بس لو الناس بتتكلم عني باستخفاف عشان أنا خرسا، فإنت عندك حل واحد بسيط: ما تسمعش كلامهم. أنت بنفسك قلت إنك كبير العيلة .. والكبير مش بيخلي كلام الناس هو اللي يحدد له قيمة اللي في بيته. ولو وجودي في حياتك بقى عار في نظرهم، فدي مش مشكلتي لأن أنا من أول يوم دخلت بيتك، ما عملتش حاجة أخجل منها. لكن إنت… واضح إن اللي مضايقك مش أنا. اللي مضايقك إنهم عرفوا يوجعوك بالكلام و يستفزوك”
فضل آدم باصص للورقة. مرة. واتنين. وبعدين رفع عينه ناحيتها .. مريم كانت خلاص خرجت ناحية التراس وقفت هناك في البرد، وسابت الباب وراها مفتوح. آدم ما ناداش عليها فضل مكانه، والورقة بين إيده و حاول يرجع للي حصل في السوق من أوله. الكلام عن الجوازة… ما حركش فيه حاجة. الكلام عن نورهان… ضايقه، لكنه كان متوقعه. لكن أول ما جابوا سيرتها هي… فقد أعصابه. شد على الورقة بين أصابعه، وبص ناحية التراس محبش يكمل التفكير.
لأن الإجابة اللي بدأت تتشكل جواه كانت إجابة هو نفسه مش عايز يسمعها. **************** في نص الأسبوع، قررت الحاجة صفية تعمل مجلس لكبار حريم العيلة والبلد في المضيفة بتاعت السرايا. المجالس دي كانت بتتعمل عادة عشان الفشخرة واستعراض الهيبة وتبادل الأخبار، وكان هدف صفية تحضر “مريم” عشان تأكد للكل إن العروسة الجديدة مجرد “فدية للصلح” لا راحت ولا جت. قعدوا ستات العيلة على الكنبات القطيفة، وقالت واحدة من الحريم المقربات من العيلة — وهي “أم أحمد”، ست معروفة بلسانها الناقط سم — بنبرة مليانة صفار وخبث:
— “والله يا حاجّة صفية، البيت عامر بيكي انتي و سيد الناس.. بس كنا نتمنى نشوف عروسة آدم بتشاركنا القعدة والكلام وتستقبلنا بدل ما هي واقفة زي الصنم كده لا بتقدم ولا بتأخر.. هو ابنك مش هيشوف لها دكتور يجيب لها علاج يفك عقدة لسانها، ولا خلاص رضيتوا بالهم والواقع؟” ساد سكوت مفاجئ في الصالة، وابتسمت الحاجة صفية ابتسامة جافة وقالت بقلة حيلة متعمدة:
— “القسمة والنصيب يا أم أحمد.. إحنا عملنا اللي يفي بالغرض ويمنع الدم بين العيلتين، المهم الستر و ادينا بنكسب فيها ثواب و اهو بكرة يشوف اللى تنفعه بصحيح و تبقى سند له و ست السرايا دي من بعدي” في اللحظة دي، كان “آدم” معدي من الممر الخارجي وسمع الكلام اللي بيتقال على مراته، والدم غلى في عروقه. دخل الصالة بخطوات ثقيلة ورنانة خلّت الحريم يسكتوا ورعب يسود المكان احتراما لهيبته. وقف جنب “مريم” وحط إيده على الطاولة القريبة منها وقال بصوت فخم يهد الصالة كلها:
— “مراتي مش صنم يا أم أحمد.. مراتي قيمتها في أدبها و هدوءها و رضاها انها تبقى سبب فى حقن دم ناس كتير .. اما اللسان اللي بيطول في الكلام ملوش عازة هنا و صاحبه مش مرحب بيه في بيت العطار ولايتفتحله بابنا من تاني … شرفتو يا جماعة ” اتسعت عيون الحاجة صفية بذهول وصدمة، وبص “آدم” لأمه ونطق بنبرة حاسمة:
— “مريم بتعمل واجبها وأكثر يا امي و معتقدش انا محتاج اكتر من كده … نهايته .. اللي يمس كرامتها هنا، يبقى بيمس كرامتي أنا شخصيًا قدام البلد كلها و اظن الكل عارف ان اللي يمس كرامتي بحرف مصيره ايه” أخد صينية القهوة من إيد مريم بالراحة وقال لها بنبرة جافة بيحاول يبان بيها عادي قدام الحريم: — “سيبي اللي فى ايدك ده و اسبقيني على أوضتنا فوق .. انا طالع كمان شوية.”
