها التقرير المزعوم. وفي ملف الشركة، كشف فحص الحسابات عن معاملات محتاجة تحقيق أوسع، وبعض المستندات اللي اتقدمت لتبريرها ما كانتش كافية لإثبات سبب التحويلات.

أما بخصوص التوكيل، فالمحامي راجع نطاقه وصلاحيته، وبدأ الإجراءات اللازمة لمنع استخدامه في أي تصرف خارج حدود التفويض، مع إخطار الجهات المعنية بالتغييرات القانونية المطلوبة. كل خطوة كانت بتقربنا من الحقيقة، لكنها كانت كمان بتكشف إن الموضوع أعقد من مجرد خلاف بين أم ومرات ابنها. وفي يوم، اتصل بيا الأستاذ شريف وطلب مني أروح مكتبه. لما وصلت، لقيته حاطط قدامه تقريرًا جديدًا. — حسام، عندنا تطور مهم. قعدت قدامه بسرعة. — إيه اللي حصل؟

— نتيجة مراجعة التقرير الطبي وصلت. المستند اللي اتقدم ضد يارا فيه مخالفات جوهرية، والجهة المختصة ما أكدتش صدوره بالشكل اللي كان ظاهر في الورق. وفيه تحقيق مستمر لتحديد المسؤول عن إعداد المستند وتقديمه. حسيت براحة كبيرة، لكن شريف رفع إيده قبل ما أتكلم. — استنى. ده تطور مهم، لكنه مش معناه إن كل تفاصيل القضية اتحسمت. لازم نكمل الإجراءات، ونستنى نتائج التحقيقات الرسمية. هزيت راسي. — فاهم يا متر. المهم إن يارا ما تتظلمش.

وده اللي بنشتغل عليه. كمان عندنا موعد للنظر في الطلب المتعلق بتقييم حالتها، وهنقدم كل المستندات اللي توضح الحقيقة. خرجت من المكتب، واتصلت بيارا. أول ما ردت، قلت لها: — عندي خبر كويس يا حبيبتي. مراجعة التقرير كشفت مخالفات مهمة، وفيه تحقيق رسمي شغال عشان يعرفوا مين المسؤول. سكتت لحظة، وبعدها سمعت صوتها وهي بتعيط. — يعني مش هيقدروا يقولوا عليّا مجنونة وخلاص؟ — محدش يقدر يثبت عليكي حاجة من غير دليل. هنكمل الإجراءات للآخر، وإنتِ ركزي في صحتك وفي بنتنا.

لما قفلت، فضلت واقف قدام المكتب شوية. كنت فرحان إن الحقيقة بدأت تظهر، لكن جوايا كان فيه حزن كبير. حزن على كل يوم خوّفت فيه يارا نفسها من المستقبل. وحزن على أم كنت أتمنى إنها تعترف بغلطها قبل ما توصل الأمور للنقطة دي. لكن بعض الناس، لما بيخافوا يخسروا السيطرة، بيتمادوا لحد ما يخسروا كل حاجة بإيديهم. وجاء اليوم اللي اتحدد فيه موعد النظر في الطلب المتعلق بحالة يارا، ومراجعة المستندات المقدمة. يارا كانت متوترة من أول الصبح.

لبست لبس بسيط وأنيق، وربطت شعرها بعيد عن وشها، وأصرت إنها تروح بنفسها رغم إننا كنا ممكن نطلب من المحامي يتابع بعض الإجراءات نيابة عنها. قبل ما نخرج، بصت لبنتنا اللي كانت نايمة، وقالت: — نفسي اليوم ده يعدي، وأعرف أرجع أعيش من غير ما أفضل مستنية حد يخبط على الباب بورقة جديدة. مسكت إيدها. — هنواجه اللي لازم نواجهه، وبعدها هنرجع لبنتنا. مهما حصل، إنتِ مش لوحدك. وصلنا، ولقينا أمي موجودة. كانت قاعدة في مكانها، لابسة عباية غالية، وشعرها متظبط، ووشها بيحاول يبين الثقة، لكن أول ما شافتنا، عينيها اتحركت بسرعة ناحية يارا.

قربت مني قبل ما ندخل، وقالت بصوت منخفض: — لسه عندك فرصة يا حسام. اسحب كل ده، ونرجع زي الأول. إنت ابنِي، وأنا مش عايزة أخسرك. بصيت لها بهدوء.

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى