منوعات

هو ايه اصعب ان جوزك يتجوزى عليكي

عرفت إن خطيب نهى أختي، راجل محترم وغلبان، شغال محاسب في شركة محترمة، وسمعته نضيفة جداً، وكل اللي يعرفه إنه اتجوز بنت شريفة وفقيرة وجايباله شقة ملك من ورث أهلها زي ما هي ضحكت عليه وفهمته! أيوة… نهى فهمت خطيبها وأهله إن الشقة دي ورثها الشرعي من أبوها وأمها، وإنها عشان بتحبه اتنازلت ودخلته فيها! مسكت التليفون، وطلبت رقم خطيبها. ألو… أستاذ طارق؟ أيوة، مين معايا؟ أنا هدى… أخت نهى الكبيرة، كنت عايزاك في مشوار ضروري نص ساعة بس من غير ما نهى تعرف، الموضوع يخص مستقبلك وجوازك.

الراجل استغرب جداً، بس احترم سني وقال: خير يا أبلة هدى؟ في حاجة؟ تحت أمرك، نتقابل في كافيه قريب من الشغل. نزلت قابلته. الراجل قعد وشكله محترم وبن ناس بجد، أول ما شافني وقف وسلم عليا باحترام وقالي: منورة يا أبلة، نهى دي في عينيا ومتقلقيش عليها أبداً. بصيت في عينيه وقلتله بمرارة: نهى بتضحك عليك يا طارق… وأنت راجل محترم وميرضكش تاكل مال حرام وتدخل بيتك بفلوس مسروقة. الراجل اتصدم، وشه اتغير تماماً: إيه الكلام ده يا أبلة؟ مسروقة إيه وحرام إيه؟ نهى قالتلي إن الشقة دي ورثها من المرحوم والدكم، وإنه كان كاتبها ليها قبل ما يموت!

طلعت من شنطتي كل الأوراق اللي فضلت سهرانة أجمعها طول الليل. كشوفات حساب البنك بتاعي… التحويلات اللي كنت بحولها للمقاول وصاحب العمارة… عقد البيع الابتدائي اللي كان معمول باسمي قبل ما أعدله في الشهر العقاري باسمها… رسائل الواتساب القديمة اللي بيني وبينها، وهي بتقولي ربنا يخليكي لينا يا أبلة إنتي اللي بتصرفي علينا وإنتي اللي اشتريتي الشقة وسترتينا. وفوق كل ده… شهادة الوفاة بتاعة أبويا، وتاريخها قبل تاريخ شراء الشقة بست سنين كاملة! قولتله وأنا باصة في عينيه:

أبويا مات وهو معندوش مليم أحمر، الشقة دي من لحمي وشقايا وشقا عيالي الأيتام اللي أبوهم اتكسر وخسر كل حاجة في الغربة… أختي استغلت ثقتي وكتبتها باسمها عشان أحميها من الزمن، وهي دلوقتي بتبيعني وبتبيع لحمها عشان تاخدها على الجاهز… لو يرضيك تبني بيتك على شقا أربع بنات معندهمش مأوى، وتعيش في شقة مغصوبة ومسروقة، اتفضل اتجوز فيها وافرح. طارق مسك الأوراق، إيديه كانت بتترعش. وشه احمر وعروق رقبته نفرت من الصدمة. فضل يقرأ في التواريخ والأرقام، ويشوف الرسايل.

حط الأوراق على الترابيزة، وسند راسه بإيديه الاتنين وفضل ساكت مدة طويلة جداً. حكايات منال علي وبعدين رفع راسه، وكانت عينيه مليانة خزي وغضب: أنا أبويا رباني على اللقمة الحلال يا أبلة هدى… وعمري في حياتي ما دخلت على بيتي قرش حرام، ولا أرضى أعيش في حتة مغصوبة من بنات يتامى وأم شقيانة. قام وقف ومدلي إيده بالورق: حقك هيرجعلك يا أبلة… ولحد عندك، والنهاردة قبل بكره. الساعة كانت تمانية بالليل. روحت على شقتي… الشقة اللي كانت نهى بتفرشها وبتعلق فيها الستاير ومبسوطة مع نفسها.

طلعت الدور التالت، ولقيت الباب موارب. زقيت الباب ودخلت. كانت نهى واقفة بتبص على النجفة الجديدة وهي بتضحك وبتغني. أول ما شافتني، ابتسامتها اختفت واتقلبت لغضب: إنتي إيه اللي جابك هنا تاني؟ إنتي مبتفهميش؟! قولتلك الشقة دي ملكيش دعوة بيها، واطلعي بره قبل ما أطلبلك البوليس! وقفت مكاني وبصيت في أركان الشقة. الستاير… النجف… العفش اللي جه نصه… كل ده بفلوس مسروقة وحلم متبني على خراب بيت تاني. قلت بهدوء غريب: البوليس ييجي يا نهى… يا ريت ييجي عشان يشوف الحرامية اللي بتسرق أختها.

نهى رفعت صوتها وبقت تزعق: أنا مش حرامية! ده حقي، والقانون معايا، والعقد في جيبي، واطلعي بره بقى! وفجأة… صوت جه من ورايا، صوت هادي بس حاد زي السيف: والقانون بتاعك ده… بيحلل السرقة والنصب يا نهى؟ نهى اتجمدت مكانها، ولفت وشها بسرعة. كان طارق واقف على الباب، ومعاه أمه وأبوه. نهى اتلخبطت ووشها بقى زي الليمونة المخللة، وجريت عليه بتمثيل رخيص: طارق! حبيبي كويس إنك جيت… شوف أختي جاية تعملي مشاكل و… طارق رفع إيده في وشها وقطع كلامها بحزم:

أخرسي خالص! متقوليش حبيبي دي على لسانك أبداً! أمه بصتلها بقرف وقالت: إخص عليكي يا بت… طالعة شبه الملايكة ومن جواكي شيطان بياكل في لحم أخته وشقا عيالها؟ إحنا يدخل بيتنا واحدة نصابة زيك؟! نهى بصت لطارق برعب، وبدأت تتهته: طارق… إنت بتصدق الكلام ده؟ دي بتتبلى عليا عشان بتغير مني ومن جوازي! طارق طلع الورق من جيبه ورماه في وشها:

الورق ده مبيكدبش! وتاريخ وفاة أبوكي قبل العقد بست سنين مبيكدبش! وتحويلات البنك باسم أختك مابتكدبش! إنتي واحدة طماعة ورخيصة، وأنا لولا أختك المحترمة دي جت وعرفتني الحقيقة، كنت هعيش عمري كله مع واحدة خاينة ومغفلة بتاكل في لحم أهلها! نهى بدأت تعيط بهستيريا: طارق اسمعني بس… عشان خاطري أنا عملت كدة عشان نتجوز، عشان نلاقي حتة تجمعنا! طارق قلع الدبلة من إيده ورماها على الأرض تحت رجليها: أنا أتجوز في عشة على السطوح بحلال ربنا… ولا أدخل قصر مسروق من دم شقا أختك! الجوازة دي باطلة، ودبلتك اهي، وكل حاجة بيننا انتهت، ومش عايز أشوف وشك تاني ليوم الدين!

أبوه وأمه لفوا ضهرهم وخرجوا، وطارق وقف على الباب وبصلي باحترام: حقك عليا يا أبلة هدى… وإحنا بريئين من الأشكال دي. ونزل وسابها. الباب اتقفل وراهم، وفضلنا أنا وهي في الشقة لوحدنا. نهى كانت واقعة على الأرض، بتعيط وبتصرخ، بتبص للدبلة المرمية في التراب، وبتبص للعفش اللي ملحقش يتهنى بيه حد. رفعت راسها وبصتلي بعينين مليانة سم وغل: ارتحتي؟! خربتي بيتي؟! بوظتي جوازتي وفرحة عمري؟! منك لله يا شيخة، منك لله! مشيت خطوتين وقفت قدامها، وبصيت في عينيها من فوق:

أنا مخربتش بيتك يا نهى… إنتي اللي بنيتي بيتك على أنقاض بيتي وشقايا… إنتي اللي دوستي على الأخت اللي ربتك وسابت اللقمة من بقها عشان تديهالك… إنتي اللي نسيتي ربنا، وفاكرة إن الورقة دي هتحميكي من دعوة مظلوم. قالت وهي بتنهج من العياط والذل: مش هتاخدي الشقة برضه! هفضل قاعدة فيها، ومش هتنازل، وهخليكي تموتي بحسرتك! ابتسمت بمرارة وطلعت تليفوني:

براحتك يا نهى… بكره الصبح هيكون جوزي هنا في مصر، وطارق المحترم سجل كل اعترافاتك دلوقتي بصوته وصوت أهله، ولو الشقة دي متنازلتيش عنها في الشهر العقاري بكره الساعة تسعة الصبح برضاكي وبشهود، أنا هرفع قضية خيانة أمانة ونصب، وهفضحك قدام المنطقة والعيلة كلها، وهخليكي تمشي في الشارع والناس بتشاور عليكي وتقول النصابة اللي سرقت أختها… واختاري بقى تتنازلي بالهدوء وتستري نفسك، ولا تدخلي السجن وتتفضحي فضيحة متتلمش طول عمرك؟ نهى بصتلي برعب… كانت أول مرة تشوف الوش ده مني.

عرفت إن خلاص، كل الحبال اتقطعت، وإن البنت الصغيرة الساذجة اللي كانت بتستغل طيبتها ماتت ومبقاش ليها وجود. نزلت راسها في الأرض، وبصوت مخنوق ومكسور قالت: هتنازل… بس مش عايزة أشوف وشك تاني، إنتي مش أختي. قلتلها والدمعة نزلت من عيني غصب عني، دمعة وجع على الأخوة اللي ماتت: إنتي اللي قتلتي الأخت دي من يوم ما قلتي شقتنا ببرود… من اللحظة دي، إنتي بالنسبالي واحدة غريبة ماليش صلة بيها. تاني يوم الصبح… في الشهر العقاري، مضت نهى على عقد التنازل والبيع النهائي ليا، قدام موظف الشهر العقاري واثنين شهود.

كانت إيديها بترتعش وهي بتمضي، وعينيها في الأرض مبترفعهاش. أول ما استلمت الورق في إيدي، ومسكت العقد المسجل باسمي أنا… بصيت للورقة وحسيت إن جبل كان فوق صدري وانزاح. نهى خرجت من غير ما تنطق بكلمة، اختفت وسط الزحمة كأنها عمرها ما كانت في حياتي. خسرت أختي… أيوة، خسرتها للأبد.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى