روحت قعدت جنبه على الكنبة، وأول ما حط إيده على كتفي، الحصون اللي كنت بانيها كلها اڼهارت. ارتميت في حضنه وعيطت. عيطت مش عشان ندمانة، عيطت عشان التعب، عشان الإهانة، عشان سنين المشاعر اللي اتبعترت على أرض متستاهلش. أبويا فضل يطبطب على ضهري من غير ما ينطق بكلمة، لحد ما هديت تماماً.
احكيلي يا بنتي… من غير ما تخافي من حاجة. بيت أبوكي مفتوحلك، وعمري ما هقبل ليكي
المڈلة عشان كلمة مطلقة.
حكيتله كل حاجة، من طأطأ لسلامو عليكم. من أول الإكزيما وتنضيف المطبخ، لكلام حماتي الچارح، لخنوع طارق، لاټهامات نورا الرخيصة، لټهديد طارق بالطلاق لو منزلتش بوست الأيادي.
أمي كانت قاعدة بتسمع وهي حاطة إيدها على خدها، وكل شوية تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، بس برضه يا حاج الطلاق مش سهل… أبويا رفع إيده وسكتها بحزم بس يا أم هدى! اسكتي خالص! البت كانت عايشة في چحيم وإحنا مش دريانين، وانتي خاېفة من كلام الناس؟ كلام الناس يغور في ستين داهية لما بنتي تتهان وتتمرمط بالشكل ده!
بصلي أبويا وقال إنتي عملتي الصح يا هدى. اللي ميصونكيش ويحميكي من كلمة أهله، ميبقاش راجل يتأمن عليه. بس خدي بالك… الحړب لسه مبدأتش. طارق وأهله من النوع اللي مش هيسيبوكي في حالك، هيلفوا ويدوروا عشان يطلعوكي إنتي الغلطانة والناشز اللي سابت بيت جوزها.
كلام أبويا كان حكيم، وفي محله بالظبط. لأن مع حلول المغرب، بدأ الفصل التاني من المسرحية.
تليفون بابا رن… كان الحاج إسماعيل. أبويا فتح السبيكر عشان أسمع. السلام عليكم يا أستاذ مصطفى. وعليكم السلام يا حاج إسماعيل، خير؟ رد أبويا بنبرة رسمية وجافة جداً.
والله يا حاج أنا مكسوف منك، اللي حصل النهاردة ده طيش شباب، وهدى بنتنا وعاقلة، وإحنا مش عايزين الحكاية تكبر. طارق ابنك اتعصب شوية، وفايزة أم وبتاخد على خاطرها، والبيت بيتكم، فإحنا عايزين نقعد الليلة
دي نلم الشمل، وبنتك ترجع معززة مكرمة.
أبويا بصلي، وأنا هزيت راسي بالرفض القاطع. أبويا اتنحنح وقال يا حاج إسماعيل، إنت رجل فاضل وعلى راسي من فوق. بس بنتي هدى مرجعتش عشان اتخانقت مع جوزها خناقة عادية. بنتك رجعت عشان اتقالها تخدمي البيت كله وتتباسي الأيادي يا تتطلقي. وبنتي خريجة جامعة ومن بيت ناس بيعرفوا الأصول، مش خدامة عندكم. طارق لو عايز مراته، يجي يقعد هنا لوحده، ويشوف إيه اللي هيتغير، وأول تغيير إن شقة بنتي دي مفيهاش مفتاح تاني، ومفيش نزول لخدمة حد إلا بما يرضي الله وبالأدب، وتاني حاجة وده الأهم شقة برة بيت العيلة ده خالص!
الطرف التاني سكت لثواني، وسمعت صوت همهمة غاضبة ورا الحاج إسماعيل… صوت حماتي طبعاً كانت واقفة بتسمع على التليفون التاني. وفجأة، الخط قطع من عندهم! قفلوا السكة في وش أبويا!
أبويا رمى التليفون على الترابيزة وهز راسه بسخرية شفتي؟ دول مش ناس جايين يصلحوا، دول ناس جايين يشوفوا هل لوي الدراع جاب نتيجة ولا لسه! ولسه هتشوفي وساخة أكتر من كده.
وفعلاً، ممرتش ساعة واحدة، إلا وكان تليفوني أنا مليان رسايل على الواتساب من طارق بقى بتشترطي شقة برة يا هدى؟ بتبعديني عن أمي؟ تمام… أنا كده عرفت حقيقتك، وعرفت إنك كنتي بتخططي لده من زمان.
بكره الصبح إنذار الطاعة هيكون عندك على يد محضر، ولو مفتكرتيش إنك ست متجوزة بمزاجك، القانون هيعلمك ترجعي ڠصب عنك، وساعتها مفيش
مليم من حقوقك هتشوفيه!
مسكت التليفون وأنا بقرأ الرسايل، وابتسمت ابتسامة باردة جداً. إنذار طاعة؟ الراجل اللي كان نايم جنبي في السرير وبيحلفلي بحبه، بيهددني بإنذار طاعة وقضايا بعد كام ساعة بس من خروجي؟! الأقنعة كلها وقعت، والوشوش الحقيقية ظهرت في منتهى القبح.
فتحت الكاميرا بتاعة الموبايل، وصورت إيدي الملتهبة من الإكزيما تصوير واضح، وصورت الروشتات، وصورت الرسايل اللي باعتها بيهددني فيها وبيشتمني. وقولت في سري إنذار طاعة بطاعة يا طارق… بس المحاكم مبترحمش اللي فاكر نفسه راجل على مراته.
وقفت وبصيت
لأبويا وقولتله بثبات غريب مكنتش أعرف إنه عندي بابا… بكرة الصبح أنا هنزل مع حضرتك لأستاذ رأفت المحامي. ومش هستنى لما يبعت إنذار طاعة. أنا اللي هرفع دعوى نفقة وتمكين من مسكن الزوجية، وهطلب الطلاق للضرر.
أمي شهقت من الركن تمكين؟! هتقعدي معاهم في نفس العمارة؟ لا يا ماما… التمكين ده عشان الشقة تتقفل بالشمع ومحدش يتهنى بيها ولا يدخلها، وعشان يعرفوا إن اللي بيجي عليا، مبيخسرش جزء، بيخسر كل حاجة.
الليل كان طويل، والجو في الصالة كان مشحون بترقب مخيف.
كلنا كنا عارفين إن دي مش مجرد خلافات زوجية هتخلص بقعدة عرب وكيلو مشكل وحب على الرؤوس. دي معركة حياة أو مۏت لكرامتي، وحرب اتفتحت على مصراعيها، وأنا قررت المرة دي إني مش هكون الضحېة اللي بټعيط على الأطلال… أنا هكون الطرف اللي بيحط القواعد من أول وجديد يتبع
طلعت شمس تاني يوم باهتة ومغيمة، كأن السما نفسها حاسة بالتقل اللي شايلينه في صدورنا. نمت ساعتين بس وصحيت مڤزوعة، كل ما أغمض عيني أسمع صوت طارق وهو بيقول إنذار الطاعة هيكون عندك على يد محضر!
قومت غسلت وشي، بصيت لنفسي في مراية الحمام… الملامح كانت مجهدة، بس العينين كان فيها بريق جديد، بريق واحدة خلاص شافت قاع البير فمبقاش عندها حاجة تخاف تخسرها.
لبست طقم خروج رسمي ومحترم، ورتبت الأوراق في شنطة إيدي قسيمة الجواز، قايمة المنقولات الأصلية اللي بابا الله يديله الصحة كان كاتب فيها كل مسمار دخل الشقة، صور الروشتات والتحاليل بتاعة الإكزيما، وإسكرين شوتس مطبوعة من رسايل الټهديد بتاعة طارق على الواتساب.
خرجت الصالة لقيت بابا لابس بدلته الكحلي القديمة، قاعد بيشرب قهوته وعينيه على الباب، مستنيني. وأمي كانت رايحة جاية في الصالة بالسبحة، بتتمتم بدعوات كلها خوف يا رب استرها، يا رب ما تفضحناش، يا رب اهدي سرهم. قربت من بابا وبوست راسه صباح الخير يا حبيبي.. جاهز؟
بابا حط فنجان القهوة وقام وقف، شد ضهره وطبطب على كتفي طول ما إنتي ماشية في الحق وراسك مرفوعة، أنا في ضهرك لحد آخر نفس يا هدى. يلا يا بنتي.
نزلنا وركبنا تاكسي على مكتب الأستاذ رأفت، محامي الأسرة وصديق عمر والدي. راجل ستيني، شعره أبيض زي القطن، وعينيه ورا النظارة بتقرا البني آدم قبل ما يفتح بقه. قعدنا في مكتبه اللي ريحته ورق قديم وقهوة مظبوطة.
حطيت الورق كله قدامه وحكيتله الحكاية من أولها لآخرها، بنبرة هادية وبدون أي دراما أو عياط.
الأستاذ رأفت فضل يسمع ويدون ملاحظات في كشكول كبير، ولما خلصت، شال النظارة وبص لبابا وبعدين بصلي اسمعي مني يا هدى يا بنتي… قضايا محكمة الأسرة دي مش مجرد بنود في القانون، دي حرب نفسية واستنزاف للأعصاب. طارق داخل بغرور ورا أمه وفاكر إن كارت إنذار الطاعة هو البعبع اللي هيرجعك تجري راكعة تحت رجليهم. بس طالما إنتي صاحبة قرار وواقفة على أرض صلبة، القوانين في صفك أكتر مما تتخيلي.
أنا مش عايزة أرجع يا متر، ومش عايزة حاجة تكسرني. قولتله بحزم.
ابتسم الأستاذ رأفت بمكر محامين شاطرين وهو ده المطلوب بالظبط!
أولاً، لو بعت إنذار طاعة، إحنا مش هنستنى نرد عليه بسلبيّة. إحنا هنعترض على إنذار الطاعة في خلال ال 30 يوم القانونية، والاعتراض هيكون مبني على عدم أمانة الزوج نفساً ومالاً، ومسكن الزوجية غير شرعي وغير لائق لوجود تدخلات وأضرار مادية ومعنوية، ونرفق تقارير طبية بالإكزيما اللي سببها إجبارك على الخدمة الشاقة خارج عقد الزواج. والأهم من ده كله، هنرفع دعوى طلاق للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقك الشرعية مؤخر الصداق، نفقة المتعة، نفقة العدة، وقايمة المنقولات كاملة.
بابا سأله والقايمة يا رأفت؟ طارق ممكن يبدد العفش أو يخفيه؟
هنا بقى الضړبة القاضية!
الأستاذ رأفت قالها وهو بيخبط على المكتب هنعمل محضر إثبات حالة وجنحة تبديد منقولات لو قرب من مسمار، وبما إن الشقة في بيت عيلة ومفاتيحها مع أمه، فإحنا هنطلب معاينة للتمكين من مسكن الزوجية أو تسليم أعيان المنقولات فوراً. بكده إحنا حطينا حبل المشنقة في رقبة طارق قانونياً، والغرور اللي هو فيه هيتحول لړعب حقيقي من الحبس.
مشينا من عند الأستاذ رأفت بعد ما مضيت له التوكيل. حسيت إن خطوتي على الأرض بقت أثقل وأثبت. القانون مش سحر، بس لما تبقي فاهمة حقوقك، بتتحولي من فريسة
مستضعفة لطرف مساوي في القوة.
عدت 48 ساعة… كنت متوقعة إن طارق يبعت المحضر بإنذار الطاعة زي ما هدد، بس اللي وصل البيت مكنش محضر. اللي وصل كانت خبطات متوترة على باب شقة بابا المغرب.
فتحت أمي الباب، وشهقت الحاج إسماعيل! وطارق!
كنت في الأوضة، سمعت أساميهم فقلبي دق، بس مسكت نفسي وخرجت وقفت جنب بابا في مدخل الصالة. طارق كان واقف، بس مكنش طارق بتاع أول إمبارح. وشه كان أصفر، دقنه منبتة كأنه محلقش بقاله يومين، عينيه مکسورة وباصة في الأرض. وعمي إسماعيل وشه شاحب وباين عليه الهم.
أبويا استقبلهم ببرود شديد اتفضل يا حاج إسماعيل، البيت بيتك. اتفضل يا طارق.
دخلوا وقعدوا في الصالة. أمي دخلت بسرعة تعمل شاي وهي إيديها بترتعش. فضل الصمت مسيطر على المكان لدقيقة كاملة، مكنش فيها صوت غير تكتكة ساعة الحيطة. عمي إسماعيل هو اللي بدأ الكلام، وصوته كان متهدج يا أستاذ مصطفى… إحنا جايين وجايبين طارق في إيدنا، عشان نقولكم إن اللي حصل ده شيطان ودخل بينا. طارق ندمان، وعارف إنه اتهور، وإحنا ميرضناش خړاب البيوت ولا يرضينا إن بنتنا هدى تبات
ليلة واحدة برة بيتها وهي زعلانة.
أبويا كان حاطط رجل على رجل، وبص لطارق اللي مكنش قادر يرفع عينه في عين بابا والله يا حاج إسماعيل، البيت اللي بنتي باتت فيه هو بيت أبوها اللي اتربت فيه بعز، مش مكان غريب. وبنتك هدى مطلعتش زعلانة من كلمة، بنتي طلعت وهي مطرودة بټهديد الطلاق عشان مرضتش تعيش جارية في بيتكم!
طارق اتكلم أخيراً، صوته كان واطي ومبحوح، مفيش فيه ولا ذرة من العنفجة بتاعة أول إمبارح يا عمي… أنا كنت متعصب، وضغطي كان عالي، والكلام طلع مني في ساعة ڠضب. أنا شاري هدى، وعمري ما هفكر أفرط فيها.
بصيت لطارق، وابتسمت بسخرية شاري هدى؟! شاريها بإيه يا طارق؟ بإنذار الطاعة اللي كنت باعت تهددني بيه؟ ولا بكلمتك لأمك لما قولت ورا ضهري ورقتها هتوصلها الصبح؟ ولا بسكوتك لما سلفتك المحترمة اتهمتني إني غيرانة وحاقدة على خلفتها؟
طارق وشه احمر من الإحراج، وبص لأبوه كأنه بيستنجد بيه. عمي إسماعيل اتنهد وقال حقك عليا أنا يا بنتي. نورا اتهزأت على كلامها ده، وأحمد جوزها أخدها وراح بيها عند أهلها تقعد هناك أسبوعين تتربى
على قلة ذوقها. وأم طارق… أم طارق ست كبيرة، وتعبانة ومريضة سكر وضغط، وإنتي عارفة قلب الأمهات لما بيغيروا على ولادهم الكبار. هي متقصدش تهينك، هي بس اتعودت إن البيت كله تحت إيدها.
وده الغلط بعينه يا عمي! رديت عليه بنبرة قاطعة إن البيت كله يكون تحت إيدها على حساب كرامتي وصحتي. أنا اتجوزت طارق على سنة الله ورسوله، شريكة حياة، مش إضافة لعمال النظافة في العمارة! أنا طول السنة ونص اللي فاتوا مستحملة تفتيش في شقتي، كلام يوجع على الفاضية والمليانة، وتحكم في مصروفي وفي لبسي وفي خروجي، وقولت معلش عشان بحب جوزي.
بس لما توصل لإيدي وصحتي، ولما اتقال عليا عيني فارغة وبنت موظف غلبان ومطرودة بالشنطة… يبقى لحد هنا والمسرحية خلصت!
طارق قرب وقعد على حافة الكنبة اللي قصادي، وبصلي برجاء عمري ما شوفته منه هدى… عشان خاطري اسمعيني. أمي من يوم ما مشيتي والبيت چحيم! أختي مي مابتعرفش تسلق بيضة، ومفيش حد عارف يطبخ ولا ينضف، وأمي رقدت في السرير بجد، والبيت متبهدل، وأنا مش لاقي هدومي ولا عارف أعيش! إنتي اللي كنتي شايلة كل