سلمى ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: بس هما حطوك قدام اختيار، يا أنا يا هما… وإنت لسه بتفكر! الكلام وجعني، لأني كنت عارف إنها عندها حق. عدت الليلة من غير ما نتكلم كتير، وتاني يوم الصبح، لقيت إخواتي جايين كلهم على البيت. أخويا الكبير بصلي وقال: يا يوسف، إحنا مش جايين نتناقش معاك، إحنا جايين نبلغك بقرارنا. طول ما سلمى مراتك، مفيش بينا وبينك أي علاقة! بصيت له بصدمة وقلت: قراركم إنتوا؟! هو أنا مش أخوكم؟ هو جوازي بقى بإذن منكم؟!
أختي ردت بعصبية: أيوه يا يوسف، إحنا أهلك، ومن حقنا نزعل لما واحدة توجه كلامًا قاسيًا لأمنا. ولو إنت مش شايف إن اللي عملته مشكلة، يبقى إنت كمان غلطان! كنت حاسس إني هفقد أعصابي، لكن سلمى خرجت من الأوضة وقالت: أنا مش هسمح إنكم تختلفوا مع بعض بسببي، ومش هخلي يوسف يعيش العمر كله حاسس إنه خسر عيلته عشاني. بصيتلها وقلت: تقصدي إيه يا سلمى؟ ردت وهي بتحاول تثبت صوتها:
أقصد إني هروح عند أهلي كام يوم، لحد ما كلنا نهدى. أنا مش هطلب منك تطلّقني، ومش هطلب منك تقاطع إخواتك. بس مش هقدر أعيش في بيت كل يوم فيه ضغط جديد. أخويا الكبير ابتسم وقال: أهو ده الكلام العاقل. خليها تروح، وإنت فكر في حياتك بعيد عنها، وهتعرف إننا بنعمل ده لمصلحتك. سلمى بصتله وقالت: أنا رايحة عشان أدي يوسف فرصة يفكر، مش عشان إنت كسبت أو أنا خسرت. دخلت الأوضة وبدأت تجهز شنطتها، وأنا واقف مكاني حاسس إن حياتي بتتفكك قدام عيني ومش عارف أوقفها إزاي.
بعد شوية، خرجت وهي شايلة شنطتها، وقفت قدامي وقالت: يوسف، أنا مش عايزاك توصلني، ومش عايزاك تيجي ورايا دلوقتي. خد وقتك، وفكر إنت عايز إيه فعلًا. وبعدين قربت مني وهمست:
بس أوعى تاخد قرارك عشان خايف من زعل حد، لأنك لو عملت كده، هتفضل طول عمرك تدفع تمنه. فتحت الباب، وقبل ما تخرج، أمي نادت عليها. سلمى وقفت، وأمي قربت منها وقالت: استني يا بنتي، أنا عايزة أتكلم معاكي. إخواتي اتبادلوا النظرات، وأخويا الكبير قال:
يا أمي، إحنا اتفقنا إن الموضوع انتهى، مفيش داعي نفتح كلام تاني. لكن أمي رفعت إيدها وقالت: محدش يتكلم. أنا سكت كتير، ويمكن سكوتي هو اللي وصلنا للي إحنا فيه دلوقتي. وبعدين بصت لسلمى وقالت: أنا مش هطلب منك تفضلي، ولا هطلب منك تمشي. القرار قرارك. بس قبل ما تاخدي أي قرار، عايزاكي تعرفي إن أنا غلطت في حقك في حاجات كتير، ويمكن إنتي الوحيدة اللي عارفة أنا أقصد إيه. أنا وقفت مصدوم، وبصيت لأمي وقلت:
إنتي تقصدي إيه يا أمي؟! أمي بصتلي، وبعدها بصت لإخواتي اللي كانوا واضح عليهم الارتباك، وقالت: أقصد يا يوسف إنك طول عمرك فاكر إن مراتك هي سبب المشاكل اللي بينا، لكن الحقيقة إن فيه حاجات حصلت في البيت ده وإنت غايب، ولو عرفت عنها، يمكن تفهم ليه سلمى مبقتش قادرة تسكت! الكلمة وقعت على الصالة زي الصاعقة. الهوا نفسه حسيت إنه اتقطع، ومبقاش فيه غير صوت أنفاسي العالية وأنا ببص لأمي مش مستوعب حرف واحد من اللي قالته.
