منوعات

بعد 3 شهور جواز

وفي أواخر الأسبوع، استغلت عيلة “الرواشدة” ظروف آدم والتغيرات اللي حصلت، وركبوا على أراضي عيلة العطار. عطلوا طرمبات المية اللي بتروي الفاكهة والقصب، ورفضوا يسلّموا عقود التوريد للشركة الكبيرة اللي مسكها آدم، محاولين يخسروه ملايين ويحرجوه قدام التجار والبلد كلها.

الموضوع كان كفيل يستفز البلد كلها، وكان فيه نية لخناقة كبيرة بالس/لاح بين شباب العيلتين.
رجّع “آدم” البيت في ليلة شتوية والمطر نازل زي السيل، وشه مسود من الغضب والغل، وحس إنه محاصر من كل ناحية؛ كبريائه مجروح في بيته وجوازته، وهيبته في البلد متهددة من الرواشدة، وحسابات العقود والماليات معقدة ومش عارف يوصل للثغرة القانونية اللي طالعين له بيها في العقود القديمة عشان يرفع عليهم قضية شيكات.
دخل الأوضة بجلابيته الصوف المبلولة ودب الشنطة الجلد على المكتب، وبدأ يرمي الأوراق والملفات يمين وشمال وهو بيشتم بصوت واطي ومحروق دمه، حاسس بالعجز لأول مرة في حياته.

“ولاد الحرام عايزين يستغلوا الظرف ويضيعوا المحصول ! فاكرين آدم العطار خلاص مابقاش له كلمة ولا هيبة في البلد!” كان بيحاول يراجع أرقام العقود المكتوبة بخط صغير وكشوفات الأراضي، بس من كتر العصبية والضغط، عقله كان مشوش تماماً ومش عارف يجمع السطور أو يستوعب البنود الملتوية.

لما نزل آدم للصالون ، قربت “مريم” برجلها المصابة بصعوبة من المكتب وركزت في الملفات. كانت “مريم” شاطرة جداً في القراءة والتدقيق، وعندها نظرة ثاقبة في التفاصيل بسبب قراءتها الكتيرة للكتب القانونية والقديمة في مكتبة والدها. مسكت القلم الجاف، وبدأت تبص في البنود المسجلة سنة بسنة بتركيز شديد.
وفعلاً.. بعد عشر دقائق تدقيق ومقارنة بين العقد القديم والجديد، لقت الثغرة اللي هتطير رقابهم!

بند قديم مجهول كان مكتوب بخط خفيف في الملحق الثاني للعقد يثبت ملكية عيلة العطار لمجرى المية وحق الانتفاع الحصري بالترعة، وبند تاني يلزم الرواشدة بدفع شرط جزائي ضخم يعادل قيمة الأراضي كلها لو أخروا التوريد يوم واحد عن الميعاد المحدد. مسكت كشكولها الكبير، ورسمت توضيح سريعي للخريطة والبنود بأسهم واضحة وخط منظم، وحطت علامة بالأحمر العريض على السطرين اللي فيهم الثغرة، وحطت الدفتر مفتوح فوق الأوراق على المكتب، ورجعت قعدت مكانها على الكرسي ببرود بمنتهى الهدوء، كأنها ما عملتش حاجة.

بعد ساعة كاملة من الشد والجذب تحت مع رجالة العيلة، طلع “آدم” الأوضة وهو جايب أخرة ومخنوق، والتعب والهم باينين على وشه المجهد. قعد على كرسي المكتب وحط راسه بين إيديه بقلة حيلة وسكت. أول ما رفع رأسه عشان يمسك الأوراق ويعيد المحاولة، لقى الكشكول المفتوح والرسم التوضيحي البسيط، والأسهم اللي بتشاور على البندين الملغومين في العقد بخط يدوي متقن. قرا البنود بذهول.. عينيه اتسعت وهو بيستوعب حجم اللي بين إيديه!

