جوزي لو عرف… مش بس هياخد الشقة… ده ممكن يرمي عليا اليمين ويحرمني من بناتي. هيقولي سارقاني وبتحوشي من ورا ضهري وتكتبي باسم أهلك؟ هيقلب الترابيزة عليا، ويطلع هو الضحية وأنا الخاينة المذنبة. كنت بين نارين: نار شقايا وبناتي اللي بيضيع مني علني… ونار الفضيحة وخراب البيوت. في اليوم التالت، قلت لنفسي لا يا بت… الدم عمره ما يبقى مية، يمكن البت عقلها خف، يمكن خطيبها اللي وزها، أروح أكلمها بالعقل والحنية، أفكرها باللي بيننا.
لبست ونزلت روحت على بيت أختي التاني، الشقة اللي كانت مأجراها وقاعدة فيها. حكايات منال علي خبطت على الباب. فتحتلي وهي لابسة إسدال الصلاة، وبصتلي ببرود يقهر. خير يا أختي؟ جاية ليه تاني؟ زقيت الباب براحة ودخلت: أنا جاية لأختي الصغيرة… جاية لحبيبتي وبنتي اللي ربيتها… مش جاية للواحدة الغريبة اللي شفتها من يومين. وقفت مربعة إيديها، وبنبرة استهزاء توجع: يا ستي متعمليليش فيلم عربي قديم والنبي، الكلام ده مابياكلش عيش اليومين دول. مسكت إيديها وبوستها، أقسم بالله بوست إيد أختي الصغيرة وأنا بذل نفسي عشان خاطر بناتي:
يا بنتي استهدي بالله… دي شقايا وشقا بناتك… البنات دول بكره هيكبروا، هيحتاجوا يتجوزوا، هروح بيهم فين؟ ده أبوهم متجوز عليا وعياله الصبيان بكره ياكلوا الأخضر واليابس ومش هيسيبولنا مليم، أنا عملت الشقة دي عشان أأمنهم، تضيعيهم إنتي يا نهى؟ سحبت إيدها مني كأن حشرة لمستها. وبصتلي بعين باردة وقاسية عمري ما شفتها في حياتها: بقولك إيه… إنتي وبناتك عندكم أبوكم يصرف عليكم، راجل شغال بره بالريال وما شاء الله ممعيشكم في عز… إنما أنا؟ أنا ورايا عريس وظروفه على قده، ومش لاقيين حتة نتجوز فيها، الشقة دي ربنا بعتهالي من السما عشان أستر نفسي وأتجوز زي بقية البنات.
صرخت فيها من غير ما أحس: ربنا بعتهالك؟! ده مالي وشقايا وحرماني وحرمان عيالي! ربنا بعتهالك من لحمي أنا؟! ردت بصوت أعلى وبجاحة تفلق الحجر: والله القانون مبيعرفش الكلام ده… العقد مسجل باسمي، والشقة في بطاقتي ومفيش ورقة واحدة تثبت إنك دافعة فيها تعريفة… لفي بقى حوالين نفسك في المحاكم لو تعرفي تطلعي منها بقشة! وقفت متنحة. كنت باصة لوشها… مش لاقية فيه أي أثر للبت اللي كانت بتخاف من خيالها. كانت شيطانة واقفة قدامي، عينيها بتلمع بطمع وغل غريب.
قالتلي حكايات منال علي ويلا بقى عشان خطيبي جاي دلوقتي وعايزين ننزل نختار العفش بتاع أوضة النوم، ومش عايزة نكد على الصبح. فتحت الباب وشاورتلي بإيدها أخرج. طردتني! أختي طردتني من بيتها عشان تروح تفرش شقتي مع خطيبها! نزلت الشارع والدم فاير في عروقي. الذل اتقلب لغضب، والكسرة اتقلب لبركان. قلت لنفسي أنا سكت على جوزي لما اتجوز عليا، وقلت مش مشكلة عشان البيت ما يتخربش وعشان بناتي… لكن الشقة دي حقي وحق عيالي، ولو سبتها هموت من القهر.
روحت على طول لمحامي في منطقتنا، راجل كبير ومحترم وكان صديق والدي الله يرحمه. قعدت قدامه وحكيتله كل تفصيلة، من أول قرش شيلته، لحد اللحظة اللي طردتني فيها. الراجل فضل ساكت، بيسمع ويهز راسه بحزن. وبعدين خلع نضارته وقال: يا بنتي… إنتي حطيتي رقبتك تحت سكينة تلمة. قلتله بلهفة: يعني إيه يا متر؟ ماليش حق؟ القانون ميجبليش حقي؟ رد عليا بأسى:
القانون لا يحمي المغفلين يا بنتي، والعقد شريعة المتعاقدين… العقد باسمها، والتوقيع بتاعها، وفلوس الشراء مكتوب في العقد إنها مسددة من المشتري اللي هو هي… هل معاكي ورقة ضد؟ ورقة أمانة؟ وصل بيع من الباطن؟ أي إقرار منها إن الفلوس دي بتاعتك؟ هزيت راسي بالنفي والدموع مغرقة وشي: لا يا متر… دي أختي، والله أختي الصغيرة، أكتب على أختي وصل أمانة؟! المحامي اتنهد تنهيدة طويلة:
المصيبة هنا… حتى لو رفعنا قضية صورية عقد، هنحتاج شهود، ومين هيشهد؟ البايع اللي باعلك؟ هيقولك أنا ماليش دعوة، الفلوس جاتلي من إيدها أو إيدك المهم العقد باسمها… والقضية هتقعد سنين في المحاكم وهتكون اتجوزت وخلفت فيها ومش هتعرفي تطلعيها، ده غير إن القضية هتعمل شوشرة وجوزك هيعرف من بره. حسيت إن السقف بيقع فوق دماغي. كل الأبواب اتقفلت في وشي. القانون عاجز… والأهل ناكرين… والددنيا مفيهاش رحمة. خرجت من عند المحامي وروحت البيت، قعدت زي الجثة الهامدة.
البنات ناموا، وبقيت قاعدة في الصالة في الضلمة. كل ذكريات عمري بتمر قدام عيني. يوم ما جوزي سافر وأنا لسه عروسة صغيرة. يوم ما التوأم ماتوا وإيديا كانت بتترعش وأنا بسيبهم في المستشفى. يوم ما عرفت إنه اتجوز وجاب الولد اللي كان حارمني من الضحكة علشانه. ويوم ما حوشت تمن الشقة من أكلي وشربي ولبسي. فجأة… الموبايل رن وقطع الضلمة والسكوت. بصيت في الشاشة، لقيت اسم “أبو البنات”. جوزي بيتصل من السعودية. إيديا اترعشت، وقلبي فضل يدق بسرعة مرعبة.
فتحت الخط بصوت مخنوق ومتردد: ألو… سمعت صوته جاي من بعيد، صوت غريب ومهموم مش عوايده: إزيك يا أم البنات… عاملة إيه؟ والبنات عاملين إيه؟ قولتله: الحمد لله… كويسين، كلهم نايمين. سكت شوية… سكوت طويل أوي، حسيت فيه إن في حاجة تقيلة على نفسه. وبعدين قال بصوت مكسور عمري ما سمعته منه: أنا نازل مصر الأسبوع الجاي يا هدى… نازل نهائي. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة: نازل نهائي؟! ليه؟ في إيه يا أبو البنات؟ حصل حاجة في الشغل؟
اتنهد تنهيدة شقت قلبي نصين: الشركة صفت أعمالها، ومش بس كدة… الشريك اللي كنت مدخله معايا في التجارة هنا نصب عليا في تحويشة العمر كلها، ورفع عليا قضايا وحجزوا على كل حاجة… أنا راجع بهدومي اللي عليا يا هدى، ممعاييش ولا مليم أحمر، حتى مكافأة نهاية الخدمة راحت في المحاكم. فضلت ساكتة، مذهولة، مش قادرة أنطق. وهو كمل وهو بيبكي… راجل بشحمه ولحمه بيبكي في التليفون:
ومراتي التانية… أول ما عرفت إني اتكسرت ومبقاش في جيبي قرش، خدت عيالها ورفعت عليا خلع وطلبت نفقة وقايمة… وراحت عند أهلها ورمتني في الشارع… ملقتش حد أكلمه في الدنيا دي كلها غيرك، أنا مليش غيرك إنتي وبناتي يا هدى، سامحيني على كل اللي عملته فيكي، سامحيني إن كنت جيت عليكي… أنا جاي ومعنديش حتى حتة بيت أعيش فيه غير بيتنا القديم ده… لو مش عايزاني أدخل هلف في الشوارع ومش هزعل منك. قفلت المكالمة بعد ما هديته وكلمته بكلمتين ناشفين.
قعدت مكاني مش مصدقة اللي بيحصل. الدنيا دارت دورة كاملة في ثواني! الراجل اللي كان فاكر إن الولد هو السند، ومراته التانية هي الأمان… أول ما القرش طار، طردته ورمتله عياله وخلعته. ودلوقتي راجع مكسور الجناح، ممعاهوش حتى تمن لقمة عيشه. وهنا بقى… الحقيقة صدمتني في وشي زي جردل مية تلج. لو الشقة دي كانت لسه معايا… كانت هتبقى هي المنقذ، هي السند لينا وليه ولبناته في الأيام السودة اللي جاية دي. بس الشقة اتسرقت!
اتسرقت من أختي اللي بتجهز عشان تتجوز فيها بعد أسبوعين! في اللحظة دي، حسيت بقوة غريبة دخلت قلبي. قوة مكنتش موجودة قبل كدة. الخوف مات. الخوف من جوزي خلاص مابقاش ليه معنى… الراجل رجع خسران كل حاجة، ومكسور، ومحتاجلي أكتر ما أنا محتاجاله. والخوف من الفضيحة مابقاش يفرق معايا، لإن خلاص مفيش حاجة تانية أخسرها. قمت وقفت، غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت في المراية. حكايات منال علي شفت ست تانية خالص. مش الست المكسورة اللي بتبلع المر وتسكت.
مش الست اللي بتطاطي عشان المركب تسير. قلت لنفسي: الحق مابيجيش بالدموع، الحق بيتاخد بالدراع… والشقة دي لو مدخلتهاش أنا وبناتي، مفيش مخلوق على وش الأرض هيفرح بيها. تاني يوم الصبح…