إخواتي وشوشهم اتقلبت في ثانية، وأخويا الكبير طارق وشه جاب ألوان، خطى خطوة سريعة ناحية أمي وصوته طلع مهزوز لأول مرة وهو بيحاول يقاطعها: يا أمي استهدي بالله! إنتي بس أعصابك تعبانة من اللي حصل إمبارح ومش مجمعة، تعالي بس ادخلي جوة ارتاحي وإحنا هنحل كل حاجة مع يوسف! أختي نهى كمان قربت بسرعة، وشها كان مشدود بخوف وعينيها رايحة جاية بين أمي وبيني، وقالت بصوت متوتر: أيوه يا ماما، متتعبيش نفسك في كلام ملوش لزمة دلوقتي.. البت دي رمت عليكي الشبشب قدام ابنها، إنتي جاية تطبطبي عليها وتطلعي نفسك غلطانة؟! إحنا بنجيبلك حقك!
أمي زقت إيد طارق بالراحة بس بحزم غريب عمري ما شوفته فيها، وبصت لنهى نظرة خلتها تتراجع خطوة لورا وتسكت. أمي اتنفست بصوت طالع بالعافية، وقالت: حقي؟! حقي من مين يا بنتي؟ من البنت اللي بقالها خمس سنين شايلاني وشايلة قرفكم وساكتة عشان خاطر ابنها ميتكسرش ولا يتشتت؟ حقي اللي إنتوا عايزين تاخدوه بخرب بيت أخوكم؟! أنا كنت واقف في نص الصالة، عيني بتتنقل بين أمي وإخواتي وسلمى، اللي كانت لسه ماسكة مقبــ,,ـــــض الشنطة بإيدين بتترعش، راسها في الأرض، ودموعها نازلة صامتة من غير صوت.. دموع قهر مش دموع ندم.
قربت من أمي، رجلي كانت تقيلة وكأن الأرض بتسحبني لتحت، وسألتها بصوت مخنوق: أمي.. كلام إيه ده؟ قرف إيه اللي شايلاه؟ أنا كل اللي شفته بعيني إمبارح إن سلمى ردت عليكي ورمت عليكي الشبشب بعد ما سمعتك بتوجهي لها كلامًا قاسيًا.. إنتي خبيتي عني إيه كل السنين دي؟! أمي بصتلي بحزن كسرني من جوة، وقالت:
خبيت عشان كنت عايزة أضمن إنك مبسوط يا يوسف.. بس لما لقيت ولادي التانيين جايين النهاردة بيلووا دراعك، ويقولولك يا تطلّقها يا تقاطعنا، حسيت إن ربنا هيحاسبني على كل لحظة ظلــ,,ـــــمتها فيها وسكت.. سلمى لما اتعصبت إمبارح ورمت الشبشب، مكنتش بترد على الكلام القاسي ليها في اللحظة دي بس.. سلمى كانت بتتنفس من سنين سَفّ التراب اللي شربتهولها هنا! طارق صرخ بنفاد صبر وعصبية مفضوحة: ما كفاية بقى دراما يا أمي! هتطلعينا إحنا الوحشين في الآخر عشان خاطر دي؟!
أخرس يا طارق! أمي زعقت بصوت عالي خلانا كلنا نتخض، صوت أمي عمري ما سمعته بالنبرة دي: متعملش عليا حنين وإنت أكتر واحد دست عليها! انطق وقول لأخوك، قوله الفلوس اللي كنت بتاخدها من شنطتي كل شهر وتقوله دي مصاريف علاج أمي، كانت بتطلع منين؟! بصيت لطارق بصدمة، ولقيته بيبص للأرض وشه احمر وما بيردش. أمي كملت ودموعها بدأت تنزل:
الفلوس دي كانت من دهب سلمى يا يوسف! لما طارق اتعثر في تجارته من سنتين والناس كانت هتحبسه، جه عيطلي، وأنا بدل ما أطلب منك وتتحمل هم فوق همك، دخلت لسلمى وبكيتلها وقلتلها بيتنا هيتفضح لو أخو جوزك اتحبس.. سلمى باعت غوايش شبكتها اللي إنت جايبهالها، وادتني الفلوس وقالتلي دي سلف لحد ما ربنا يفرجها على طارق ومتقوليش ليوسف عشان ميزعلش على إحراجه.. ويوم ما ربنا فرجها عليه وجاب عربية جديدة، جه هنا وقعد يغيظ فيها ويقولها انتوا فقرية ومش هتعرفوا تعملوا حاجة، ولما طالبته بالفلوس قالها أنا مخدتش منك حاجة وكلمة كمان وهقول لأخويا إنك بتبصيلي في رزقي!