البندين دول هم الس/لاح الق/اتل اللي يكسر عيلة الرواشدة بالقانون، ويخليهم ييجوا لحد عنده في السرايا يترجوه يبوسوا جزمته عشان يسامحهم! هو نفسه من كتر العصبية والضغط مأخدش باله من الملحق ده خالص. رفع رأسه بسرعة وبص لـ “مريم” اللي كانت قاعدة جنب الشباك بتطرز حتة قماش بهدوء تام تحت ضوء الأباجورة. — “أنتِ.. أنتِ اللي طلعتي البنود دي من الملحق؟” رفعت عينها فيه بكل ثبات وهزت رأسها ببطء شديد، من غير أي ابتسامة ولا انتصار ولا فخر ولا نظرة “أنا أنقذتك”. مجرد نظرة هادية وصافية بتقول له:

“أنا هنا”. وقف “آدم” من على الكرسي، مسك الكشكول وبص للخط المنظم والرسم الدقيق، وبعدين بص لها وهو مش فاهم البنت دي إيه ولا طبيعتها إيه! البنت اللي قال لها من كام يوم “ما تسرحيش بعيد وما تفتكريش ليكي قيمة عندي”، هي نفسها اللي بتنقذ اسمه وشغله وهيبته قدام البلد كلها في أشد لحظة ضعف ورجولة متهددة! قرب منها بخطوات بطيئة، والنبرة الحادة والقلة الأدب اللي كانت في صوته اختفت تماماً، حلي محلها ذهول وكركبة مشاعر مش عارف يفسرها ولا يسيطر عليها:

— “أنتِ قريتي العقود المعقدة دي إزاي؟ وفهمتي المخطط الشيطاني ده منين؟” مسكت “مريم” القلم من جنبها وكتبت في الورقة بخط ثابت ومستقيم:
“اللي بيسكت كتير.. بيشوف التفاصيل الصغيرة اللي غيره بيفوتوها. الحق معاك، ومحدش يقدر يكسر هيبتك في البلد دي طول ما أنت صاحب حق.” قرأ “آدم” الورقة، وحس كأن الكلمات دي اتض.ربت في قلبه زي الرصاص.
حس بصغر نفسه وضآلته قدام كبريائها و هدوؤها… البنت دي مش مجرد “سد خانة” ولا فدية، البنت دي جبل.. عزة نفس مش بتنكسر، وذكاء بيحمي من غير ما يطلب مقابل ولا كلمة شكر.

بلع ريقه بصعوبة وشعور الذنب أكل قلبه، وكان عايز يقول كلام كتير.. عايز يعتذر على قسوته وكلامه الدبش، عايز يطلب منها تسامحه وتحط إيدها في إيده، بس غروره وكبرياء “العطار” الساكن فيه من سنين حسسوه إن كرامته هتتهان لو انحنى بسرعة كده. وقف قدامها ثواني عيونه متعلّقة بعيونها، وقال بصوت خفيض ومبحوح يخرج بالعافية من صدره: — “تصبحي على خير يا مريم.. وأنا مش هنسى ده”

أومأت له برأسها وسابت القلم، واتجهت للكنبة الجانبية بكل هدوء، نامت وغطت نفسها باللحاف وهي مديّة له ظهرها.
أما هو، فقعد على كرسي المكتب طول الليل ما غمضتش له عين.. مش بيراجع أوراق الشغل اللي بقت مضمونة في جيبه خلاص، بل كان بيبص للكشكول بتاعها، ولخيالها النايم على الكنبة الصغيرة، والأسئلة بتاكل في عقله ونار الغيرة والندم بتاكل في قلبه: كيف لبنت صامتة.. أن تقلب كبرياء رجل بحجمه، وتسكن جوه روحه رغماً عنه، دون أن تنطق بكلمة واحدة؟

يتبع ……. هستنى آراءكم فى القصة لحد دلوقتي فى الكومنتات تحت 🥰❤️😘

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى