حكايات مني السيد حصري
جوزي بعتلي أنا وحماتي زيارة نروح بيها نعمل عمرة، ومن يوم ما عرفت الخبر وأنا مش مصدقة نفسي من الفرحة. كنت بحلم بالعمرة من سنين، وكل ما الموضوع يتفتح قدامي يحصل ظرف ونأجل، لكن المرة دي جوزي فاجأني وقاللي جهزي نفسك إنتِ وماما أنا حجزتلكم.
فضلت أعيط من الفرحة، وحماتي كانت مبسوطة هي كمان، وقعدنا نجهز حاجتنا وندعي ربنا يتقبل مننا.
وفعلًا سافرنا، وكانت أيام جميلة، وكل واحدة فينا رجعت وهي شايلة معاها ذكريات كتير وهدايا لأهلها وقرايبها.
وقبل ما ننزل من السعودية، جوزي كان مجهز لنا هدايا عشان لما نرجع نستقبل الناس.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات… اشترى كرتونة كبيرة تمر مغلف، وعبوات مية زمزم، وسبح، وسواك، وقاللي
دي تتوزع على الناس اللي هييجوا يباركولكم، خدي بالك منها.
حكايات_مني_السيد
كنت مبسوطة جدًا، وخصوصًا إني كنت متخيلة منظر الناس وهي داخلة علينا، وأنا بقدم لكل واحد هدية بسيطة من هدايا العمرة. وصلنا مصر، وأول ما دخلنا البيت، حماتي بدأت ترتب حاجتها. وبمنتهى الهدوء، أخدت كرتونة التمر وحطتها عندها، وبعدها لمّت جزء من السبح والسواك، وقالت
أنا هخلي الحاجات دي عندي لحد ما نشوف هنعمل فيها إيه.
مكنتش واخدة بالي من حاجة، فقلت لها حاضر يا ماما.
لكن تاني يوم بدأت الزيارات. واحدة تيجي تسلم، وواحد يبارك، وقرايب وجيران يدخلوا البيت فرحانين برجوعنا من العمرة. كنت محرجة جدًا إني أقعد قدامهم من غير ما أقدم لهم حاجة.
نزلت لحماتي وقلت لها يا ماما، هاتيلي شوية من التمر والسبح والسواك عشان أوزعهم على الناس اللي جاية تسلم عليا.
بصتلي بمنتهى الهدوء وقالت لأ.
افتكرتها بتهزر، فضحكت وقلت لأ ليه يا ماما؟ ما جوزي جايبهم عشان يتوزعوا.
ردت أنا هوزعهم بطريقتي.
اتصدمت و قلت لها طب ما نقسمهم بينا، إنتِ تاخدي جزء وأنا أخد جزء.
قالت لأ، أنا النص مش هيكفيني.
اتصلت بجوزي وحكيتله اللي حصل، فقاللي خدي نص الحاجات وسيبي لماما النص.
وفعلًا كلمها قدامي وقالها يا ماما اديها نص التمر والسبح والسواك.
لكن ردها كان صريح لأ يا ابني، النص مش هيكفيني.
جوزي سكت لحظة، وبعدها قاللي خلاص لما أنزل هجيبلك غيرهم.
قفلت وأنا متضايقة، لكن قلت لنفسي خلاص مش مستاهلة.
بعدها بساعات، حماتي وحمايا نزلوا للدكتور، وقبل ما تخرج حماتي دخلت وقفلت الباب، لكنها كالعادة سابت المفتاح في الباب.
وقتها بصيت ناحية شقتها وفكرت في الناس اللي لسه هتيجي.
نزلت بهدوء.
دخلت شقتها، ولقيت قدامي كرتونة التمر، وجنبها السبح والسواك، وعبوات مية زمزم.
وقفت لحظة طويلة. كنت عارفة إن اللي هعمله ممكن يقلب البيت كله لكن في الآخر أخدت الكرتونة وكل هدايا العمرة اللي جوزي كان جايبها للتوزيع وطلعت.
ولما حماتي رجعت وشافت اللي حصل، صوتها علي جدًا
إنتِ نازلة تسرقيني؟!
رديت عليها أسرقك إيه يا ماما؟ دي حاجات جوزي جايبها عشان نوزعها، وأنا أولى بحاجة أوزعها على ضيوفي، ولما جوزي ينزل يجيب لحضرتك غيرها.
مسكت التليفون واتصلت بجوزي. وبعد ثواني، موبايلي رن.
جوزي…. رديت، فسمعته بيقول بعصبية
إنتِ عملتي إيه مع أمي؟! امشي عند قرايبك حالًا لحسن هنزلك من البيت!
بصيت للكرتونة قدامي، وقلتله أنا مش ماشية واللي إنتوا عاوزينه اعملوه.
قفلت المكالمة…
لكن اللي معرفتوش وقتها
إن حماتي ما كانتش بتتمسك بالهدايا عشان التمر ولا السبح ولا السواك….كان عندها سبب تاني خالص
والسبب ده كان متعلق بحاجة جوزي نفسه كان مخبيها عني.
وبعد أقل من ساعةسمعت خبط عنيف على باب شقتي.
ولما فتحت الباب اتجمدت مكاني لما شفت مين واقف قدامي، وإيه اللي كان ماسكه في إيده ووو!!!!
حكايات_مني_السيد
لما فتحت الباب، مكنتش قادرة أستوعب المشهد اللي قدامي. اتسمرت في مكاني، وعينيا كانت مبرقة برهول وذهول مش قادرة أوصفه. كان واقف قدامي جوزي نفسه!
بشحمه ولحمه، ووشه شاحب زي الأموات، وعينيه طايرة من القلق والغضب في نفس الوقت. جوزي اللي المفروض إنه في السعودية، اللي لسه قافل معايا السكة من أقل من ساعة، واقف أدام عيني على عتبة الشقة، ولابس هدوم سفر ومبهدل، وفي إيده شنطة جلد سودا صغيرة، ماسكها بكل قوته وعروق إيده ناطرة كأنه خايف حد يخطفها منه.
أنا لساني اتشل تمامًا. حسيت إن ريقي نشف، ومبقاش طالع مني ولا حرف. كنت ببص له وراسي بتلف، وعقلي عمال يضرب أخماس في أسداس إزاي ده هنا؟ سافر إمتى ونزل إمتى؟ وليه بيكلمني على التليفون كأنه هناك؟
وقبل ما أنطق حتى بكلمة، زقني جوه الشقة بكل عنف ودخل، وقفل الباب برجله وراه وتربسه، ووقف ساند ضهره على الخشب وهو بينهج كأنه كان بيجري في سباق، وأنفاسه عالية وسريعة تخلع القلب.
بصلي بنظرة كلها لوم وخوف وغل، وقال بصوت مكتوم وهو بيجز على سنانه فين الكرتونة؟ وديتي كرتونة التمر فين يا منار؟ انطقي عملتي فيها إيه؟ فتحتيها ولا لسه مقفولة؟
كنت لسه واقفة زي الصنم، مصدومة من وجوده أصلاً، ومش فاهمة ليه كل الرعب ده على شوية تمر وسواك. سألته بصوت بيرتعش عمران؟ أنت جيت إمتى؟ إزاي واقف هنا وأنت لسه قافل معايا؟ وفين شنطك؟
وإيه اللي جابك بالشكل ده؟
صاح في وشي وهو بيهزني من كتافي بغل، والشنطة السودا لسه متعلقة في دراعه التاني مش وقت أسئلتك الغبية دي خالص دلوقتي! جاوبي على سؤالي الكرتونة فين؟ حد مد إيده عليها؟ فرقتي منها حاجة؟ شوفتي
اللي جواها؟
رجعت خطوة لورا وأنا مرعوبة من شكله. عمره في حياته ما اتعامل معايا بالطريقة دي ولا شفته بالحالة دي من التوتر والجنون. شاورت بإيدي المرتعشة على ركن الصالة جنب ترابيزة السفرة، وقلتله أهي هناك أهي في الركن، ملمستهاش والله غير لما طلعتها، ومحدش جه لسه كنت مستنية الناس تيجي عشان أفتحها وأوزع منها.
أول ما عينه وقعت على الكرتونة، حسيت إنه اتنفس الصعداء، كأن روحه ردت فيه فجأة، لكن في نفس الوقت فضل التوتر مسيطر عليه تمامًا.
جرى عليها زي المجنون، قعد على ركبه في الأرض، وبدأ يتفحص اللزق والسلوتيب اللي مقفول بيه الكرتونة بدقة مريبة، بيمشي صوابعه على الحواف ويتأكد إن مفيش شق في الكرتون ولا السلوتيب متفكك من أي حتة.
في اللحظة دي، سمعت صوت دبة رجلين طالعة على السلم بسرعة، وبعد ثواني الباب بتاع الشقة بدأ يترزع عليه بإيدين بتخبط بعنف، وصوت حماتي بيجلجل في العمارة افتح يا عمران! افتح يا ابني قبل ما تفضحنا، افتح وشوف المصيبة اللي مراتك كانت هتودينا فيها!
عمران قام مفزوع، وفتح الباب بسرعة وسحب أمه لجوه وقفل تاني بالترباس.
حماتي دخلت وهي بتنهج، طرحتها معوجة ووشها أحمر من كتر الانفعال، وبصتلي بكره وغيظ عمري ما شفتهم في عيونها طول السنين اللي فاتت، وقالت لابنها بصوت بيهز الشقة شوفت؟ شوفت الغبية عملت إيه؟ نزلت شقتي واستغفلتني وسرقت الحاجة من ورا ضهري! لو كانت فتحت الكرتونة قدام حد من الناس ولا الجيران، كانت هتبقى سيرتنا على كل لسان وفضحتنا في المنطقة كلها!
أنا هنا حسيت إن عقلي هيفوت مني. وقفت في نص الصالة، بصيت لعمران وبصيت لحماتي، وصرخت فيهم هو في إيه بالظبط؟ أنتوا اتجننتوا؟ فضيحة إيه وتمر إيه وسرقة إيه؟ أنا نزلت أخدت حق جوزي جابه عشان نوزعه في عمرتنا!
إيه الجريمة في شوية بلح وسواك ومية زمزم؟ وليه أنت نازل من المطار مستخبي كده من غير ما تقولي إنك نازل مصر أصلاً؟ فهّموني في إيه بدل ما ألم عليكم الناس وأسيب البيت ده وأمشي!
حماتي ردت عليا باستهزاء تلمي مين يا أم لسان طويل؟ ده أنتي لو شوفتي البلاوي اللي كنتي هتوزعيها على الناس، كنتي حطيتي راسك في الطين ومرفعتيهاش ليوم الدين!
عمران قاطعها بزعيق بس يا ماما، اسكتي خالص! مش وقته الكلام ده، إحنا لازم نتصرف دلوقتي وقبل الصبح. بصلي عمران وعينيه كلها شرار وقال أنتي متعرفيش أنتي هببتي إيه بحركتك دي.
أنتي مش بس بوظتي اتفاق كبير، أنتي كنتي هتودينا ورا الشمس كلنا! الكرتونة دي مكنش المفروض تطلع من شقة أمي خالص، ولا كان ليكي دعوة بيها!
قلتله وأنا بصرخ بدموع القهر ولما هي مكنش ليا دعوة بيها، بعتهالنا مع بعض ليه؟ وقولتلي دي هدايا العمرة ليه؟ ليه عملتني مغفلة وخلتني أروح وأجي وأنا فرحانة بزيارة بيت ربنا، وفي الآخر طالع بتخبي عني وبتعاملني كأني غريبة ولا عدوتك؟ هو التمر ده فيه إيه بالظبط؟ فيه دهب متهرب ولا فيه مصيبة؟ انطق يا عمران!
قربت من الكرتونة ووطيت عشان أفتحها بإيدي وأشوف بنفسي إيه الحكاية، لكن عمران لمح حركتي فجأة، وهجم عليا زي الأسد، شدني من دراعي بقسوة لدرجة حسيت إن عضم كتفي هيتخلع، ورزعني على الكنبة وقال بصوت جهوري إياكي تلمسيها! قولتلك إياكي تلمسيها!