حسيت بضغطة قوية في صدـ,,ـــري، النفس اتكتم.. بصيت لسلمى بصدمة: دهب شبكتك؟! اللي قلتيلي إنك حطيتيه في البنك في صندوق أمانات عشان خايفة عليه؟! سلمى معلّتش عينها، فضلت باصة في الأرض وشفايفها بتترعش بس مقالتش كلمة. أمي مشيت خطوتين وقعدت على الكنبة وهي حاطة إيدها على قلبها، ونهى واقفة متخشبة مكانها، أمي شاورت عليها وقالت:
والست هانم أختك.. اللي داخلة بوشها ده تطالب بخرب بيتك، ناسية مين اللي كان بيستحمل جنان بناتها الصغيرين بالساعات وإنتي بتخرجي تتفسحي؟ ناسية لما حصل خلاف كبير بينها وبين جوزها من سنة وجيتيلي وشكلها متأثر، ومين اللي طبطب عليكي وغسلك وشك وعملتلك كمدات وطلعتك بيتك من غير ما تخلي يوسف يعرف عشان متعمليش فتنة بين الرجالة؟ ويوم ما اختلفوا على صينية العشا يوم الجمعة، دخلت المطبخ ورمت الأكل في وش سلمى وقالتلها إنتي هنا خدامة مش أكتر، وجودك زي عدمك!
أنا حسيت إن الغضب اشتعل في راسي لدرجة خلت عيني تغبش. لفيت لنهى وسألتها بصوت بيغلي: إنتي عملتي كده؟! إنتي كنتي بتعاملي مراتي كده في غيابي؟! نهى اتوترت وصرخت بعصبية: هي اللي كانت بتستفزني! كانت بتعمل نفسها البريئة المظلومة قدامك، ومن ورانا تتعالى علينا بأصلها وأهلها! وبعدين هي اللي رضيت تخدم، محدش غصبها! اخرسي! صرخت فيها بهستيريا خلت البيت كله يرتجف: اخرسي خالص! بقى أنا كنت بخرج من الصبح لوش الفجر عشان أأمن ليكم عيشة كريمة وأساعد في مصاريف البيت، وانتوا كنتوا دايسين على كرامة مراتي ومقعدينها تحت رجليكم؟!
طارق حب يداري فضيحته، فمسك في نقطة واحدة وزعق: تمام! لو افترضنا إن كل ده حصل.. ده يديها الحق ترمي الشبشب على أمك؟! أمك يا يوسف! الست الكبيرة اللي ربتك! ولا خلاص بقى حتة بت تنسيك أصلك وأمك؟! هنا أمي وقفت تاني، وسندت على الترابيزة وقالت:أنا اللي دفعتها لكده يا طارق! أنا اللي دوست على الجرح اللي كان ميت في قلبها! أمي بصتلي وعينيها مليانة ندم حقيقي، وقالت:
إمبارح، سلمى كانت جاية مبسوطة وجايبالي هدية، وبتتكلم معايا عادي.. بس شيطاني عماني، والغيرة عمتني لما لقيتها بتقول إنك ناسي كل همومك معاها ومبسوطين.. حسيت إنها خدتك مني.. ففضلت أسمعها كلام يسم البدن، قعدت أعيرها بمرض أبوها اللي توفى بيه ومكنش حيلتهم حق الدوا، وعيرتها بفقر عيلتها.. ولما قالتلي حرام عليكي يا طما أنا شايلاكي فوق راسي، الشيطان وسوسلي أكتر، وقلتلها اللي سمعته بنفسك إنتي جاية من الشارع، ولولا ابني كان زمانك مرمية هناك!.. سلمى وقتها عقلها طار، شافت أهلها بيتهانوا بعد كل التضحية اللي عملتها، والشبشب اللي رمته ده مكنش فيا..
ده كان غضب سنين من القهر والذل اللي شربته مني ومنكم وهي كتماه في قلبها ومستحملة عشان بس بتحب يوسف ومش عايزة تفرق بينه وبين أهله! الأوضة بقت شبه المقبــ,,ـــــرة.. صمت رهيب ومخيف، مفيش غير صوت شهقات سلمى اللي خلاص مكنتش قادرة تكتمها، قعدت على الشنطة في الأرض وحطت وشها بين إيديها وانهارت بالبكاء.. صوت بكاها كان بيقطع في لحمي حتة حتة. أنا وقفت مكاني مش قادر اتحرك. افتكرت كل مرة كنت برجع فيها وألاقيها عينيها حمرا، ولما أسألها تقولي مفيش، البصل حــ,,ـــــرق عيني، أو شوية صداع بس يا حبيبي..
