في اللحظة دي، حسيت برعب حقيقي مش من المجهول وبس، ده من جوزي اللي عشت معاه سنين وما كنتش أعرف إنه ممكن يكون بالوحشية دي. قعدت على الكنبة وأنا بعيط وبنهج، وببص لحماتي اللي كانت واقفة تبص لابنها بتشفي، وبتقوله ما تفتح يا بني الشنطة اللي في إيدك دي كمان، ووريها الباقي وريها الهنا اللي هي كانت هضيعه من إيدينا عشان شوية تفاهة وتمر توزعه على حتة جيران ميسووش قرش صاغ!
عمران بص لأمه بعتاب وخوف، وقالها يا ماما اهدي شوية، أنتي مش فاهمة إحنا لسه في خطر قد إيه.
الراجل اللي اسمه ممدوح رن عليا أول ما حطيت رجلي في مصر، وقالي إنه جاي يستلم الأمانة من هنا بعد ساعتين بالكتير. ولو جه ولقى الكرتونة فيها علبة ناقصة ولا حتى سلوتيب مقطوع، هنروح في داهية ومش هيرحمنا.
الاسم وقع على ودني زي الصاعقة ممدوح؟ ممدوح ده مين؟ مفيش حد في عيلتنا ولا في قرايبنا بالاسم ده، ولا حتى في صحاب عمران اللي أعرفهم طول فترة شغله هنا أو في الغربة. مسحت دموعي بإيدي، وقومت وقفت تاني، وحاولت أكون أهدى عشان أفهم المصيبة اللي بتدبر حواليا، وقلتله بصوت واطي ومبحوح عمران مين ممدوح ده؟
ومين الراجل اللي جاي ياخد كرتونة تمر في نص الليل؟ ولو دي أمانة لراجل غريب، ليه كنت قايلي إنها لينا ولضيوفنا؟ ليه دخلتني في اللعبة دي وأنا لسه راجعة من أطهر مكان في الأرض؟ انطق يا ابن الناس وقولي الحقيقة، بدل ما أفتح الشباك ده وأصرخ بعلو صوتي وأفضح الدنيا!
عمران اتوتر أكتر لما هددته بالصراخ، وحماتي اتخضت وقالت يا بت اسكتي ربنا يخرس لسانك! هتودي بيتك في داهية!
عمران أخد نفس عميق، ورمى الشنطة الجلد السودا على الترابيزة قدامي. الشنطة كانت تقيلة وليها رنة غريبة لما نزلت على الخشب. قعد عمران على
الكرسي وحط راسه بين إيديه، وقال بنبرة مكسورة أول مرة أسمعها منه أنا مكنتش عايزك تدخلي في الحوار ده يا منار، بس غباءك وطمعك في شوية هدايا هو اللي وصلك للمرحلة دي.
طمعي؟! قلتها بحرقة أنا طماعة عشان عايزة أضيف الناس اللي جاية تباركلنا بعمرتنا؟! أنا طماعة يا عمران؟!
قال وهو باصص في الأرض الكرتونة دي مفيهاش تمر عادي ولا السبح دي سبح عادية. أنتي فاكرة إني حجزتلك أنتي وأمي العمرة دي عشان سواد عيونك فجأة؟ فاكرة إن الفلوس دي كانت من مدخراتي اللي بتسألي عليها كل شهر؟
الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة، قلبي اتقبض وبصيتله بذهول قصدك إيه؟ فهمني متسيبش كلامك ملغز كده! حصري على صفحة روايات و اقتباسات
رفع راسه وبصلي، وكانت عيونه حمرا زي الدم أنا كان عليا ديون مكسورة في السعودية بمئات الآلاف، ديون شغل وخسارة في تجارة دخلت فيها وخسرت كل مليم وكنت مهدد بالسجن هناك ومكنتش هعرف أرجع مصر أبداً. ممدوح ده واحد من الناس اللي شغالين في نقل الأمانات والأوراق والحاجات الحساسة بين مصر والخليج عرض عليا يسدد كل ديوني، ويرجعني مصر مكرم، ويديني كمان قرشين حلوين نعيش بيهم ونجيب الشقة التمليك اللي كنتي بتحلمي بيها بس بشرط واحد.
