منوعات

جوزى بعتلي انا وحماتي زيارة

أنا سمعت كلامها، وبصيتلها بذهول مش قادرة أصدقه. الست اللي كانت من كام ساعة بتدعي في الكعبة، مستعدة تلبسني مصيبة عمرها وتضيع حياتي كلها في ثانية، عشان بس تبري ابنها المجرم! بصيت للظابط ولساني كان هيتفلت، بس الظابط رفع إيده لحماتي وقالها بقرف: “اخرسي يا ولية، بدل ما تاخدي تهمة تستر وتضليل كمان فوق نصيبك. أنتي فاكرانا نايمين على ودانا؟ إحنا راصدين تليفون ممدوح من تلات شهور، وعارفين كل مكالمة دارت بينه وبين ابنك من ساعة ما اتفقوا على الصفقة دي هناك لحد ما ركبتوا الطيارة.”

الظابط التفت ناحية الباب، وقال بصوت عالي: “هات ممدوح يا ابني من البوكس تحت!” بعد دقيقتين، طلع عسكري ساحب راجل متكلبش، لابس قميص مقطع، وشه وارم ومتبهدل، أول ما عمران شافه، صرخ فيه: “ممدوح! أنت اللي أرشدت عني؟ أنت اللي بعتني يا واطي؟” ممدوح تف على الأرض وقال بحدة وغل: “أنا مبعتش حد يا روح أمك! البوليس كان كابس عليا تحت العمارة أول ما ركنت عربيتي، تليفوني كان متراقب من الأصل، وأنت بغبائك لما اتصلت بيا وقولتلي إن الكرتونة طلعت الشقة فوق فضحت الدنيا وسهلت عليهم يمسكونا متلبسين في ثانية!”

الظابط شاور للعساكر يخرسوه، وبعدين التفت ليا أنا. قرب خطوتين، وبص لملامحي الشاحبة ولطرحتي اللي كانت على راسي، وسألني بصوت أهدى بكتير من اللي كلم بيهم عمران: “أنتي اسمك منار؟” هزيت راسي وأنا برتعش، ودموعي بتنزل شلال: “أيوه يا فندم… أنا منار.” سألني: “كنتي عارفة حاجة عن اللي جوه الكرتونة دي؟” قبل ما أرد، حماتي صرخت تاني: “عارفة يا بيه، دي مني عشان…” الظابط بصلها بحدة خلتها تبلع لسانها ومترفعش عينها من الأرض، ورجع بصلي وقالي: “اتكلمي يا منار، قولي الحقيقة كاملة.”

مسحت دموعي بإيدي اللي بتترعش، وحكيتله كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم، حكيتله عن السفرية، وعن فرحتي بالعمرة، وعن الهدايا اللي عمران قالنا نوزعها على الناس اللي تباركلنا، وعن خناقتي مع حماتي الصبح لما رفضت تديني نص الكرتونة أفرق منها على ضيوفي، ولما نزلت أخدتها عشان أوزع على الناس وأنا فاكراها تمر وسبح بجد، لحد ما عمران دخل الشقة من أقل من ساعة بالشنطة السودا وكشفلي الحقيقة المقرفة دي كلها. الظابط كان بيسمع وهو بيهز راسه بتركيز، وفي الآخر قال للشاويش اللي واقف جنبه: “افتح التسجيل يا ابني بتاع مكالمة منار وعمران الصبح.”

الشاويش طلع تليفون وشغل مكالمة متسجلة، كان صوتي وأنا بعيط وبقول لعمران: “يا عمران كلم مامتك تديني نص التمر والسبح عشان الناس اللي جاية تبارك”، وصوت عمران وهو بيقولي: “سيبيها لماما وخلاص ولما أنزل هبقى أجبلك غيرها.” الظابط قفل التسجيل، وبص لعمران وقال: “تسجيلات الرقابة واضحة ومثبتة إن الزوجة مكنش عندها أدنى فكرة عن محتوى الشحنة، ولا كانت طرف في أي اتفاق بينك وبين شبكة التهريب. لكن أنتوا استغليتوها واستغليتوا سفرها كستارة عشان تعدوا بيها من الجمارك، ودي لوحدها جريمة تانية هتتحاسبوا عليها.”

عمران قعد على الأرض، حط راسه بين ركبه وفضل ييعيط وينتحب زي الأطفال: “يا باشا أنا اتورطت… كان عليا ديون هتخليني أتسجن هناك ومكنتش شايف قدامي حل تاني، أبوس إيدك يا باشا ضيعت نفسي وضيعت بيتي!” حماتي بدأت تصرخ وتستعطف الظابط: “يا بيه ارحمه عشان خاطري، ده ابني الوحيد، خودني مكانه وسيبه هو يعيش!” الظابط مردش على أي حد فيهم، وشاور للعساكر: “شيلوا المضبوطات دي كلها بحرز رسمي، وحطوا الكلبشات في إيد الاتنين وخدوهم على النيابة فوراً.”

العساكر سحبوا عمران وحماتي وطلعوهم بره الشقة، وعمران بيبصلي بكسرة وندم، وكان بيترجاني بنظراته إني أسامحه أو أقف جنبه، بس أنا وقفت مكاني زي الصخر، عيني مفيهاش أي شفقة ولا ذرة تعاطف لإنسان كان مستعد يرميني في نار جهنم عشان ينقذ رقبته من غلطاته. الظابط وقف قدامي دقيقة قبل ما يمشي، قالي: “أنتي يا منار هتيجي بكرة الصبح سرايا النيابة تدلي بأقوالك كشاهدة إثبات في القضية، وتقدري تجيبي معاكي محامي من طرف أهلك عشان الإجراءات، متقلقيش، حقك وسمعتك برة اللعبة دي تماماً والتسجيلات كلها في صالحك.”

قلتله بصوت مهدود: “شكراً يا فندم… ربنا يظهر الحق.” خرجوا كلهم، والباب اتسد وراهم، وفضل حس السارينات يبعد شوية بشوية من الشارع لحد ما ساد الهدوء التام في البيت، ورجع النور ييجي فجأة، لينور الصالة الفاضية المكركبة.

قعدت على الأرض في نفس المكان اللي كانت مرمية فيه الكرتونة. بصيت حواليا على الشقة اللي ياما حلمت إني أفرشها وأعيش فيها مستورة ومبسوطة مع الراجل اللي اختاره قلبي. بصيت على بقايا سبحة مقطوعة خرزها مفرط في الأرض، وعلى إزازة مية زمزم صغيرة كانت مرمية جنب الحيطة. مديت إيدي ومسكت إزازة المية، فتحتها وشربت منها بوق، وحسيت بميتها بتنزل تبل ريقي الناشف وتطفي النار اللي في صدري. رفعت عيني للسقف ودعيت ربنا من كل قلبي: “الحمد لله يا رب… الحمد لله إنك كشفتهم قبل ما أوزع البلاوي دي بإيدي وألبس مصيبتهم… الحمد لله إنك نجيتني من مكرهم.”

قومت من مكاني، دخلت أوضتي، طلعت شنطة هدومي الكبيرة اللي كنت لسه جاية بيها من السفر، ومفتحتهاش، حطيت فيها كل حاجة تخصني من دهب وأوراق وشهادات وهدوم. مسبتش فتلة واحدة في البيت ده تفكرني بيهم. مسكت تليفوني، واتصلت بأخويا الكبير. أول ما سمع صوته قولتله: “تعالالي يا أحمد دلوقتي حالا بعربيتك عند بيت عمران… متسألش عن حاجة غير لما تيجي، عشان تاخدني ومش راجعة البيت ده تاني أبداً.”

تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية، وكنت واقفة قدام مبنى النيابة وبابا وأخويا واقفين في ضهري زي الجبل. دخلت قدام وكيل النيابة، وقولت كل اللي حصل بمنتهى الأمانة والوضوح، وأثبتوا رسمي في المحضر إني ضحية استغلال ومكنش ليا أي علم بشيء، وخرجت من باب النيابة وأنا رافعة راسي، حرة ونضيفة زي ما دخلت حياتهم بالظبط. عمران وحماتي وشبكة التهريب كلها اتحالوا لمحاكمة عاجلة، والقضايا كانت تقيلة ومفيهاش فكاك. أما أنا، فرفعت قضية طلاق للضرر، وخدت كل حقوقي القانونية، وسبت ورايا صفحة سودة كنت فاكراها حياة، وعرفت إن ستر ربنا عليا في كرتونة التمر دي كان

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى