قربت منها بخطوات تقيلة، وقعدت تحت رجليها في الأرض. مسكت إيديها اللي بتترعش، وبصيت في عينيها وسألتها بصوت مخنوق: ليه يا أمي؟ ليه مقولتليش من أول يوم؟ ليه سيبتيني أعيش السنين دي كلها وأنا حاسس إن سلمى هي اللي بتنكد علينا، وإنكم انتوا المظلومين؟! ده طارق ده كان بياخد مني فلوس ويقولي بمشي أموري، وفي نفس الوقت واكل دهب مراتي وذاللها بيه! وأختي.. أختي اللي كنت بقطع من لحمي عشان أراضيها في كل مشكلة مع جوزها، تمد إيدها على مراتي في بيتي وأنا مش هنا؟!
أمي دموعها نزلت سخنة على إيديا، ومسحت على راسي بصوت باكي: الخوف والغيرة عَمُوا عيني وعَمُوا قلبي. أول ما اتجوزت، حسيت إنك بعدت، وإنك بقيت ملك لواحدة تانية. ولادك لما بيكبروا ويتجوزوا، الشيطان بيوسوس للأم إن مرات الابن دي غريبة جاية تاخد شقا عمرها. طارق ونهى كانوا عارفين النقطة دي فيا، فكانوا يملوا وداني عليها، وأنا أصدق عشان أريح غيظي. بس ورب العرش يا ابني، كل مرة كنت أظلــ,,ـــــمها فيها، كانت سلمى تصغرني بأصلها.. عمري ما شوفت منها قلة أدب ولا طول لسان، لحد إمبارح..
إمبارح أنا اللي دوست على كرامتها بقسوة لما عيرتها بأبوها المتوفى، وهي كان لسه في جيبها علبة دوا جايباهالي بفلوس كانت محوشاها لنفسها! كلام أمي كان زي كلام ثقيل بيتكب على جرحي. وقفت على حيلي والغضب اشتعل في عروقي.. الحزن والندم اتقلبوا فجأة لغضب عارم، غضب مش هيهدى غير لما كل واحد في العيلة دي يدفع تمن الظلــ,,ـــــم اللي ارتكبه. مسكت تليفوني، وطلبت رقم طارق. الخط رن مرتين وفتح، وصوته طلع متعجرف وفيه نبرة شماتة: أيوة يا يوسف، لحقت ترجع لعقلك وعرفت إن ملكش غير إخواتك، ولا لسه الست دي مسيطرة عليك؟
طارق.. صوتي طلع هادي، هدوء ما قبل العاصفة: الدهب اللي خدته من سلمى، تمنه يرجع لحد عندي الليلة دي. كل مليم خبيته وسرقته من مراتي بحجة علاج أمك، هيكون محطوط على ترابيزة الصالة قبل ما الفجر يطلع. طارق ضحك ضحكة صفرا مستفزة: دهب إيه وكلام فارغ إيه؟! إنت صدقت التخاريف دي؟ أمك كبرت وخرفت، وأنا مخدتش من مراتك شلن! ولو كان حصل، فده كان كرم أخلاق منها لأهل جوزها، ملكش عندي حاجة يا يوسف، ووريني هتعمل إيه!
اللي هعمله؟ قاطعت كلامه ببرود: قاطع المحل بتاعك اللي في سوق الجملة، مش أنا اللي ماضي على شيكات البضاعة بتاعته بضمانتي في البنك؟ والتوكيل اللي إنت عاملهولي عشان أخلص بيه أوراق السجل التجاري بتاعك؟ بكرة الصبح، الشيكات دي هتروح للنيابة، والضمانة هسحبها، والتجارة اللي فرحان بيها دي كلها هقفلها بالشمع الأحمر وأعرضك للمساءلة القانونية اللي سلمى باعت دهبها زمان عشان تحميك منها! ورب العزة يا طارق، لو الدهب ده مرجعش حقه كاش الليلة دي، لكون مفرّج عليك أصحاب الديون كلهم وفاتح دفاترنا القديمة في القسم!