سكت عمران وبلع ريقه بصعوبة، وحماتي كملت مكانه بصوت واطي وبكل برود الشرط إنه يستغل زيارتكم لبيت ربنا قال إن الستات الكبار والزوجات اللي راجعين من العمرة بحاجاتهم وهداياهم مبيقفوش كتير في التفتيش، ومحدش بيشك في كراتين التمر المقفولة ومية زمزم المغلفة.
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا، ورجليا مبقتش شيلاني. قعدت على أقرب كرسي وأنا بحط إيدي على قلبي اللي كان بيدق بسرعة جنونية استغليتوني؟ خليتوني ستارة لحاجة ممنوعة؟ هربتوا إيه في الكرتونة دي يا عمران؟! هربت إيه في حاجات العمرة؟! مخدرات؟ دهب؟ انطق يا مجرم هربت إيه؟!
عمران انتفض وقال بسرعة وبلهفة كأنه بيبرأ نفسه لأ والله العظيم مش مخدرات! ولا عمر درهم حرام يدخل بيتي بالطريقة دي! ولا دهب حتى الكرتونة دي جواها أوراق وعقود وسندات أراضي، ومخطوطات أثرية صغيرة وألماس خام بتاع عيلة كبيرة، حاجات متهربة لحساب ناس تقيلة وممدوح ده الوسيط بتاعهم هنا. ممدوح هو اللي صمم إن كرتونة التمر تتفرغ من النص وتتحط الحاجة في قوالب متغلفة كأنها عجوة ومقفولة ليزر بحيث لو عديتي على أجهزة المطار متظهرش غير إنها كتل عضوية زي البلح بالظبط! وكل علبة مرسوم عليها علامة معينة أنا بس وماما اللي عارفينها!
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة وموطية راسها، وسألتها وأنتي أنتي كنتي عارفة؟ كنتي عارفة إن ابنك بيشيلنا مصيبة زي دي؟ كنتي عارفة وساكتة وبتصلي في الحرم وتدعي ربنا وأنتي شايلة معاكي أمانة مسروقة ولا متهربة؟!
حماتي بصتلي بصلابة وقالت من غير ما يطرف ليها جفن كنت بنقذ ابني من السجن والغربة يا هانم! ابني كان هيضيع، كان هيتحبس في بلد غريب ومكناش هنعرف نطلعه! وبعدين أنتي مالك أنتي باللي شايلينه؟ ما أنتي سافرتي واتفسحتي واعتمرتي وجيتي عروسة أهوه، وكان المفروض تحطي لسانك جوه بقك وتاخدي هديتك وتسكتي!
لكن أنتي عينك فارغة، شوفتي كرتونة التمر اتجننتي وعايزة تاخديها كلها لنفسك وتفرقيها على حبايبك!
الدم غلى في عروقي لدرجة إني مكنتش حاسة بنفسي. وقفت وزعقت فيها أنا عيني فارغة يا ولية يا خرفة؟! أنا اللي مكنتش أعرف إني كنت هروح ورا الشمس في المطار وأتكلبش قدام الناس كلها؟ لو كان اتفتشت الكرتونة دي في صالة الوصول، مين اللي كان هيتسحب على الحجز؟ مين اللي كان الكرتونة طالعة باسمها في الوزن؟ مش أنا اللي شنطي كانت مشحونة عليها الحاجة دي كلها باسمي؟! أنتوا ضحيتوا بيا عشان تنقذوا نفسكم!
عمران مسك إيدي وحاول يهديني لا يا منار، والله العظيم كنت مرتب كل حاجة، ومكنش فيه أي خطر عليكي، أنا كنت متابع خطوة بخطوة مع ناس جوه المطار وخلصتكم في دقايق، وماما مكنتش هتاخد الكرتونة عندها غير عشان تسلمها لممدوح الصبح ونخلص من الكابوس ده وناخد نسبتنا! لكن أنتي بحركتك دي لخبطتي الخطة كلها، وخلتينا على أعصابنا! حصري على صفحة روايات و اقتباسات
ضحكت بهستيريا، دموعي بتنزل وأنا بضحك من كتر البشاعة نسبتكم؟ يعني أنتوا كمان واخدين تمن سكوتكم وتمن التوصيلة دي؟ والشنطة اللي في إيدك دي إيه؟ دي بقية الأمانة؟
عمران بص للشنطة وقال دي فيها بقية الورق اللي كان معايا في شنطتي الشخصية، ممدوح اتفق معايا إنه هيجي يستلم كل حاجة مع بعض ويديني نصيبي كاش مية ألف دولار، عشان أبدأ بيهم على نضافة هنا ونسيب الفقر والبهدلة دي للأبد.
بصيت للكرتونة، وبصيت للشنطة السودا، وبصيت لجوزي اللي عشت معاه على الحلوة والمرة، واكتشفت في لحظة واحدة إني مكنتش اعرفه أصلاً. الإنسان اللي ائتمنته على عمري كان مستعد يضحي بيا ويخليني ألبس قضية تهريب جناية تدمر مستقبلي وتفضح أهلي، كل ده عشان يخرج من ديونه ويقبض تمن صفقة مشبوهة.
قلتله ببرود مفاجئ بعد ما العاصفة هديت جوايا وممدوح ده هيجي إمتى؟
عمران بص في ساعته بتوتر كمان نص ساعة ممدوح قال إنه هيقف بالعربية تحت العمارة، وأنا هنزله بالشنطة والكرتونة، ويخلص كل حاجة في دقايق ويمشي. عشان كده بقولك ادخلي
أوضتك دلوقتي يا منار، ومتخرجيش منها لحد ما نخلص الموضوع ده، وبعدها نقعد ونتكلم ونتصالح وهديكي اللي أنتي عايزاه كله.
حماتي شالت الكرتونة وبدأت تسحبها ناحية الباب وهي بتقول يلا يا عمران، خلينا ننزل الحاجة دي عندي تحت في الشقة عشان نسلمهاله من هناك، ومنطلعش الراجل على السلم ولا حد من الجيران يشوفه.
عمران مد إيده عشان ياخد الشنطة السودا من على الترابيزة، لكن في الثانية دي بالظبط سمعنا صوت سارينة عربيات شرطة جاية من بعيد في الشارع، وصوت الكلاكسات بره العمارة بدأ يعلى فجأة.
عمران اتخشب مكانه، وحماتي وقعت الكرتونة من إيدها على الأرض، والكرتونة اتهبدت هبدة خلت طرفها يتفتح، وظهرت منه لفافات بلاستيك سودا متبطنة بفويل فضي غريب، مفيش فيها ولا ريحة للتمر!
عمران وشه بقى أبيض زي اللوح، وبص من ورا ستارة البلكونة بخوف ورعب، ورجع خطوة لورا وهو بيترعش كله عربيات شرطة وواقفين تحت البيت ممدوح سلمني؟ ولا مين اللي بلغ؟
بصلي عمران بنظرة جنون وشك، وقرب مني وهو بيزعق بهيستيريا أنتي كلمتي مين لما خرجتي من شقة أمي؟! كلمتي مين يا منار انطقي؟! النور اتقطع، والضلمة طبقت على المكان زي الكابوس. الصالة بقت كحل، ومفيش فيها غير بصيص نور أزرق وأحمر بيضرب من ورا شباك البلكونة… نور سارينات البوليس اللي قالبه الشارع تحت. عمران كان واقف يتنفس بصوت عالي كأنه بيغرق، وحماتي قعدت في الأرض جنب الكرتونة المفتوحة، تلطم على خدودها بصوت مكتوم: “يا مصيبتك السودة يا جملات… يا خراب بيتك يا ابني! البوليس جه وراكم… البوليس جه ياكل عيشنا وشبابك هيضيع في السجون!”
عمران مسك في دراعي في الضلمة، وضوافر صوابعه غرزت في لحمي وهو بيهزني بجنون: “انطقي يا منار! كلمتي مين؟ اتصلتي بأخوكي ولا بأمك؟ قولتيلهم إننا متخانقين؟ حد فيهم بلغ؟ انطقي قبل ما البيت يتهد فوق نفوخنا!” زقيته بكل قوتي وبكل الغل اللي اتجمع في قلبي منه ومن أمه، وصرخت فيه وأنا بتعثر في السجادة: “ابعد إيدك القذرة دي عني! أنا مكلمتش مخلوق! أنا كنت لسه بحاول أفهم البلاوي اللي أنتوا راميني فيها! أنت اللي مجرم وجايب وراك مصايب الدنيا كلها وجاي تلصمها فيا وفي أهلي!”
في اللحظة دي، صوت الخبط على باب الشقة اتهبد هبدة واحدة، خلت حلق الباب الخشب يطقطق: “افتح يا عمران! افتح المباحث!” الكلمة نزلت على ودن عمران زي رصاصة، رجع لورا واتخبط في ترابيزة السفرة، والشنطة السودا وقعت من إيده على الأرض. حماتي زحفت على ركبها، وحاولت تزق الكرتونة المتبهدلة تحت الترابيزة وهي بتنهنه: “استخبى يا عمران… ادخل البلكونة نط على السطوح… اهرب يا ضنايا وأنا هقولهم معرفش حاجة!”
عمران كان مشلول، وشه تحت ومفيش فيه دم، بيبص للباب اللي بيترزع، ويبص للبلكونة، ومفيش أي مفر؛ إحنا في الدور الرابع، ومفيش سطوح يتنط عليه من البلكونة، وتحت في الشارع كلابشات ورجالة واقفين سادين الحارة كلها. الرزع زاد، وصوت كسر كالون الباب طرقع في الضلمة: “اكسر يا ابني!” ثانية واحدة، والباب اتفتح على مصراعيه بضربة رجل عنيفة، والضلمة اتفرتكت بفلاشات كشافات قوية جداً عمّت عينينا. “اثبت مكانك أنت وهو! ولا حركة!”
دخل تلات أفراد بملابس مدنية، وفي إيديهم سلاح ميري، ووراهم اتنين عساكر شايلين كشافات طوارئ ضربت في نص الصالة، وخلفهم دخل راجل أربعيني، لابس بدلة كحلي وقميص رمادي، ملامحه هادية جداً وباردة زي التلج، ماسك في إيده سيجارة مولعة. بص في الشقة كلها بهدوء، عينه وقعت على عمران اللي متسمر ورافع إيديه الاتنين في الهوا، وبعدين بص لحماتي اللي مكومة في الأرض على ركبها، وأخيراً بصلي أنا وأنا ساندة على حيطة الممر، بنهج وبمسح دموع الرعب من على وشي.
الظابط شاور للعساكر: “كلبش الاتنين دول، واقفلوا كل المداخل.” عمران بصوته اللي رايح، حاول ينطق: “يا باشا… يا باشا في سوء تفاهم… أنا لسه نازل من المطار حالا ومعملتش حاجة!” الظابط قرب منه بابتسامة سخرية خفيفة، ونزل الكشاف على الكرتونة اللي اتفتحت وظهرت منها قوالب الفويل الفضي، ووطى أخد قالب منهم وشمه، وبعدين بص لعمران وقال بنبرة هادية ترعب أكتر من الزعيق: “سوء تفاهم برضه يا عمران؟ كرتونة التمر العجوة اللي متبهدلة ألماس خام وسندات شركات منهوبة من جدة، وشنطة الأوراق المسروقة اللي جنبك دي، كل ده سوء تفاهم؟ ده أنت غلبان أوي بقى.”
حماتي صرخت: “ابني ميعرفش حاجة يا بيه! الست دي… مراته هي اللي جابت الكرتونة! هي اللي كانت طمعانة فيها ومخبيها عندها في الشقة، والله ما لينا دعوة بيها!”