منوعات

انا متجوزاك انت مش متجوزة اهلك

رجعت بذاكرتي لشهر العسل، أول مارجعنا… أول يوم دخلت فيه الشقة، نزلت أسلّم على حماتي الحاجة فايزة. لقيتها بتديني مفتاح شقتها وبتقولي شقتك فوق دي للمبيت بس يا حبيبتي، أكلك وشربك وغسيلك وتجمعنا كله هنا، إحنا عيلة واحدة مفيش بينا بيبان مقفولة. وقتها كنت هبلة، افتكرت ده حب واحتواء. قولت لنفسي يا بختي، هلاقي حد يونسني. بس الأيام كشفت الحقيقة… مفيش بينا بيبان مقفولة كان معناها مفيش خصوصية.

حماتي معاها نسخة من مفتاح شقتي، تدخل في أي وقت، تفتح التلاجة، تفتش في الغسيل، تعلّق على لبسي، ولو لاقت طارق جايبلي علبة شيكولاتة تقلب وشها تلات تيام وتقول الفلوس بتتبعتر على الهيافة وإحنا محتاجين نجدد تكييف الصالة تحت.
وسلفتي نورا، اللي اتجوزت سلفي الصغير أحمد من شهرين بس، دخلت البيت وهي فاهمة اللعبة كويس. نورا من أول يوم، مسكنة وتمكنت. تبوس إيد الحماة الصبح وبالليل، وتعمل نفسها هادية ومکسورة، وفي المقابل مش بتشيل قشاية من الأرض بحجة إنها ناعمة ورقيقة وجسمها ضعيف، وبتسيب كل الشيل التقيل عليا.

وحماتي كانت شايلاها على كفوف الراحة لأن نورا أبوها تاجر مريش وعنده معارض، أما أنا فوالدي

موظف حكومي متقاعد راجل شريف على قده. الحسبة كانت محسوبة بالمليم والقرش.
والنهاردة، نورا حامل. يعني المبرر الشرعي سقط تماماً، والخدمة هتتحول رسمي لدور إجباري عليا أنا لوحدي. أطبخ عشان الوحام، وأنضف عشان الحركة وحشة على الجنين، وأغسل هدوم العيلة كلها عشان نورا لازم ترتاح.
قومت وقفت فجأة. بصيت لنفسي في المراية الكبيرة بتاعة التسريحة. وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد من قلة النوم والإرهاق. أنا خريجة تجارة إنجليزية، كنت بشتغل في شركة محترمة وسبت الشغل عشان طارق قاللي أنا راجل دمي حامي ومحبش مراتي تنزل وتختلط، وأنا متكفل بيكي وبكل طلباتك.

ووافقت بحكم الحب، واديني النتيجة متكفل بيا عشان يخليني شغالة لأهله برتبة زوجة!
طلعت تليفوني ورنيت على أمي تاني. ردت من أول رنة ها يا هدى؟ نزلتي؟ طمنيني يا بنتي بالله عليكي، قلبي واكلني.
ماما… أنا مش هنزل، وطارق خيرني يا أنزل أعتذر وأخدم، يا يطلقني ويوديني عندكم.
أمي شهقت شهقة حسيت إن روحها طلعت معاها يطلقك؟! يا لهوي يا مصېبتي! يطلقك عشان إيه؟ عشان مش عايزة تساعدي؟ يا بنتي الله يهديكي، تعالي على نفسك شوية،

الطلاق مش سهل، كلام الناس مابيرحمش، وإنتي لسه مكملتيش سنتين جواز ومخلفتيش! هيقولوا العيب فيها ومبتعمرش في بيت! روحي يا هدى بوسي راس حماتك، اعتبريها زيي يا ستي، هي الكلمة الطيبة هتخسرك إيه؟
حسيت بخنجر دخل في صدري. أمي، أكتر واحدة المفروض تكون ضهري وسندي، خاېفة من كلام الناس أكتر ما خاېفة على كرامة بنتها وصحتها. زيّك يا ماما؟ إنتي عمرك طلبتي مني أخدم حد؟ إنتي عمرك هنتيني قدام حد؟ يا ماما إيدي واكلاني من الإكزيما والدكتور قايل ممنوع المية والصابون، وحماتي شافت الروشتة وقالتلي ده دلع بنات ومايعات! عايزاني أروح أقولها حقك عليا إني مرضتش أفركلك حلتك بإيدي الملتهبة؟

صوت أمي هدي شوية، وبدأت ټعيط يا بنتي الدنيا مش بتتاخد كده… الرجالة ملهمش أمان، والبيوت بتتبنى بالصبر. أبوكي لو عرف هيتعب وسكره هيعلى، وإنتي عارفة صحته مش مستحملة مشاكل. عشان خاطري يا هدى، عدي الليلة دي، والصباح رباح.
أنا بحبك يا ماما، وبحب بابا… بس أنا مش هصغر نفسي أكتر من كده. لو نزلت النهاردة، هداس عليا بالجزم طول العمر. سلام يا ماما.
قفلت الخط قبل ما أسمع باقي توسلاتها.

الدموع نزلتڠصب عني، بس كانت دموع قهر مش دموع ندم. أدركت في اللحظة دي إني لوحدي. مفيش ضهر يحميني إلا وقفتي مع نفسي. لو أنا محترمتش حدودي وكرامتي، محدش في الدنيا دي هيعملي اعتبار.
فجأة، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم. الخطوات كانت تقيلة وبطيئة… دي مش خطوات طارق. دي خطوات عمي، الحاج إسماعيل، أبو طارق.
الراجل ده طول عمره في حاله، صامت، ملوش في حوارات الحريم، بس كلمته سيف لما بينطق، وحماتي بتعمله ألف حساب وحساب، بس في نفس الوقت بتعرف تلعب بيه وتلوي الحقايق لصالحه من وراه.

الباب خبط، خبطات هادية ورزينة يا هدى… افتحي يا بنتي، أنا عمك الحاج.
اتنفست بعمق، مسحت دموعي بسرعة بطرحة الإسدال، وفتحت الباب. عمي كان واقف، راجل في أواخر الستينات، دقنه بيضا ولابس جلابيته الصوف وسبحته في إيده. كان باصص في الأرض باحترام، ولما رفعت عيني فيه، شفت في عينيه نظرة عتاب تقيل.
ادخل يا عمي، اتفضل.
دخل الصالة وقعد على الكنبة، حط إيده على ركبته وبصلي اقعدي يا هدى.
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وأنا منزلة راسي احتراماً لسنه ومقامه عندي، فالراجل ده بالذات

مخرجش منه العيب معايا في يوم من الأيام.
خير يا عمي؟ طارق اشتكالك؟
الحاج إسماعيل هز راسه بأسى طارق مشتكيش لوحده يا بنتي… البيت كله مقلوب تحت. أمك فايزة ضغطها عالي، وقاعدة في الأوضة رافضة تاخد العلاج وبتقول كرامتي اتهانت في بيتي ومرات ابني ردت عليا الكلمة بعشرة. وأنا عمري ما شوفت البيت ده يدخله الزعيق والصوت العالي ده إلا من ساعة ما الحكاية دي حصلت الصبح.
بلعت ريقي وحاولت أكون هادية وحضرتك سمعت منها يا عمي… سمعت مني أنا؟
بصلي باهتمام وقال أنا جاي عشان أسمع منك.