هزت “مريم” رأسها ومشت بوقار من المضيفة وقلبها فيه نبضة دفا صغيرة.. حسّت لأول مرة إن الراجل الجاف ده ممكن يكون ظهر وسند حقيقي في السرايا دي حتى لو قدام الناس و بس. بعد نص ساعة دخل “آدم” الأوضة وقفل الباب بحدة. كان باين عليه التوتر والغضب الشديد، وكأنه متضايق جداً من الموقف اللي اتحط فيه تحت. قامت “مريم” بالراحة، وجابت كشكولها الصغير والقلم، وكتبت جملة قصيرة وورتها له بابتسامة هادية: “شكراً إنك دافعت عني قدامهم وكبرت بيا.. أنا مقدرة ده جداً… بجد شكرا”
بص “آدم” للورقة، وبدل ما يلين أو يبتسم، ملامحه اتصلبت أكتر ونبرته رجعت حادة وجافة كسر كل الدفا في لحظة: “إياكي تسرحي بعيد يا مريم.. أو تفتكري إن اللي حصل تحت ده عشان خايف على زعلِك أو عشان سواد عيونك” اتجمعت الكلمات في حلق مريم وحسّت بصفعة معنوية. كمل “آدم” بقسوة وكبرياء جريح:
“أنا دافعت عن اسم ‘مراتي’.. كرامتك قدام الناس من كرامة بيت العطار وكرامتي أنا شخصياً. لكن بيني وبينك هنا في الأوضة دي.. مفيش حاجة اتغيرت ولا هتتغير. أنتِ دخلتي البيت ده لسبب معروف، وما تفتكريش إن بكلمتين تحت وضعنا اختلف فى حاجة !”
اتراجعت “مريم” خطوة لورا. نظرة الأمل انطفت تماماً في عينها، ومسكت القلم وقطعت ورقة الشكر قدام عينيه ببرود تام ورمتها في السلة، ورجعت قعدت على الكنبة الجانبية تقرأ في كتابها ولا كأنه موجود في الأوضة.
تصرفها الهادي ده ونظرة الاستهزاء الصامتة نرفزت “آدم” أكتر، فساب الأوضة وهبد الباب وراه بحدة.
********************
في مسا يوم ثاني ، نزل مطر شديد وغرق حوش السرايا والممرات الخارجية.
“مريم” وهي نازلة على السلم الخشب القديم في الممر الخلفي المعتم عشان تجيب أغطية إضافية من المخزن السفلي، اتكعبلت رجليها بسبب المية المترسبة ووقعت من على السلم وارتطمت بالرخام تحت، وأتلوت رجلها الشمال واتجرحت إيدها بزجاج نافذة الممر.
سمع الخدم الصوت وجريوا عليها بصراخ، وطلع الخبر لـ “آدم” وهو في مكتبه. نزل يجري على السلم وهو مش حاسس بنفسه والدنيا اسودت في وشه، ولقاها قاعدة على الرخام الساقع ماسكة رجلها المصابة ووشها شاحب أصفر من شدة الوجع والدم نازل من إيدها، بس برضه كاتمة صرختها وما بتطلعش أي صوت يظهر ضعفها. زق آدم الشغالين بعصبية، ونزل على ركبه وشالها بين إيديه بسرعة و طلع بيها الأوضة فوق، وحطها على السرير بالراحة وحنان غير متوقع منه. جاب صندوق الإسعافات وجلس على الأرض قدامها يطهر الجروح.
كان بيمسح الدم من إيدها بقطنة، وإيده بيلف بيها الشاش بكل رقة، و هي بتترعش من القلق. بص لوشها المجهد وقال بنبرة فيها لغبطة وضياع ومشاعره متضاربة: “الوجع شديد؟ ليه ما صرختيش أو عملتي اي صوت ؟” سكت بعد ما خد باله من اللى قاله … تصرخ ازاي ؟!!! مسكت مريم القلم بصوابعها المربوطة بالعافية وكتبت في ورقة الكشكول: “الصرخة مش هتشفي الوجع يا آدم.. أنا اتعودت أشيل وجعي بنفسي من صغري من غير ما أزعج حد أو أبان ضعيفة.”
بص آدم للورقة، ونظرة العجز في عينيه زادت. حس إن صمتها وقوتها أصلب من كل قوته الشديدة، وإن الوجع اللي جوه روحها أعمق بكتير من جرح إيدها. ساب إيدها بالراحة وقام وقف بيحاول يسترد قسوته المصطنعة قدام نفسه وقال: — “الدكتور جاي في السكة عشان يتطمن على رجلك.. مش عايز حركة من السرير ده لحد ما تخفي تماماً.” و خرج وسابها، ..