طارق صوته اتخنق، النبرة المتعجرفة اختفت تمامًا وحل مكانها خوف: إنت اتجننت يا يوسف؟! هتحاسب أخوك الكبير قانونيًا عشان خاطر حتة دهب؟! أخويا الكبير ما بقاش أخويا يوم ما سرق مراتي وذلها وخرب بيتي.. قدامك لحد الساعة تسعة بالليل، وإلا الصبح مش هتلاقي محلك مفتوح! قفلت السكة في وشه، وبصيت لأمي، لقيتها باصة في الأرض ومش قادرة تنطق، عارفة إن الحق واضح وإن السيل وصل الزبى.
بعدها، بعتت رسالة واحدة على جروب العيلة اللي مجمع كل إخواتي، بما فيهم نهى وجوزها: كل واحد فيكم مد إيده أو لسانه على مراتي في غيابي، معتبرش نفسه أخويا ولا يلزمني، وعلاقتي بيكم انتهت لحد ما سلمى هي اللي تختار تسامحكم أو تدوس عليكم.. واللي هيفكر يقرب من باب بيتي أو يعتب شقتي تاني، مش هيرجع على رجليه. رميت التليفون، ولبست جاكتي بسرعة. أمي بصتلي بخوف وقالت: رايح فين يا بني في نص النهار كده؟! رايح أصلح الخراب اللي سيبته يكبر خمس سنين يا أمي.. ادعيلي إنها توافق بس تبص في وشي!
نزلت الشارع، الشمس كانت حامية، بس صدـ,,ـــري كان فيه تلج من كتر القلق. ركبت عربيتي وسوقت في اتجاه بيت حمايا في شبرا.. المنطقة الشعبية البسيطة اللي طلعت منها سلمى، الناس اللي أبوها كان راجل على باب الله، بياع خضار بسيط، علم بناته الأدب وعزة النفس قبل ما يتوفى ويسيبهم من غير ضهر غير ربنا.افتكرت يوم ما روحت أخطبها، أبوها الله يرحمه قعد معايا على قهوة، وحط إيده في إيدي وقالي: يا يوسف، إحنا ناس فقرا بس شبعانين كرامة..
بنتي دي عندي بالدنيا كلها، لو في يوم حسيت إنك مش قادر تسعدها أو تصونها، هاتها في إيدك ورجعهالي على باب بيتي معززة مكرمة، بس متكسرش نفسها ولا تخلّي حد يستقوى عليها. الكلمات دي كانت بتتردد في ودني، وكأن روحه واقفة قدامي دلوقتي وبتعاتبني: عملت إيه في الأمانة يا يوسف؟ وصلت تحت البيت القديم.. طلعت السلالم بخطوات متثاقلة، كل درجة كنت بطلعها بقلب مقبوض. وقفت قدام الباب الخشب المدهون أخضر، وأخدت نفس طويل قبل ما أخبط خبطات خفيفة.
ثواني والباب اتفتح.. كانت أم سلمى، الست الطيبة اللي وشها كله نور ورضا، أول ما شافتني ملامحها اتغيرت من الدهشة للحزن، وقالت بصوت هادي مفيش فيه لا غل ولا زعيق: اتفضل يا يوسف يا ابني.. ادخل.
دخلت الصالة الصغيرة المفروشة بسجاجيد بسيطة ونضيفة، ريحة البيت اللي كنت دايمًا برتاح فيها حسيتها النهاردة بتخنقني من الذنب. سلمى فين يا خالتو؟ حماتي بصتلي بأسى، وقعدت على كرسي خيزران قديم: سلمى جوة في أوضتها.. قافلة على نفسها من ساعة ما جت، مابتتكلمش ولا بتاكل، وعينيها منشفتش من البكا. أنا مفهمتش منها حاجة غير إنكوا اختلفتوا، بس لما شوفت قهرتها عرفت إن اللي حصل كبير.. إنت يا يوسف؟ إنت اللي كنت بقول عليك راجل بنتي وسندها؟!
وطيت راسي في الأرض، للمرة الأولى في حياتي أحس إني صغير ومكسور: أنا غلطان يا خالتو.. وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم ما كنت أعرف اللي كان بيحصل من ورا ضهري، ومكنتش فاهم حجم الوجع اللي سلمى شايلاه. في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح ببطء.. وخرجت سلمى. كانت لابسة إسدال الصلاة، وشها أصفر شاحب، وتحت عينيها سواد من العياط، بس النظرة اللي في عينيها.. كانت نظرة خالية من أي لهفة، نظرة خلت رجلي تتثبت في الأرض.