افتكرت لما كانت بتيجي تقعد جنبي وتتنهد تنهيدة طالعة من قاع روحها، وأنا أقولها مالك يا سلمى؟ تقولي نفسي نعيش في مكان لوحدنا يا يوسف، وكنت بتعصب عليها وأقولها عايزة تفرقيني عن أهلي وعن أمي؟! إنتي ست أنانية!. كل المشاهد دي مرت قدام عيني زي شريط سينما، وكل مشهد كان بيغرز وجع في قلبي. أنا اللي كنت أعمى.. أنا اللي كنت فاكر إني راجل وبحافظ على أهلي، وطلعت سايب أكتر إنسانة حبتني تتداس تحت رجليهم وأنا شريك في الظلــ,,ـــــم ده بسكوتي وغبائي.
قربت من سلمى ببطء، ونزلت على ركبي قدامها في الأرض.. مكنتش خايف من نظرة طارق، ولا نظرة نهى، ولا حد في الدنيا.. مسكت إيديها اللي كانت بتترعش، حاولت تسحبهم مني، بس مسكتهم بقوة، ورفعت وشها ليا. عيونها كانت متورمة، وملامحها اللي بحبها كانت دبلانة ومكسورة بسببي وبسبب عيلتي. سلمى.. صوتي طلع مبحوح ومكسور: ليه؟! ليه مقولتليش؟! ليه شيلتي كل ده لوحدك وخليتيني أبان قدام نفسي وقدامك بالندالة دي؟! سلمى بصتلي بكسرة وقالت بصوت متقطع:
كنت هقولك إيه يا يوسف؟ كنت هقولك أخوك الكبير خد حقي وبيهددني؟! كنت هقولك أختك بتعاملني كأني جارية وبتمد إيدها عليا؟! كنت هقولك أمك اللي إنت بتعبد ترابها بتعيرني بفقر أهلي وتوفى أبويا؟! لو كنت قلتلك، كنت هحطك في نفس الموقف ده.. كنت هخليك تختار بيني وبينهم، وأنا عارفة إنك كنت هتختارهم وتدبحني عشان تريح ضميرك وتقول أهلي! استحملت وقولت بكرة يحسوا، بكرة يعرفوا إني بنت ناس ومتربية وإني شايلاهم عشانك.. بس أنتوا معتبرتوش ده أصل.. أنتوا اعتبرتوه ضعف وقلة حيلة!
كلامها كان كلماتها ثقيلة بتنزل على دماغي، مفضلش عندي أي مبرر أقوله، مكنش عندي غير ندم بيحــ,,ـــــرق كياني. طارق من ورايا، كأنه حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه وسلطته على البيت بتنتهي، اتكلم بصوت فحيح ومليان غل:
ما هو ده اللي إنتي عايزاه يا ست سلمى، صح؟! عايزة تقلبي البيت حــ,,ـــــريقة وتفرقي الإخوات عن بعض وتطلعي إنتي الملايكة وإحنا الشياطين! ماشي يا يوسف.. وطّي وبوس رجلين مراتك، بس اعمل حسابك، الباب اللي تخرج منه الست دي مش هيكون ليك فيه مكان بينا.. اختار دلوقتي، يا تخرج معاها وتنسى إنك ليك عيلة، يا تقف مع إخواتك وتنهي المهزلة دي وتطلّقها رسمي! لفيت لطارق.. ووقفت على طولي.
الراجل اللي كان جوايا زمان، اللي كان بيخاف على زعل إخواته وبيدوس على نفسه وعلي بيته عشان يرضيهم، اختفى في اللحظة دي.. بصيتله في عينه بجمود مكنش متعود عليه مني، وقولتله بصوت هادي ومرعب من كتر الهدوء: اخرج برة بيتي يا طارق. طارق عينيه وسعت بصدمة: إنت بتقول إيه؟! بتطردني عشان دي؟! اخرج برة بيتي، إنت وأختك.. دلوقتي، ومش عايز أشوف وشكم هنا تاني لحد ما أعرف إزاي أرجع الحق وأوقف كل إهانة وجهتوها لمراتي في غيابي!