طارق نازل يزعق ويقول عايز أطلقها، وأنا مسكته وهديته وقولتله البيوت مبتهدش في ساعة ڠضب. قوليلي يا هدى، إيه اللي حصل يخليكي تقولي لأمه أنا مش متجوزة أهلك؟ الكلمة تقيلة يا بنتي، عيب تتقال من بنت أصول.
الكلمة تقيلة يا عمي لما تتقال في الهوا كده، بس لما تكون رد على تراكمات شهور، تبقى كلمة حق اتأخرت كتير. فتحت كف إيدي ووريتهاله شايف إيدي يا عمي؟ شايف التسلخات والدم اللي تحت الجلد؟ الروشتة دي بقالها تلات أسابيع الدكتور كاتبلي فيها مراهم كورتيزون وممنوع المسحوق

والمية السخنة. ومع ذلك، عمري ما اتأخرت عن يومي تحت. بنزل أنضف وأطبخ من سكات. بس النهاردة، مش يومي أصلاً. النهاردة دور نورا. نورا عشان حامل، ربنا يتمملها على خير، حماتي نزلتني عشان أشيل شيلتها. نزلت، لقيت البيت خړابة، مش تنضيف عادي، ده هدد حيل. طلبت من مي تساعد، وطلبت من ماما تساعدني بالحوض بس وإيدي تعبانة، قامت قيامتي!
سكت شوية وبصيت في عينيه مباشرة حماتي قالتلي هو فيه إيه ليكي إنتي؟ إنتي جاية تنظمي البيت؟ هتوقفيني أغسل؟. يعني يا عمي، هي مستكتراني أطلب المساعدة، وعايزاني أشتغل لوحدي زي الخدامة، وهي وبنتها وسلفتي قاعدين يتفرجوا عليا! هل ده يرضي ربنا؟

هل الدين ولا العرف بيقول إن مرات الابن ملزمة تخدم البيت كله من الإبرة للصاروخ، ولو طلبت رحمة تبقى قليلة أدب وبتكسر كلام الكبار؟
الحاج إسماعيل فضل ساكت، صوابعه كانت بتتحرك على حبات السبحة بسرعة. كان واضح إنه مصډوم من التفاصيل، لأن حماتي نزلتله القصة بطريقتها هدى نازلة نافخة ريشها وبتأمرنا في بيتنا وبتعاير نورا بحملها وبتقولي إنتي تخدميني مش أنا اللي أخدمك!.
يا بنتي.

.. بدأ يتكلم بنبرة أهدى شوية فايزة أم، وليها حق الهيبة في بيتها، حتى لو غلطت في أسلوبها، الكبار لما يغلظوا، الصغيرين يطاطوا لحد ما الموجة تعدي. وإنتي عارفة طارق، دمه حامي وبيحب أمه لدرجة الهوس، لما سمع الكلمة اټجنن.
الموجة دي لو طاطيتلها النهاردة يا عمي، هتدوس على رقبتي بكرة. قولتله بحسم أنا طاطيت سنة ونص. طاطيت لما مفتاح شقتي كان بيتفتح من غير استئذان، طاطيت لما أهلي كانوا بيجوا يزوروني وتفضل حماتي قاعدة معانا متحركش كأنهم داخلين عليها هي مش عليا، طاطيت لما مصروفي كان بيتحاسب بالجنيه عشان طارق ميبقاش مقصر في حق البيت تحت.

كل ده وقولت معلش، دول أهله وعيلته. إنما أتهان في صحتي وكرامتي ومطلوب مني أنزل أبوس الراس عشان أستسمحهم يخلوني خدامة؟ ده اللي مش هيحصل يا عمي، حتى لو كان التمن هو طلاقي.
الحاج إسماعيل اتنهد تنهيدة طويلة، وقام وقف يعني ده آخر كلام عندك يا هدى؟ مفيش نزول؟
أنزل أسلّم على حضرتك، وأقعد باحترامي في بيتك كمرات ابنك، أه. إنما أنزل أعتذر عن حاجة مغلطتش فيها، وأقف أفرك المطبخ تحت الذل؟ لا يا عمي، رجلي مش هتعتب

السلم لتحت إلا وأنا عزيزة ومحترمة.
بصلي بنظرة غامضة، معرفتش هي احترام لقوتي، ولا زعل على عنادي. طبطب على كتفي بخفة وقال ربنا يهدي النفوس يا بنتي. خليكي في شقتك، وماتخرجيش منها. وأنا هشوف الحكاية دي هتخلص على إيه.
نزل عمي، وقفل الباب وراه. رجعت للصمت تاني. بس المرة دي، حسيت إن فيه شرخ كبر أوي تحت، وصوت الزعيق بدأ يعلى من جديد في شقة حماتي.
روحت وقفت جنب باب الشقة الموارب في الصالة عشان أسمع. صوت حماتي كان حاد ومجلجل، بتصرخ وتقول للحاج إسماعيل بقى البت دي تقعد فوق وتتشرط عليك يا حاج؟!

بتقولك مش هتنزل إلا وهي عزيزة؟! دي طالقة لسانها على الكل! قولتلك من الأول جوازة فقر، بنت موظف غلبان عينيها فارغة ومصدقت لقت عيلة وعز! البت دي لو مكسرتش مناخيرها النهاردة، هتسوق طارق وتطردنا إحنا من بيتنا بكرة!
وسمعت صوت طارق، صوته كان متشنج، كأن أمه بتسخنه زي الڼار اللي بتتحط تحت الزيت أنا قولتلك يا أمي، والله ما هتبات في البيت ده إلا لو نزلت وباسِت إيدك ورجلك قدام الكل، وإلا ورقتها توصلها بكرة الصبح!
وسمعت صوت سلفتي نورا، النبرة

المايصة الخبيثة اللي بتعرف تزرع بيها السم في العسل يا طارق يا حبيبي اهدا بس عشان صحتك، هدى طيبة بس تلاقيها نفسيتها تعبانة عشان ربنا لسه مأكرمهاش بالخلفة وشافتني حامل، عشان كده اتعصبت.. معلش اعذرها يا اخويا.
أول ما سمعت جملة نورا دي، حسيت بڼار ولعت في نافوخي! بتضـ,ـربني في نقطة الخلفة؟! أنا وطارق متجوزين بقالنا سنة ونص، وروحنا للدكاترة وقالوا مفيش أي مانع طبي، مجرد وقت ورزق من عند ربنا! تقوم هي مستغلة اللحظة دي عشان تطلعني غيورة وحقودة وعيني فيها من حملها؟!
الخبث واللؤم ده مكنش ينفع يتسكت عليه.

الحړب دلوقتي مبقتش حرب مين يغسل المواعين ومين ينضف السلم… الحړب بقت على شرفي، سمعتي، ونوايايا قدام الراجل اللي سلمته نفسي واسمي!
رجعت لورا، دخلت أوضة النوم، وسحبت شنطة السفر الكبيرة من فوق الدولاب. فتحتها على السرير ورزعتها. بدأت ألم هدومي… مش باڼهيار، ولا بعياط، بتركيز شديد ودقة مرعبة. حطيت عباياتي، طُرحي، أوراقي الشخصية شهادة تخرجي، قسيمة الجواز الأصلية اللي كانت معايا في الدرج، الذهب بتاعي كله اللي اشتريته بشقايا

وشبكتي اللي أهلي دفعوا نصها تقريباً في الاتفاقات القديمة.
وأنا بلم الهدوم، لقيت ألبوم صور الفرح. فتحته… شفت طارق وهو باصصلي بحب يوم الفرح، كان طاير بيا، كان واعدني إنه هيعوضني عن كل تعب، وإنه هيكون سندي وأماني. فين الراجل ده دلوقتي؟ الراجل ده اتبخر أول ما طلع على باب شقة أمه، واستبدل بواحد تاني خاېف، مهزوز، بيستمد رجولته من كسر مراته وإرضاء غرور أمه المړيض.
قفلت الشنطة وسحبت السوستة. تِك. الصوت ده كان إعلان نهاية مرحلة في حياتي.
وفجأة، الباب اتفتح تاني پعنف. طارق دخل، بس المرة دي مكنش لوحده.

