“أنا آسف يا بابا. أنا كنت خايف أضيع حقي، وخلّيت الخوف يعميني عن إنك ممكن تكون إنت كمان محتاج حد يسمعك.” أبويا بصله وقال: “حقك إنك تسأل وتفهم، مش حقك إنك تضغط عليا أو تشكك في أخوك من غير دليل.” كريم نزل رأسه. “أنا فاهم.” أبويا مد إيده، وكريم مسكها. ماكانش فيه حضن كبير ولا دموع مبالغ فيها، لكن كان فيه بداية صغيرة لصلح محتاج وقت طويل علشان يكبر.
وبالنسبة لنهى، فمع انتهاء الجزء الأكبر من مراجعة الأوراق، اتضح إن فيه تصرفات مالية وإجراءات كانت محتاجة مساءلة، لكن ماكانش من حقي أعتبر أي اتهام حقيقة قبل ما يصدر قرار رسمي. استمرت الإجراءات المتعلقة بالواقعة، وكل طرف قدم ما عنده، وأنا التزمت إني أسيب القانون يحدد المسؤولية. وفي النهاية، قررت أنهي جوازي منها، لأن اللي حصل بينا ماكانش مجرد خلاف عابر، ولأن وجود أبويا في أمان ماينفعش يكون محل تفاوض أو مساومة. ماعملتش ده انتقامًا، ولا علشان أكسرها، لكن لأن الحياة اللي كنت فاكر إننا بنبنيها سوا بقت محتاجة ثقة واحترام مش موجودين.
عدت شهور، وأبويا بدأ يستعيد صحته بالتدريج. رجع يقعد في البلكونة، ويشرب الشاي الصبح، ويحكيلي عن أيام زمان. وبقى يطلب اللي محتاجه من غير ما يعتذر، ولما كنت أزوره، كان يستقبلني بابتسامة حقيقية بدل النظرة القلقة اللي كانت بتسبق كلامه. وفي يوم، وأنا بساعده يرتب مكتبته، لقيت ورقة صغيرة بين صفحات كتاب قديم. كانت مكتوبة بخط إيده: “يا أحمد، لو في يوم حسيت إنك اتأخرت عليا، افتكر إن الأب عمره ما بيحسب حب ابنه بعدد الزيارات، لكنه بيفرح لما يحس إن ابنه لسه شايفه، ولسه سامع صوته، ولسه معتبره جزء من حياته.”
قريت الورقة مرتين، وبعدها قعدت جنبه. قلت له: “أنا آسف يا بابا.” بصلي باستغراب. “على إيه يا ابني؟” قلت: “على كل مرة قلت لنفسي إنك كويس، علشان كنت مشغول. وعلى كل مرة صدقت إن سكوتك معناه إن مفيش حاجة بتحصل.” أبويا ابتسم ومسح على إيدي. “إنت جيت يا أحمد. وده أهم من أي حاجة.” في اللحظة دي فهمت إن حماية الأب مش بس إنك تدافع عنه لما تشوفه بيتأذى، لكن كمان إنك تسمع صوته قبل ما يوصل لمرحلة إنه يخاف يتكلم.
وإن السكوت مش دايمًا رضا، وإن الإنسان الكبير اللي بيقول لك “أنا كويس” ممكن يكون محتاج منك سؤال تاني، ونظرة أعمق، ووقت تسمع فيه الإجابة من غير ما تستعجل. أما الحقيقة اللي بدأت بكدمات على دراع أبويا، فما انتهتش باعتراف واحد ولا بخصم واحد يتحمل كل الذنب. انتهت بأن الأوراق اتراجعت، والحقوق بدأت ترجع لأصحابها، وكل شخص بقى مسؤول عن أفعاله قدام القانون، وأبويا استعاد حقه في إنه يعيش بأمان وكرامة. وفي آخر ليلة من السنة، كنت قاعد معاه على مائدة صغيرة في شقته، بناكل عشا بسيط، فبصلي فجأة وقال:
“أحمد، فاكر لما سألتك أول مرة مين اللي ظلمني؟” قلت: “أيوه يا بابا.” قال: “أنا وقتها ماكنتش عايزك تنتقملي. كنت عايزك تصدق إن فيه حاجة غلط، وتفضل جنبي لحد ما نعرفها.” مسكت إيده وقلت: “وأنا وعدتك إني مش هسيبك.” ابتسم وقال: “خليك فاكر وعدك ده طول عمرك. مش معايا أنا بس، مع أي حد ضعيف أو كبير في السن أو مش قادر يدافع عن نفسه.” هزيت رأسي، وبصيت لوشه اللي بدأ يرجع له لونه وهدوءه.
وعرفت إن الليلة اللي دخلت فيها قسم الشرطة وأنا فاكر إني هحل خناقة بين مراتي وأبويا، كانت في الحقيقة الليلة اللي اتعلمت فيها درس عمري كله. إن أقرب الناس لينا ممكن يخفوا عننا حاجات، وإن الخوف ممكن يخلي الإنسان يسكت عن حقه، لكن مفيش سر يستاهل إن إنسان يعيش مكسور علشان يحافظ على شكل العيلة قدام الناس. ومن يومها، بقيت لما أسأل أبويا عامل إيه، ماكتفيش بكلمة “الحمد لله”. بستنى، وبسمع، وبسيبه يحكي. لأن ساعات، أغلى حاجة ممكن تقدمها لحد بتحبه، مش فلوس ولا بيت ولا حتى وعد بالحماية.
أغلى حاجة هي إنك تخليه يحس إنه مش مضطر يخاف منك، ولا يخاف من زعلك، ولا يخبي وجعه علشان يرضيك. وإنه مهما كبر، ومهما ضعفت صحته، ومهما احتاج مساعدة، هيفضل صاحب كرامة وحق، مش عبء على حد. وده كان العهد اللي قطعته على نفسي قدام أبويا الحاج محمود، عهد إني أفضل جنبه، وأحافظ على كرامته، وأفتكر طول عمري إن بر الوالدين مش كلام بيتقال في المناسبات، لكنه أفعال بتظهر وقت الشدة، لما يكون الإنسان اللي ربّاك محتاجك بجد.
ومن يومها، كل ما أشوفه قاعد في البلكونة، رافع راسه وبيشرب الشاي في هدوء، بحمد ربنا إننا لحقنا نصلح اللي نقدر عليه، وإنه عرف قبل ما العمر يعدي إن ابنه سامعه ومصدقه ومش هيسمح لحد إنه يحسسه إنه لوحده. تمت النهاية