يعني إيه؟ وايه اللي كان في البيت ومستخبي؟ هل الكركبة والهدوم المرمية على السراير دي كانت ستار بيغطوا بيه حاجة ألعن؟ ولا كانت متوترة من وجودي عشان مرتبة مصيبة؟ ألف فكرة وفكرة نزلت على دماغي زي المطر. جسمي كله كان متشنج، وقعدت على طرف الكنبة مش عارفة أقوم ولا عارفة أنام.
أحمد رجع بعد نص ساعة تقريبًا. سمعت صوت المفتاح في الباب، دخل وهو وشه مقلوب وباين عليه الزعل. رزع المفاتيح على الترابيزة وقال بعتاب: كده برضه يا ماما؟ تمشي وتسيبيني في نص العزومة؟ الستات اتكسفوا وبقوا مش عارفين يودوا وشهم فين، وخطيبتي نزلت دمعتها وقالتلي: هي مامتك مش طيقاني للدرجة دي؟
بصيتله بحرقة وكنت على وشك أقوله على كل اللي شُفته، على القرف اللي مالاش عين تقبله، على شكل البيت اللي مايرضيش ربنا، وعلى المكالمة المريبة اللي لسه مقفولة حالًا. لكن لساني لجم في آخر ثانية. افتكرت كلام جوز بنتي لما قال: بلاش تظلموا ولا تتسرعوا وافهموا الأول. لو حكيت لأحمد دلوقتي وهو دمه فاير هيفهمني غلط، هيفتكرني حمى بتلكك للبنت عشان تطفشها وخلاص، والشباب اليومين دول مابيصدقوش غير اللي على هواهم.
بلعت ريقي بصعوبة وقولتله بصوت حاولت أخليه هادي على قد ما أقدر: يا ابني أنا مش قصدي أكسر بخاطر حد، بس أنا بطني وجعتني فجأة وحسيت بدوخة ومردتش أقلقكم ولا أبهدل نفسي عند الناس. أحمد هدي شوية، قعد جنبي وبصلي بقلق: طب ما قولتيش ليه يا أمي؟ كنا روحنا للدكتور سوا بدل ما تمشي لوحدك وتاخدي تاكسي وإنتِ تعبانة. — محصلش حاجة يا حبيبي، شوية شاي ونعناع وبقيت كويسة. ادخل إنت نام عشان وراك شغلك الصبح وماتشغلش بالك.
قام باس راسي ودخل أوضته، وأنا فضلت قاعدة مكاني زي الصنم. مانمتش دقيقة واحدة طول الليل. كنت كل ما أغمض عيني، أشوف منظر الحمام، والهدوم اللي مرمية بعشوائية غريبة كأن البيت كان فيه مداهمة أو حد بيقلب في الحيطان، والأهم من ده كله، نظرة عين أمها لما لقيتني واقفة على باب المطبخ. النظرة دي ماكانتش نظرة ست مكسوفة من كركبة بيتها، دي كانت نظرة واحدة مرعوبة، نظرة حد اتمسك متلبس بحاجة خايف تضيع منه في لحظة.
النهار طلع ببطء شديد، وكنت حاسة إن عقارب الساعة ماشية على صدري. أحمد نزل شغله الساعة تمانية الصبح، وأول ما الباب اتقفل وراه، مسكت تليفوني وقعدت أستنى. الست قالت بكرة هفهمك كل حاجة. بكرة جه، والصبح نور، بس هي ما اتصلتش. فضلت رايحة جاية في الشقة، غليت مياه وعملت قهوة ومادقتهاش، التوتر كان واكلني أكل. لحد ما الساعة دقت حداشر قبل الظهر، والتليفون رن برقمها. رديت بسرعة ومن غير مقدمات: ألو.. خير يا أم ندى؟
جالي صوتها من الناحية التانية واطي ومتقطع، كأنها بتتلفت حواليها ومش عايزة حد يسمعها: صباح الخير يا طنط.. معلش على قفلة السكة إمبارح، كان غصب عني والله، الظروف حكمت. رديت بنبرة جافة: صباح النور. قفلتي السكة بعد ما رميتي جملة توقف القلب. ودلوقتي أنا مستنية أفهم، إيه اللي أحمد ماكانش ينفع يشوفه؟ وإيه الحكاية بالظبط؟
سكتت شوية، وبعدين اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قاع مكسور: مش هينفع في التليفون يا طنط. الكلام ده لو اتقال في التليفون يتخرب بيوت، وإحنا ناس غلابة ومش حمل شوشرة. أنا محتاجة أقابلك.. بس بره البيت، ومن غير ما أحمد يعرف حرف واحد، ولا حتى ندى بنتي. حواجبي اترفعوا باستغراب وسألتها: وبنتك كمان متعرفش؟! إنتوا مخبيين إيه بالظبط؟ — هقولك على كل حاجة.. تعالي نقعد في كافتيريا هادية عند محطة الترام بتاعة كليوباترا، بعد صلاة الظهر على طول، تكون الدنيا رايقة ومفيهاش زحمة. مستنياكي هناك وماتتأخريش عليا والنبي.
قفلت قبل ما ألحق أرد عليها بحرف تاني. الست دي كانت بتتحرك بطريقة ترعب. ركبتني مية عفريت، وقولت لنفسي: يا وقعة مش فايتة، ده الموضوع شكله وراه مصيبة سودة. لبست عبايتي وطرحتي ونزلت وأنا رجليا يدوب شيلاني. ركبت تاكسي وطول السكة وأنا بستغفر ربنا وأدعي إن ربنا ينجي ابني من أي شر هو مش داري بيه. وصلت الكافتيريا قبل الميعاد بعشر دقايق. كانت مكان هادي فعلًا، الترابيزات بعيدة عن بعض وريحة البحر واصلة مع هوا خفيف. قعدت في ترابيزة جوه شوية بعيد عن الباب، وعيني على المدخل. بعد شوية، لقيتها داخلة.
كانت متبهدلة بطريقة ملفتة. لابسة عباية سودا وطرحة مش متظبطة، ووشها أصفر زي الليمونة، وتحت عينيها سواد يبين إنها مانمتش بقالها كذا يوم، مش بس إمبارح. بصت يمين وشمال لحد ما شافتني، وجت بخطوات سريعة قعدت على الكرسي اللي قدامي كأنها بتهرب من حد. حطت شنطتها على الترابيزة بإيد بتترعش، وقالت بصوت متهدج: متشكرة إنك جيتي يا طنط.. ربنا وحده يعلم أنا في إيه من إمبارح.
بصيت في عينيها مباشرة وقولت بحزم: سيبي الشكر دلوقتي يا أم ندى، وادخلي في الموضوع على طول. إنتِ سيبتيني الليل كله بلف حوالين نفسي. ابني ناوي يربط اسمه باسمكم ويدخل بيتكوا على سنة الله ورسوله، وأنا مش هسيب ابني يغرق في بير غويط وأنا بتفرج. إيه حكاية الخوف، وإيه اللي كان مستخبي في البيت إمبارح؟ نزلت عينيها في الأرض، وبدأت تفرك صوابعها بعصبية واضحة، وبعد ثواني من السكوت رفعت راسها ودموعها محبوسة بالعافية وقالت: إنتِ شوفتي البيت مكركب ومبهدل إمبارح، صح؟ فكرتي إني ست مهملة ومقرفة ومش عارفة أنضف بيتي وبنتي طالعة زيي؟
قولت بصراحة: اللي يدخل يلاقي المنظر ده لازم هيقول كده، ده غير إنك طردتيني بشياكة لما قولتلي خمسة بره وأنا طالعة وراكي. مسحت وشها وقالت: والله العظيم ما ده بيتي ولا ده حالي، ولا أنا طردتك، أنا كنت بمو.ت من الر.عب يا طنط. البيت ماكانش مكركب عشان إحنا مهملين.. البيت كان مقلوب عشان كان بيتدور فيه على مصيبة، وإحنا كنا بنلم في الحاجة ومش ملحقين! ضيقت عيني وسألتها بحدة: مصيبة إيه؟! ومين اللي بيدور؟ ندى بنتك عامله إيه؟
اتنفست بصوت عالي وقالت: لا.. مش ندى. ندى متعرفش حاجة عن أصل البلاوي دي. المصيبة في أبوها. اتصدمت وسكتت ثواني. أبوها؟ اللي قالوا لنا إنه شغال في شركة مقاولات ومسافر يخلص شغل في السويس ومش هيحضر غير على كتب الكتاب؟ قولتلها: ماله أبوها؟ مش قولتوا إنه مسافر في شغل بره إسكندرية؟
ضحكت بمرارة ووجع: مسافر إيه بس يا حسرة! أبو ندى هربان.. هربان بقاله أربع شهور. راجل استدان وطبس نفسه في شيكات وكمبيالات لناس مابيرحموش عشان مشروع وهمي دخل فيه وخسر كل مليم، وفوق ده كله واخد فلوس مش بتاعته من ناس تقال في السوق. الناس دول مش بتوع محاكم وقواضي، دول بلطجية ومسجلين بييجوا يكسروا الباب علينا في أنصاص الليالي! جسمي قشعر وقولت بصدمة: يكسروا الباب؟! وإنتوا قاعدين في البيت كده عادي وسايبين بنتكوا معرضة للأذى؟ وجايين تخطبوا وتجوزوا وتلبسوا ابني في وسط الهوجة دي؟!
مسكت إيدي بسرعة ورجتني: اسمعيني بس للآخر والنبي يا أم أحمد، متظلمينيش. الراجل رمى الورطة فوق دماغنا واختفى، وفضلنا أنا والبنت لوحدنا. الناس دول جم البيت قبل زيارتكم بيوم، هجموا على الشقة وقلبوها عاليها واطيها بيدوروا على أوراق وعقود كانت معاه، هددونا بالق.تل لو الفلوس مظهرتش. المنظر اللي شوفتيه ده كان بعد ما هما نزلوا وسابوا البيت دمار. أنا وندى قعدنا طول الليل نبكي ونحاول نعدل في الصالون بس عشان لما تيجوا مانبانش مفضوحين.. مقدرتش ألحق ألم بقية الأوض ولا الحمام، كنت منهكة ومكسورة ومرعوبة يطبوا علينا وإنتوا موجودين!
كلامها نزل عليا زي الصاعقة، بس في حاجة ماكانتش راكبة في دماغي، في حلقة مفقودة في كلامها، فسألتها على طول: طب وكل ده إيه علاقته باللي قولتيه في التليفون؟ إنتِ قولتي خايفة أحمد يشوف حاجة.. مش خايفة أنا أشوفها. لو الموضوع بلطجية وبيدوروا على أبوها، كنتِ هتخافي عليا وعليه سوا، ليه خصيتي أحمد بالذات بالكلام؟!
أم ندى بلعت ريقها، وبصت للترابيزات اللي جنبنا تتأكد إن مافيش حد سامع، وبعدين قربت راسها مني وهمست بصوت واطي ومبحوح كأنها بتعترف بجريمة: عشان الحاجة اللي كانوا بيدوروا عليها، واللي أبوها كان شايلها قبل ما يهرب كانت عندي في المطبخ تحت حوض المواعين، مستخبية في قعر جردل قديم. ولما شوفتك داخلة المطبخ، افتكرتك أحمد! كنت مرعوبة أحمد يمد إيده يجيب مياه ولا يساعدني، فيلمح الشنطة اللي أنا لسه يدوب مدخلاها ورا الأنابيب عشان أداريها!
سألتها وقلبي بيدق في وداني: شنطة إيه دي؟! أبوها سايب إيه وراه خلاكي بالرعب ده كله؟! ردت وهي شفايفها بترتعش وعينيها بتلمع بالخوف: دهب.. دهب مش بتاعه، وأوراق ملكية أراضي مش بتاعته، ووصلات أمانة على بياض متوقعة من ناس تقيلة. لو الحاجة دي اتقفشت عندينا أو اتعرف إنها معايا، مش بس هيحبسوه.. هيدبحونا كلنا! وأحمد.. أحمد شغال مهندس في نفس الشركة اللي صاحبها ليه الفلوس والورق ده كله! أحمد لو شاف الورق ده أو لمح اسم صاحب الشغل عليه، كان هيفهم كل حاجة في ثانية، والموضوع كان هيفرقع في وشنا كلنا وندى كانت هتتفضح ويتخرب بيتها قبل ما يبدأ!