كانت وراه أخته مي، واقفة على عتبة الباب بتبصلي بفضول ولؤم، كأنها جاية تتفرج على مشهد في مسرحية.
طارق بص للشنطة اللي على السرير، عيونه برقت بشرارة تخوف إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟
بصيت لمي بنظرة خلتها ترجع خطوة لورا، وقولت لطارق بعمل اللي إنت طلبته. مش قولت يا أنزل أبوس الأيادي وأرجع أشتغل جارية، يا ألم هدومي وأروح بيت أبويا؟ أنا اختارت بيت أبويا.
طارق اتفاجئ. الصدمة كانت واضحة على وشه لدرجة إنه بلع ريقه ومبقاش عارف يجمع

الكلام. هو كان فاكر إني هفضل أعيط، وإن ټهديد الشنطة ده سـ,ـلاحھ هو، مش سـ,ـلاحي أنا! إنتي… إنتي فاكرة نفسك بتلوي دراعي يا هدى؟ فاكرة لما تلمي هدومك أنا هجري وراكي وأقولك متمشيش؟
مين قال إنك هتجري ورايا؟ ضحكت باستهزاء أنا أصلاً مش عايزاك تجري ورايا. أنا اللي ماشية بمزاجي. اللي يقبل على مراته تتهان، ويقبل إن واحدة خبيثة زي سلفتي تتهمني في شرف نيتي وتقول إني بغير من حملها وإنت واقف زي خيال المآتة متدافعش عني، ده ميتزعلش عليه ولا يستاهل أعيش معاه دقيقة واحدة.

طارق وشه بهت لما سمعني بقول كلام نورا، وبص لمي اللي كانت واقفة برة مي، انزلي تحت واقفلي الباب وراكي! مي جريت على تحت زي الفار.
طارق قفل الباب وقرب مني، نبرته اتغيرت من الڠضب الشديد للتوتر إنتي سمعتي الكلام اللي اتقال تحت؟
سمعت كل كلمة. سمعت أمك وهي بتقول بنت موظف غلبان، وسمعت سلفتك وهي بتطعني في ضهري، وسمعتك إنت وإنت بتقول ورقتها توصلها الصبح. إنت فاكر الحيطان دي بتخبي؟ الحيطان دي كانت بتنقل سمومكم كل يوم، وأنا كنت بعمل نفسي نايمة ومسمعتش عشان بيتي ميتخربش.

بس خلاص يا طارق… لحد هنا وكفاية.
سحبت الشنطة ونزلتها من على السرير، وجيت أتحرك ناحية الباب، طارق مسك إيدي پعنف استني هنا! مفيش خروج من البيت ده بالشنطة دي! إنتي عايزة تفضحيني في الشارع قدام الجيران؟ عايزة الناس تقول طارق طرد مراته في عز الضهر؟
بصيت لإيده اللي ماسكة معصمي، وبصيت في عينيه بكل برود الدنيا شيل إيدك عني أحسنلك… عشان لو مشيلتهاش، أنا اللي هصرخ في البلكونة وألم عليك الشارع كله وأفضحكم على أصولها. الڤضيحة مش إني خارجة، الڤضيحة هي اللي إنتو عملتوه فيا.

طارق حس بالقوة اللي في نبرتي، وساب إيدي ببطء، بس الغيظ كان بياكله والله العظيم يا هدى… لو رجلك خطت برة العمارة دي، ما ليكي رجوع هنا تاني، وهتكوني طالق، طالق بالتلاتة!
وقفت عند باب الشقة، التفتتله وبصيتله من فوق لتحت بنظرة عمري ما بصيتهاله قبل كده يبقى كتر ألف خيرك، وفرت عليا مصاريف المحامي وقضية الخلع. ابقى خلي أمك بقى تغسلك مواعينك وتجوزك واحدة تانية تشيل ۏسخ البيت بدالك.
فتحت الباب وخرجت. السلم كان ساكت، بس وأنا نازلة، سمعت باب شقة حماتي

بيتفتح. حماتي خرجت ووقفت في الصالة تحت، وعمي كان قاعد وراها، ونورا كانت واقفة ساندة ضهرها على الحيطة وعاملة نفسها بتنهج وتعبانة.
حماتي بصتلي وبصت للشنطة الكبيرة اللي في إيدي، وشها احتقن بالغل وقالت بصوت عالي سمعه السلم كله رايحة فين يا ست هانم؟ رايحة تشهري بينا عند أهلك؟ فاكرة إن ليكي رجوع هنا تاني بعد كسر كلمتي؟ اطلعي برة يا خايبة، بكره ابني يتجوز سيد سيدك، واحدة من توبنا وتعرف الأصول وتعرف تشيل حماتها فوق راسها!
وقفت على آخر درجتين في السلم، وبصيتلها في عينيها مباشرة.

كنت حاسة بهدوء غريب، هدوء ما بعد المعركة ابنك ده… اللي إنتي فاكراه دهب مصفى، أنا اللي كنت صابرة على عيوبه ومراره سنة ونص. اتجوزيهوله يا حاجة، جوزيهوله وخلي اللي هتيجي دي تشيل البيت. بس افتكري كلمتي دي كويس البيت اللي مفيش فيه عدل، ومبني على كسر خواطر البنات، مش هيعمر. ويوم ما تحتاجي كوباية مية وانتي نايمة في فرشتك، مش هتلاقي إلا العقارب اللي بتدلعيهم النهاردة عشان يلدغوكي بكرة.
بصيت لنورا اللي وشها اتخطف واتلجمت مبقتش عارفة ترد، وبصيت لعمي إسماعيل مع السلامة يا عمي،

حقك عليا لو قصرت في حقك، إنت الراجل المحترم الوحيد في العمارة دي.
وسحبت شنطتي وفتحت بوابة العمارة، وخرجت للشارع.
الشمس كانت حامية، وهوا الشارع دخل صدري كأنه أول نفس نقي أتنفسه من شهور طويلة. رجلي كانت بتسحب الشنطة على الأسفلت، صوت العجل كان بيعمل شخشخة عالية، والناس في الشارع بتبصلي، بس مكنش هاممني. كنت حاسة بجسمي خفيف، كأن جبل كان محطوط فوق كتافي واتشال في لحظة واحدة.
مشيت لحد أول الشارع، وشاورت لتاكسي. ركبت، والسواق بصلي في المراية وسألني على فين يا أنسة؟
الكلمة رنت في ودني يا أنسة.

ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة وقولتله على مصر الجديدة يا أسطى… على بيت والدي.
طول الطريق، التليفون مهدأش. رنات ورا رنات أمي، أختي الكبيرة، وحتى طارق رن مرتين وقفل. مردتش على حد. كنت محتاجة أجمع أفكاري. أنا مش رايحة بيت أهلي عشان أنهار وأعيط وأستنى وسايط وصلح. أنا رايحة وأنا عارفة إن دي مش نهاية العالم، دي بداية معركة تانية خالص معركة إثبات الذات، واسترداد حقوقي اللي اتسلبت مني باسم الأصول والعشرة.
وصلت العمارة بتاعة أهلي. طلعت الأسانسير، ووقفت

قدام الباب وأنا باخد نفس عميق، ورنيت الجرس. فتحتلي أمي، وأول ما شافتني بالشنطة لطمت على وشها بصوت واطي يا دي المصېبة! عملتيها يا هدى؟ سيبتي بيتك وجيتي؟ ېخرب بيت عقلك، أبوكي جوة هيجراله حاجة!
زقيت الشنطة بهدوء ودخلت، وقفلت الباب ورايا مفيش مصېبة يا ماما. المصېبة كانت هتحصل لو فضلت هناك وقبلت أكون مداسة. وبابا مش هيجراله حاجة لما يعرف إن بنته اختارت كرامتها.
أبويا خرج من أوضة المكتب بتاعته، لابس نظارة القراءة وماسك الجورنال. بصلي، وبص للشنطة، وبص لأمي اللي كانت عمالة تلف حوالين نفسها وتندب. قلع النظارة بهدوء وقال بصوته الرخيم الدافي تعالي يا هدى.

تعالي يا بنتي اقعدي جنبي.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى