شقـا الـعمر ج 1 حكايات منــال عـلـي اتجوزت وأنا لسه صغيرة، وكل اللي كنت بحلم بيه بيت هادي، وراجل يحبني، وعيال يملوا عليا الدنيا. بعد أول سنة خلفت بنت. كل الناس قالتلي ولا يهمك… المرة الجاية ييجي الولد. ابتسمت وسكتّ. بعدها ربنا رزقني ببنت تانية. وبرضه سمعت نفس الكلام إن شاء الله اللي جاي ولد. لحد ما بقيت أحمل وأنا مش بفكر في نفسي… كنت بفكر في نظرة الناس، وفي نظرة جوزي وهو مستني على نار يسمع كلمة مبروك… جالك ولد.
بس في كل مرة… كانت بتيجي بنت.
وأقسم بالله، كنت بفرح بيهم من كل قلبي.
كل واحدة فيهم كانت حتة مني.
كنت أبصلهم وهم نايمين وأقول في سري
هو أنا أقدر
أزعل من نعمة ربنا ورزقه؟
بس كنت شايفة جوه عينين جوزي حاجة عمره ما نطقها بلسانه.
كان بيحب بناته، آه…
بس كان نفسه في حتة ولد يشيل اسمه.
ومع الوقت سافر يشتغل بره مصر، وبقيت أنا هنا الأم والأب مع بعض.
أربي، وأذاكر، وأجري على المدارس والدكاترة، وأستناه ينزل إجازته شهرين في السنة، وبعدها يسافر ويرجع الغربة تاني.
والسنين جريت…
وفي آخر حمل ليا، الدكتور قال كلمة خلت قلبي يرقص من الفرحة.
مبروك… إنتي حامل في توأم.
افتكرت وقتها إن ربنا خلاص هيعوض صبري خير.
فضلت كل يوم أدعي من قلبي
يارب… حتى لو واحد بس فيهم يطلع ولد.
بس ربنا كان كاتب حاجة تانية خالص.
الاتنين طلعوا بنات.
ورغم كده، طبطبت على بطني وحضنتها
وقلت
ألف حمد وشكر ليك يارب.
بس المكتوب والقدر كان أوجع من أي احتمال.
اتولدوا…
وقعدوا أسبوعين اتنين بس في الدنيا.
وبعدين…
راحوا للي خلقهم.
اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى وإيديا فاضية من غيرهم، حسيت إن روحي وحتة مني اتدفنت معاهم تحت التراب.
عديت الأيام بالعافية والمرار.
وقلت لنفسي
يمكن ربنا شايل الخير في حتة تانية.
بس الخير اللي كنت مستنياه… راح لواحدة تانية خالص.
بعدها بكام سنة…
عرفت بالصدفة البحتة إن جوزي اتجوز عليا.
لا هو اللي جه وصارحني…
ولا حتى حد من اللي حواليا رضي يرحمني ويقولي.
عرفت من كلمة طارت قدامي بالغلط.
في الأول قلت دي إشاعة ومش مصدقة.
بس لما واجهته وحطيته قدام الأمر الواقع.
..
سكت.
وسكوته ده كان أكبر اعتراف.
يومها حسيت إن
الدنيا كلها اسودت في عيني وضاقت بيا.
بس هعمل إيه؟
أسيبه وأتطلق؟
طب هروح فين وألجأ لمين؟
أنا في رقبتي أربع بنات.
وأبويا وأمي ماتوا.
وماليش في الدنيا غير أخواتي البنات… وكل واحدة فيهم يدوبك شايلة هم بيتها بالعافية.
بلعت المر وسكت على وجعي.
وقلت لنفسي
أهو المهم ما يقصرش في حق بناته ومصاريفهم.
ومرت الأيام والشهور.
لحد ما سمعت الخبر اللي كسرني بجد ووجع قلبي أكتر وأكتر.
مراته التانية ولدت…
وجابت ولد.
وبعده بكام سنة جابت ولد تاني كمان.
ساعتها، ولأول مرة، حسيت إن الحلم اللي كان عليه اتحقق…
بس في حضن واحدة تانية غيري.
أنا اللي كنت الزوجة اللي وقفت معاه في عزه وفقره، وشاركته
البدايات.
والتعب والشقاوة.
والغربة والفرقة.
وسنين العمر اللي عدت.
بس الحلم اللي عاش عمره كله مستنيه وبيت مناه…
خدته التانية على الجاهز.
فضلت أبتسم في وشه كل ما ينزل من السفر إجازة.
وأمثل إني تمام وعايشة حياتي عادي وطبيعية.
وأقول
الحمد لله على كل حال.
بس الحقيقة اللي جوايا…
إن في حاجة انكسرت وشرخت في قلبي.
وحاجة زي دي مستحيل ترجع تتصلح تاني.
والغريب بقى في الموضوع…
إنه بعد ما اتجوز عليا، بقى يبعت مصاريف وفلوس أكتر من الأول.
يمكن عشان يريّح ضميره اللي بيأنبه.
يمكن عشان يعوض بناته ويراضيهم.
يمكن لأي سبب كان في دماغه.
وأقسم بالله العظيم…
عمري ما بعزقت جنيه في رفاهية ولا دلع.
كل قرش كان ليه مكان والحساب.
قرشين للبيت
وأكله وشربه.
وقرشين لمصاريف البنات ومدارسهم.
وقرشين كنت بشيلهم على جنب وأخبيهم للزمن.
مش عشان أسرقه.
ولا بنصب عليه.
ولا عمري قصرت في بيته ولا حرمته من أي حاجة.
بس كنت خايفة ومقروصة.
خايفة ييجي عليا يوم ألاقي نفسي مرمية لوحدي في الشارع.
خايفة يرمي عليا اليمين ويطلقني.
أو يجراله حاجة وفجأة ينتهي كل شيء.
أو ينساني وينسى بناتي مع الوقت.
أو يقرر يصفي كل حاجة ويعيش حياته بالكامل مع أسرته وعياله التانيين.
وساعتها أنا؟
أنا وبناتي الأربعة هنروح فين ونبات فين؟
فضلت أحوش القرش على القرش سنة ورا سنة.
وأضغط على نفسي وأوفر من كل مليم.
لحد ما ربنا فرجها عليا وكرمني.
واشتريت شقة صغيرة تسترنا.
أول مرة في حياتي
أمسك قلم وأمضي على عقد ملك…
وأحس أخيرًا إن بقى ليا ضهر
وسند في الدنيا.
بس الخوف والوسواس رجعوا غلبوني تاني.
قلت بيني وبين نفسي لو جوزي شم خبر ولا عرف…
يمكن يقلب الدنيا ويزعل.
يمكن يغصبني أبيعها وياخد تمنها.
يمكن يعملي مشكلة متخلصش.
وساعتها… عملت أكبر غلطة وسذاجة في عمري كله.
كتبت الشقة باسم أختي الصغيرة.
كنت ببصلها وبعاملها كأنها بنتي الكبيرة.
دي لسه يدوب مكملة اتنين وعشرين سنة.
طيبة وغلبانة.
وكانت طول عمرها بتعتبرني أمها التانية وحبيبتها.
قلت في عقل بالي
الاسم ده مجرد حبر على ورق…
والشقة في الأول والآخر شقتي ومن شقايا.
ولأول مرة من سنين طويلة…
حطيت راسي على المخدة ونمت وأنا قلبي متطمن ومرتاح.
ماكنتش أعرف وقتها…
إن الورق وسحر الملك ساعات بيعمي العيون ويغير النفوس والقلوب.
من شهر كدة تقريبًا…
أختي دي جالها عريس واتخطبت.
فرحتلها من كل جوارح قلبي.
ولما لقيتها بتقول إنها محتاسة وبتدور على شقة للإيجار عشان تتجوز فيها، ابتسمتلها بحب وقلت
لو حبيتي تاخدي شقتي تقعدي فيها لحد ما ربنا يفرجها ويوسعها عليكم، أنا معنديش أي مانع يا حبيبتي… بس هتدفعيلي إيجار بسيط كدة على قد
الإيد.
كنت فاكرة إنها هتطير من الفرحة وتشكرني.
بس لقيتها بتبصلي بنظرة استغراب واستنكار غريبة جدًا.
وقالت كلمة عمري ما هنساها طول ما فيا نفس
إيجار؟! إيجار إيه وليه يعني؟!
ضحكت باستغراب وقلت
علشان دي شقتي وفلوسي يا بنتي.
ردت عليا وهي في قمة البرود والتناحة…
وهي فين شقتك دي أصلاً؟
تنحت وفتحت عيني مش مستوعبة.
راحت مطلعة نسخة العقد من الدرج قدام عيني ببرود وقالت
الشقة دي باسمي أنا يا حبيبتي.
قلبي حسيت إنه نزل في رجليا.
قلتلها برعشة
إنتي بتهزري صح؟ مش وقته الهزار ده!
قالتلي
لا… أنا بتكلم جد الجد ومابهزرش.
حاولت أفكرها وأفوقها من اللي هي فيه.
أقولها ده أنا اللي دافعة دم قلبي فيها قرش قرش.
ده أنا اللي شقيت وحوشت من لحمي الحي.
ده أنا عملت كدة بس عشان بثق فيكي أكتر من روحي ومآمناكي.
بس هي قطعت عليا المية والنور.
وقالتلي بكل برود وقسوة
والله أنا ما مسكتش إيدك وغصبتك تكتبيها باسمي!
فضلت مبلمة وباصة في وشها مش مصدقة.
مستنية يمكن تضحك…
يمكن تقول دي مقلب وبهزر معاكي وبشوفك هتعملي إيه.
بس ملامح وشها كانت
ناشفة، وجامدة زي الحجر.
وش غريب ومريب.
كأنها مش أختي
اللي ربيتها على إيدي.
كأنها واحدة غريبة مقطوعة عمري ما شفتها في حياتي.
وبعدين كملت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي وجسمي كله يترعش ويسقع…
أنا أولى بالشقة دي… وأنا اللي هتجوز فيها، ومفيش مخلوق على وش الأرض يقدر يمد إيده أو يطلعني منها برة.
في اللحظة دي بالذات…
حسيت إن الأرض بتتشق وتبلعني لتحت وسواد عمى عيني.
لساني اتشل ومقدرتش أنطق بكلمة واحدة.
ولا حتى نزلت مني دمعة من الصدمة.
لفيت ضهري وخرجت من عندها وأنا رجل بتشيل رجل ومش شايفة طريقي.
بس وأنا لسه بفتح باب مدخل العمارة عشان أخرج…
سمعت صوتها وهي بتنادي على خطيبها من جوة الشقة، وبتقوله بكل فخر وثقة وشموخة
تعالى يا حبيبي… هوريك شقتنا!
وقفت مسمرة مكاني…
ورجليا لزقت في الأرض كأنها اتجمدت.
شقتنا؟!
ولأول مرة في عمري كله…
قعدت أسأل نفسي ودموعي بتنزل
هو أنا كدة خسرت حتة شقة… ولا خسرت أختي اللي من دمي ولحمي؟
والسؤال اللي واكل قلبي ومخوفني أكتر وأكتر…
لو جوزي شم خبر وعرف المصيبة دي كلها…
يا ترى هيقف في ضهري
ومعايا؟… ولا هتبقى دي الضربة القاضية اللي تنهي على عمري كله؟
يتبع…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” شقـا الـعمر ج 2 حكايات منــال عـلـي الجزء الثاني والأخير الأرض لما بتتهز تحت رجليك، بتدور على أقرب حيطة تسند عليها… بس المصيبة لما تكتشف إن الحيطة دي هي نفسها اللي وقعت فوق نفوخك. وقفت تحت في مدخل العمارة والدموع متجمدة في عيني. صوت ضحكتها مع خطيبها كان طالع من الشباك زي السكاكين في صدري.
شقتنا! الكلمة كانت بترن في ودني، بتكويني. شقا عشر سنين غربة لراجل بيحوش، وحرماني أنا وبناتي من اللقمة الهنية عشان أسترهم. اتحول في ثانية لواحدة تانية تاخده على الجاهز… حكايات منال علي ومش أي واحدة… أختي! البنت اللي كنت بغيرلها البامبرز وأنا متجوزة في أول شبابي. اللي كانت تيجي تبكيلي من أمها وأبوهم الله يرحمهم، وأدادي وأطبطب وأحط القرش في إيدها من ورا جوزي. طلعت الشارع ورجليا مش شيلاني. كل خطوة كنت بحس إن الأسفلت تحت مني بيغرز، كأن الدنيا بتسحبني لتحت.
روحت البيت، دخلت قفلت الباب بالمفتاح وسندت ضهري عليه. بناتي كانوا قاعدين يذاكروا في الصالة. الكبيرة بصتلي وقالت: مالك يا ماما؟ وشك أصفر كدة ليه؟ بلعت ريقي اللي كان ناشف زي الحطب، وحاولت أرسم ابتسامة مكسورة: مفيش يا حبيبتي… ضغطي واطي بس من الشمس، ادخلوا كملوا مذاكرتكم. دخلت أوضتي وقفلت على نفسي. وهنا بقى… كل الوجع اللي كان متخزن ومحبوس انفجر. حطيت وشي في المخدة عشان صوتي ما يطلعش للبنات، وفضلت أعيط بحرقة. عيطت على سنين عمري اللي ضاعت هدر. متوفره على روايات واقتباسات
عيطت على جوزي اللي كسر خاطري وراح اتجوز غيري عشان يخلف ولد. وعيطت على أختي اللي غرزت ضوافرها في لحمي من غير ما يرمش لها جفن. مرت ليلتين وأنا عيني ما شافتش النوم دقيقة واحدة. راسي كان هينفجر من التفكير. أعمل إيه؟ أروح لأخواتي التانيين الكبار؟ طب ما أنا عارفاهم… أختي الكبيرة يدوبك ماشية جنب الحيط وبتقول يارب الستر ومش حمل مشاكل. والتانية جوزها راجل حشري وطماع، لو عرف إن معايا فلوس وشقة هيقلب الدنيا فضايح ويقول إشمعنى هي اللي تاخدها.
طب أقول لجوزي؟ الخوف ده كان بيموتني كل ثانية.