ماما.. سلمى قالت بصوت واطي ومبحوح: سيبيني مع يوسف لوحدنا شوية بعد إذنك. حماتي بصتلنا إحنا الاتنين، واتنهدت بحسرة وقامت دخلت المطبخ وقفلت الباب وراها. فضلت باصص لسلمى، مش عارف أبدأ منين، الكلام كله تاه من دماغي.. خطيت خطوة ناحيتها، بس هي شاورت بإيدها وقالت بجمود: خليك مكانك يا يوسف.. متقربش. سلمى.. أنا روحت البيت وواجهت أمي.. وأمي حكتلي كل حاجة، حكتلي عن الدهب، وعن قلة أدب نهى، وعن الكلام القاسي اللي كانوا بيقولوهولك وإنتي ساكتة ومتحملة عشاني! أنا طردتهم يا سلمى، ومسحت بكرامتهم الأرض، وطلبت من طارق يرجع تمن الدهب كله النهاردة، وبعتلهم رسالة قطعت علاقتي بيهم كلهم!
سلمى سمعت الكلام ده كله، وملامحها متحركتش.. حتى عينيها ملمعتش بأي انتصار، بل بالعكس، ابتسمت نفس الابتسامة المكسورة اللي بتدبح، وقالت: وإنت فاكر إن ده الحل يا يوسف؟ فاكر إن لما تطرد أخواتك وتكسر أهلك، كده حقي رجع؟! أنا استغربت رد فعلها، وسألتها بلهفة: أومال أعمل إيه؟! مش دول اللي ظلــ,,ـــــموكي وداسوا على كرامتك؟! مش ده اللي خلاكي تطفحي الكيل وترمي الشبشب وتطلبي تبعدي؟! يوسف.. صوتها كان بيترعش وهي بتضغط على حروفها: الشبشب اللي أنا رميته مكنش بسبب أهلك، كان بسببك إنت!
بصيتلها بصدمة، فكملت بدموع بدأت تفيض تاني: أنا بقالي خمس سنين بستحمل أهلك، مش عشان أنا ضعيفة ولا عشان مليش ضهر.. أنا كنت بستحمل عشان بحبك إنت! كنت بقول كل ده يهون، المهم لما يوسف يدخل من الباب بالليل، يلاقيني مبتسمة وميتحملش هم خناقات الحريم.. كنت ببلع الإهانة وأقول بكرة يشوف تضحيتي، بكرة لما أقع هو اللي هيقف في وش الدنيا عشاني! عارف الوجع الحقيقي جه منين إمبارح؟!
الدمعة نزلت على خدها ومسحتها بعنــ,,ـــــف: الوجع مش إن أمك قالتلي كلامًا قاسيًا عن أصلي.. الوجع إنك لما دخلت وسمعت الإهانة، مشوفتش غير إني غلطانة عشان رفعت إيدي أدافع عن كرامتي.. الوجع إنك جريت عليها تطبطب عليها ووعدتها إنك تجيبني أركع وأبوس راسها، ولا فكرت ثانية واحدة تسألني: إنتي مالك يا سلمى؟ عملوا فيكي إيه وصلك للحالة دي؟!.. إنت هانت عليك مراتك في ثانية يا يوسف، وكنت مستعد تذلني أكتر عشان ترضيهم!
كلامها نزل عليا زي السكاكين، كنت سامع صوت نبضات قلبي بتصرخ بالذنب. قربت منها غصب عني، ومهمتنيش إشارتها، مسكت إيديها الاتنين بقوة، ونزلت قدامها على ركبي، دموعي نزلت من غير ما أقدر أتحكم فيها: أنا حمار يا سلمى.. أنا كنت غبي ومغمي عيني.. كنت فاكر إن البر بيهم إني أجي عليكي، ومكنتش فاهم إن ربنا هيحاسبني عليكي قبل ما يحاسبني عليهم في ظلــ,,ـــــمك! حقك عليا، اديني فرصة واحدة، فرصة واحدة بس أثبتلك إني اتغيرت، وإني مستعد أبيع الدنيا كلها عشانك!