نهى شهقت وحطت إيدها على صدـ,,ـــرها: بتطردنا يا يوسف؟! بتبيع إخواتك؟!أنا مبعتش حد.. إنتوا اللي بعتوني وبعتوا شرفي وكرامتي من سنين يوم ما هنتوا مراتي في بيتي وكسرتوا نفسها.. اطلعوا برة! طارق بصلي بحقد وبص لأمي، بس أمي كانت مديرة وشها الناحية التانية ومش راضية تبصله.. طارق نفخ بغيظ وقال: ماشي يا يوسف.. الأيام هتوضح، وهنشوف الست دي هتعملك إيه لما تلاقي نفسك لوحدك في الدنيا! وسحب أخته من دراعها، وخرجوا ورزعوا الباب وراهم رقعة هزت جدران الشقة.
الصمت رجع تاني.. بس المرة دي، كان صمت مليان وجع وحيرة مش عارفين نهايتها إيه. أمي كانت قاعدة بتبكي بصوت مكتوم، وأنا واقف مكاني، حاسس إني كبرت عشرين سنة في الدايقين دول. بصيت لسلمى، لقيتها وقفت، ومسكت شنطتها تاني، وخطت خطوة ناحية باب الشقة. اتخضيت وجريت عليها، وقفت قدام الباب ومنعتها: رايحة فين يا سلمى؟! أنا طردتهم خلاص.. والحق كله ليكي، والبيت ده بيتك ومحدش هيقدر يمس شعرة منك بعد النهاردة! سلمى رفعت عينيها في عيني، ولأول مرة أشوف في نظرتها برود وجفاف خلاني أترعب أكتر من عصبيتها.. هزت راسها بالراحة وقالت:
طردهم مش هيمسح اللي حصل يا يوسف.. وكونك عرفت الحقيقة النهاردة ده جه متأخر أوي.. أنا اتكسرت هنا كتير، ومش قادرة أتنفس في البيت ده خلاص. طب وأنا؟! أنا ذنبي إيه يا سلمى؟! أنا مكنتش أعرف والله ما كنت أعرف! ابتسمت بمرارة وقالت: ذنبك إنك مكنتش عايز تشوف يا يوسف.. ذنبك إنك صدقت فيا الوحاشة وسكت لما اتهانت كرامتي إمبارح، وجريت تراضيهم هما قبلي.. أنا محتاجة أبعد، ومحتاجة أعرف إذا كان اللي بينا ده كان حب فعلًا.. ولا كنت مجرد جدار بيحميكم من بعض!
مسكت أوكرة الباب وفتحته، وأمي نادت عليها بصوت باكي: هترجعي يا سلمى؟! سامحيني يا بنتي والله الشيطان كان عاميني! سلمى وقفت عند العتبة، بصت لأمي نظرة طويلة ملهاش معنى واضح، وبعدين بصتلي أنا.. وقالت جملة واحدة قبل ما تنزل وتخلي الشقة تضيق بيا كأنها مكان ضيق: اللي اتكسر بيننا مبقاش مجرد خناقة يا يوسف.. اللي اتكسر أكبر من إني أسامح فيه دلوقتي، ولو عايزني أرجع.. هتدفع تمن غيابك عني غالي أوي!
نزلت السلالم، وصوت خطواتها كان بيتباعد، وأنا واقف على الباب مش قادر حتى أتحرك ألحقها، وعارف إن اللي جاي مش مجرد محاولة صلح.. دي بداية مواجهة تانية خالص، يا إما هترجعلي مراتي.. يا إما هكون خسرت كل حاجة بجد! يتبع الجزء الثاني حكايات مني السيد حصري صوت قفلة باب العمارة رن في ودني زي صوت حاد. فضلت واقف على عتبة باب الشقة المفتوح، باصص على بير السلم الضلمة، ودقات قلبي بتدق في صدـ,,ـــري بخوف حقيقي.. لأول مرة من خمس سنين، أحس إن البيت فضي من روحه، وإن السكوت اللي مالي الحيطان مش راحة، ده فراغ ثقيل.
قفلت الباب بضهر إيدي، وسندت عليه وأنا بنزل على الأرض بالراحة لحد ما قعدت، ودفــ,,ـــــنت راسي بين ركبي. الأفكار كانت بتطحن في دماغي طحن.. ازاي كنت أعمى كده؟ ازاي البني آدم يقنع نفسه إنه عادل وحكيم، وهو في الحقيقة كان أكبر ظالم للإنسانة الوحيدة اللي أمنته على نفسها وعمرها؟! صوت كحة أمي المكتومة قطعت السكوت.. رفعت راسي، لقيتها لسه قاعدة على الكنبة، ضهرها محني، ووشها دبلان، كأنها في الساعة دي كبرت عشر سنين فوق عمرها.