نخليه هو اللي يجري ويلهث ويجيب المشتري، ويحط كل مجهوده في الصفقة دي. طب وبعدين؟ ده خطر! مفيش خطر طالما الورق في إيدينا. مامتك متعملش أي توكيل بيع وشراء لأحمد إطلاقاً تحت أي مسمى، البيع ميتمش إلا بحضورها وبحضور محامي من طرفنا، وفلوس البيع متتحولش على حساب أحمد، والشرط الأكبر، إننا نوثق كل محادثة بيحاول فيها يقنعها بإنه ياخد فرق الفلوس. هل عند مامتك تليفون يسجل المكالمات؟ أمي تليفونها قديم، سامسونج صغير. ننزل نشتريلها النهاردة موبايل كويس وبخط جديد، وتفهميها إن كل قعدة مع أحمد في الصالون، الموبايل ده هيكون محطوط في جيب الروب بتاعها وبيسجل.
محتاجين اعتراف صريح منه إنه هياخد الفلوس يشغلها أو هيحطها في حسابه عشان يجيب شقة تانية، محتاجين نثبت النية التدليسية.
خرجت من عند نهى وحاسّة إن عقلي بيفكر زي الشطرنج، الوجع بدأ يركن على جنب، ومكانه جه إصرار غريب إني مش بس هحمي أمي وابني، أنا هرجع حقي مليم مليم من الراجل ده ومن أمه اللي واقفة في السوق تتفاخر بخراب البيوت ونهب الأيام.
عديت على سنترال واشتريت موبايل بإمكانيات صوت عالية وبطارية تقعد يومين، ونزلت على الهرم عند أمي. دخلت الشقة القديمة، الشقة اللي عشت فيها طفولتي، ريحة البخور وريحة الخشب القديم وصور أبويا الله يرحمه على الحيطة.
أمي كانت قاعدة على الكنبة بتسبح، أول ما شافتني قامت مخضوضة ودموعها في عينيها مريم! بنتي، في إيه؟ مكالمتك إمبارح طيرت النوم من عيني، هو أحمد بيعمل إيه؟ قعدت عند رجليها ومسكت إيديها اللي بتترعش، حكيت لماما كل حاجة بهدوء، من غير ما أهول عشان ضغطها ميعلاش، بس فهمتها حجم المصيبة. أمي حطت إيدها على صدرها وهي بتنهج يالهوي يا بنتي! أحمد اللي كنت بعتبره زي ابني؟! ده لسه أول إمبارح جايبلي قفص فاكهة وقاعد يدلكلي رجلي ويقولي يا أمي متشيليش هم الشقة دي أنا هجيبلك مكان واسع وفيه أسانسير يريح ركبك! للدرجة دي الناس بتتلون؟!
وأكتر من كده يا ماما، بس اسمعيني كويس. هو هيجيلك النهاردة، وإنتي هتعملي اللي هقولك عليه بالحرف.
علمت أمي إزاي تدوس على زرار التسجيل في الموبايل الجديد، وحطيته في جيب الجلابية الداخلي، وظبطت الصوت عشان يلقط بوضوح. قولت لماما هتقوليله يا أحمد،لشقة دي تسوى مش أقل من تلاتة مليون، لو جبتلي شقة بمليون ونص في حتة هادية، الباقي هنعمل بيه إيه؟ اسمعي رده كويس يا ماما، وسيبيه هو اللي يقترح عليكي فكرة إنه ياخد الفلوس يشتري بيها شهادات أو يحطها في حسابه عشان يزودها، خليه يتكلم براحته.
سيبت أمي ورجعت على بيتي قبل ميعاد رجوع أحمد ويوسف، كنت عايزة أحمد يروح لأمي وأنا مش هناك عشان ياخد راحته في الكلام وميشكش في حاجة.
الساعة كانت حوالي خمسة المغرب لما رن جرس الباب، كان يوسف راجع من الجامعة، دخل ورمى شنطته ماما، ريحة البيت قهوة وبس، مفيش غدا ولا إيه؟ بصيت لابني، لطوله ولوسامته، للولد اللي شقيت عليه تمنتاشر سنة من بعد وفـ,ـاة أبوه، الولد اللي أحمد كان بيستكتر عليه قرش متوفر لمستقبله ويقول ابن راجل تاني. قربت منه وباسته في راسه بحنية معرفش يوسف سببها حالا يا حبيبي هسخنلك الأكل، كان عندي شوية مشاوير بس.
مالك يا أمي؟ وشك مرهق أوي. مفيش يا حبيبي، صداع خفيف بس.
على الساعة سبعة بالليل، رن تليفوني. كان أحمد. رديت بصوت عادي جداً ألو، إيه يا أحمد اتأخرت ليه؟ معلش يا حبيبتي، أنا عند مامتك أهو لسه، قعدت معاها شوية وكان عندها شوية طلبات نزلت جبتها لها، والست طيبة أوي وقعدت تحكي معايا. طيب ربنا يخليك ليها، هتيجي تتعشى؟ مسافة السكة وجاي.
بعد ما قفل، جتني رنة تانية من رقم أمي. رديت بسرعة وبلهفة ماما؟ مشي؟ مشي يا مريم… وسجلت كل كلمة! قلبي دق بعنف قالك إيه يا ماما؟ زي ما توقعتي بالظبط.
قالي يا حماتي، الشقة القديمة دي متجبش تلاتة مليون كاش دلوقتي، السوق نايم، بس هو لقى زبون مستعد يدفع اتنين مليون وسبعمية، وهيجيبلي شقة تانية في حدائق الأهرام بمليون وربعمية ألف، والمليون وتلتمية الباقيين قالي بالحرف يا أمي إنتي كبيرة وملكاش في البنوك والضرايب ووجع الدماغ، المبلغ ده هحطه في وديعة بإسمي عشان أطلعلك فوايدها كل شهر تعيشي منها ملكة ومتحتاجيش مليم من حد، ومريم بنتك متقوليلهاش عشان متقعدش تقلق وتفتح أبواب مصاريف، إحنا نعملها لها مفاجأة!
دمي غلي في عروقي.
كان بيخطط ياخد المليون وتلتمية ألف يكمل بيهم شقة بنته دينا، ويسيب أمي تاخد فتافيت أو يمكن بعد شوية يقطع عنها كل حاجة بحجة إن البنك فيه مشاكل، ويحط أمي في شقة بعيدة عني ويتحكم فيها وفي فلوسها!
التسجيل واضح يا ماما؟ واضح جداً يا بنتي، صوته زي القرش في التسجيل. تمام يا أمي، امسكي التسجيل ومتمسحيش حاجة، وبكرة الصبح هعدي آخده منك.
أحمد رجع البيت وشكله مبسوط جداً ومنتعش، دخل وهو بيصفر، وطلب شاي وقعد في الصالة يفرك إيديه في بعض كأنه مقبل على صفقة العمر. بصلي وقال مريم، تفتكري لو دينا بنتي اتجوزت قريب، المفروض نساعدها بإيه؟
بصيتله وأنا بقدم له كباية الشاي نساعدها باللي نقدر عليه يا أحمد، بس إنت عارف إن مدخراتنا كلها شايلاها لمستقبل العيال، وإحنا يدوب معانا الفلوس اللي شايلاها في الحساب عشان يوسف لما يتخرج ونجهز له حاجة. وشه اتغير شوية بس حاول يداري ما هو يوسف لسه قدامه سنتين جامعة يا مريم، وبعدين يوسف راجل يعتمد على نفسه، إنما دينا بنت وضعيفة ومحتاجة ضهر. ويوسف مش ابنك برضه يا أحمد ولا إيه؟ مش ده اللي بتقوله دايماً؟ سكت ثواني وبص في الكباية طبعاً يا مريم… طبعاً ابني، بس إنتي عارفة الظروف. عموماً الفلوس في البنك بأمان، وربنا يسهل لما ييجي وقتها.
تاني يوم الصبح، نهى طلبت مني نروح البنك. رحنا البنك الأهلي اللي فيه الحساب المشترك. طلبت كشف حساب مفصل لآخر تلات شهور مختوم بختم البنك. الموظف طبع الكشف، وبصيت للأرقام… الرعب الحقيقي ظهر على الورق. الحساب اللي كان فيه اتنين مليون وتلتمية ألف جنيه، متبقيش فيه غير تمانين ألف جنيه بس! أحمد سحب في الأول ٥٠٠ ألف، وبعدها بأسبوع سحب ٤٨٠ ألف نقدي، وحول لماما سعاد ٨٠٠ ألف جنيه على دفعتين، وحول لحسابه الشخصي المنفصل باقي المبالغ على فترات متباعدة.
كل ده في خلال شهرين، في الوقت اللي كان بيجيلي فيه البيت يقولي الأسعار غليت يا مريم، لازم نقتصد شوية في مصاريف البيت!
نهى بصت لكشف الحساب، وابتسمت ابتسامة باردة حلو أوي، التحويلات لحساب والدته دي إثبات دهب. التحويلات البنكية دي بتثبت حركة الأموال وخروجها من الوعاء المشترك للغير بدون وجه حق تجاري أو التزام مدني، وده بيقوي موقفنا جداً في دعوى استرداد أموال وتبديد، بس مش هنتحرك بيها دلوقتي، لسه مشهد النهاية متقفلش. والمشهد إيه يا نهى؟ أحمد هيكلم مامتك يحدد ميعاد مع المشتري لكتابة العقد المبدئي ودفع العربون، إحنا هنسيبه لحد ما يوصل للمرحلة دي بالظبط.
وفعلاً، بعد تلات أيام، أحمد جالي البيت وهو مش سايعاه الفرحة مريم! مامتك باركت خلاص، لقيتلها بيعة لقطة للشقة، اتنين مليون وستمية وخمسين ألف كاش، والمشتري هيدفع عربون ٢٠٠ ألف بكرة في شقة مامتك، والمتبقي عند كتابة العقد النهائي بعد أسبوع في الشهر العقاري! عملت نفسي مخضوضة بجد يا أحمد؟! وماما وافقت؟! وافقت يا ستي، مش بقولك مامتك بتثق فيا؟ أنا رتبت كل حاجة، وهنروح بكرة الساعة ٦ المغرب نكتب العقد الابتدائي مع المشتري، وقايل لمامتك إنك هتكوني معانا عشان تطمني. طبعاً هاجي، دي شقة أبويا وشقة أمي، لازم أكون موجودة.
في الليلة دي، مريم القديمة كانت بتمـ,ـوت، والست اللي مش بتسمح لحد يدوس على كرامتها وحق ولادها كانت بتولد من جديد. نسقت مع نهى كل خطوة، واتفقت مع اتنين محامين من زمايلها يكونوا موجودين تحت البيت في الوقت المحدد.
تاني يوم، الساعة جت ستة إلا ربع. كنت أنا وأحمد في تاكسي رايحين على الهرم. أحمد كان لابس أحسن بدلة عنده، وشايل شنطة أوراق جلد شيك، عمال يتصل بأمه في الموبايل ويبعتلها رسايل، وأنا جنبه شفت طرف رسالة منها أول ما العربون يتدفع، خود مريم واخرجوا واقفل مع الراجل لوحدك عشان متشوفش الفلوس.
وصلنا عمارة ماما.
طلعنا في الأسانسير القديم، فتحت ماما الباب، وكانت لابسة إسدالها وقاعدة هادية بشكل غريب. بعد خمس دقايق، رن الجرس، ودخل المشتري، راجل محترم ومعاه سمسار. قعدوا في الصالون، وأحمد كان متصدر المشهد، بيتكلم كأنه صاحب البيت، كأنه الآمر الناهي أهلاً يا حاج، نورت، إحنا اتفقنا على اتنين مليون وستمية وخمسين، العربون ٢٠٠ ألف، والباقي شيك مقبول الدفع عند التسجيل والتسليم. المشتري طلع ظرف كبير فيه الفلوس وحطه على الترابيزة تمام يا أستاذ أحمد، وده عقد الاتفاق المبدئي، بس مين اللي هيمضي؟ الحاجة أمينة صاحبة الملك طبعاً.
أحمد أخد القلم وابتسم، وبص لأمي اتفضلي يا أمي امضي هنا، وأنا هستلم العربون أشيله في الحفظ والصون عندي في الخزنة لحد ما نخلص باقي الإجراءات.
أمي مدت إيدها ومسكت القلم، وفجأة سابت القلم على الترابيزة وبصت لأحمد طب وبالنسبة للمليون وتلتمية ألف يابني؟ هتحطهم في الوديعة اللي قولتلي عليها بإسمك برضه؟
وش أحمد جاب ألوان، بص لأمي بسرعة وبصلي وهو مرتبك جداً إيه يا أمي الكلام ده دلوقتي؟ نبقى نتكلم في الحاجات العائلية دي بعدين، المشتري مستعجل.
وقفت أنا من مكاني. الصوت كان هادي جداً، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الصريخ. لا يا أحمد، نتكلم دلوقتي.
المليون وتلتمية دول اللي هتاخدهم من شقة أمي، هتحطهم مع المليون ونص اللي سحبتهم من حسابنا عشان تشتري شقة مدينة نصر لدينا بنتك؟
الصالة اتقلب فيها الهوا لتلج. المشتري والسمسار بصوا لبعض، وأحمد قام وقف، وشه بقى أحمر زي الدم، وعينيه بقت تدور في الأركان مريم! إنتي اتجننتي؟! إيه التخاريف دي؟! إنتي بتقولي إيه قدام الناس الغريبة؟!
طلعت من شنطتي فايل بلاستيك ورزعته على الترابيزة قدام المشتري وقدامه التخاريف دي هي كشوفات حساب البنك الأهلي، اللي بتثبت إنك سحبت مليون وسبعمية ألف جنيه من شقايا وتعب سنيني وحولتهم لحساب أمك سعاد وحسابك الشخصي.
والتخاريف دي كمان هي التسجيل الصوتي اللي سجلتهولك أمي وإنت بتقنعها تبيع بيتها وتديك باقي الفلوس بحجة الوديعة عشان تسرقها هي كمان!
أحمد اتسمر، بص لأمي اللي كانت بتبصله بقرف، وبص للفايل، صوته بدأ يتهز إنتي… إنتي بتجسسي عليا؟ أنتي بتعملي فيا أنا كده؟! أنا اللي بعمل فيك؟! إنت اللي جيت على ابني، وقولت لأمك ده ابن راجل تاني ومش ملزم بيه، إنت اللي جيت على الست الكبيرة دي وكنت عايز ترميها في الشارع وتاكل حقها، وجاي تقولي بتجسس عليك؟!
المشتري مسك فلوسه وسحب الظرف بسرعة من على الترابيزة وقال وهو بيتراجع للباب يا جماعة ربنا يصلح حالكم، إحنا ناس ملناش في المشاكل دي، البيعة دي ملغية وربنا يعوض عليكم. خرج المشتري والسمسار وقفلوا الباب وراهم، وفضلنا إحنا التلاتة في الصالون.
أحمد انهار، وبدأ يتنرفز ويقرب مني ورقة البنك دي هتبليها وتشربي ميتها! ده حسابي ومن حقي أسحب منه! وأنا مغلطتش، بنتي أولى من الغريب، وإنتي ملكيش مليم عندي، ولو فتحتي بؤك هطلقك وأسيبك على الحديدة إنتي وابنك!
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح بمفتاح احتياطي، ودخلت نهى ومعاها المحضر ومحامي تاني، نهى كانت شايلة أوراق رسمية وبصت لأحمد بنظرة كلها ثقة وقالت تطلق مين يا أستاذ أحمد؟ دي مدام مريم هي اللي رفعت ضدك النهاردة الصبح قضية تبديد أموال مشتركة، وإنذار على يد محضر للحجز التحفظي على حساباتك وحسابات والدتك الست سعاد، ده غير بلاغ رسمي للأموال العامة مدعم بالتسجيلات الصوتية وكشوفات حركة الأموال.
أحمد رجع خطوة لورا، وبص للتسجيلات اللي طلعتها نهى، حس إن الأرض بتتهز تحته، كل شبكة الأكاذيب اللي بناها وقعت فوق دماغه في لحظة واحدة.
قربت منه، وبصيت في عينيه من مسافة سنتيمترات، قولتله بصوت واطي ومسموع الفلوس اللي راحت لأمك هترجع بالقرش، وبنتك شقتها اللي في عين شمس هتقعد فيها ومش هتشوف غيرها، أما إنت… فمن اللحظة دي ملكش مكان في بيتي، ولا ليك ابن اسمه يوسف، واعتبر تمن سنين اللي عشتهم معايا كأنهم مـ,ـاتوا وادفـ,ـنوا النهاردة.
أحمد فضل باصصلي وهو مذهول، مش مستوعب إن الست الطيبة الهادية اللي كان بيستغفلها، هي اللي حفرتله الحفرة ورمته فيها بالقانون وبالأدب ومن غير ما تعلي صوتها في الشارع.
سيبته واقف في مكانه مصدوم، ومسكت إيد أمي وبوستها، وأنا عارفة إن المعركة لسه مخلصتش، بس الضـ,ـربة الأولى كانت في مقـ,ـتل، واللعبة اللي بدأوها بخبث… انتهت فصولها الأولى بشروق الحقيقة.
الجزء الثالث والأخير
فضل أحمد واقف في وسط صالون بيت أمي، وشه مخطوف كأن الدم هرب من عروقه كلها مرة واحدة. الورق اللي رمته نهى على الترابيزة كان ليه صوت أعلى من صوت أي خناقة. الأختام الزرقا بتاعة المحكمة، وإشعار الحجز التحفظي، واسم أمه سعاد اللي مكتوب في عريضة الدعوى… كل ده خلى جبروته اللي كان داخل بيه يتبخر في ثواني.
مريم… إنتي بتهزري صح؟ ده لعب عيال، انتي فاكرة الورقتين دول هيخوفوني؟ أنا جوزك! قالها وهو بيحاول يستجمع شوية من ثقته الميتة، بس صوته كان بيتهز وريقه ناشف.
ردت عليه نهى بابتسامة محامي باردة، وهي بتعدل نضارتها ده مش لعب عيال يا أستاذ أحمد، دي دعوى خيانة أمانة وتبديد أموال مشتركة، مرفقة بشهادات تحويلات بنكية موثقة من الحساب المشترك لحساب الوالدة، ومعاها جنحة تدليس ونصب بموجب التسجيلات اللي بتثبت نيتك للاستيلاء على أموال والدة موكلتي بغير وجه حق. الحجز التحفظي صدر أمره النهاردة، وبكرة الصبح كل بنك في مصر عنده حساب لسعاد هانم أو لحضرتك هيكون مجمد لحد ما المحكمة تفصل.
أحمد بصلي، وعينيه كانت بتدور في الصالة زي الفار المحبوس مريم! اتكلمي! إنتي هتفضحينا عشان شوية فلوس؟ أنا عملت إيه يعني؟! كنت بأمن مستقبل بنتي!
دينا دي مش يتيمة زي يوسف؟ مش كنت بعامل يوسف زي ابني؟!
أول ما نطق اسم يوسف، حسيت بنار ولعت في صدري، قربت منه ووقفت قدامه،
نظرة الضعف اللي كان متعود يشوفها في عيني لما كان يطلب فلوس أو يضغط عليا اتمسحت تماماً متجيبش سيرة يوسف على لسانك تاني أبداً! يوسف ابني مش يتيم وأنا عايشة، يوسف كان بيحبك بجد وبيعتبرك مثل أعلى، بس إنت طلعت أندل من إنك تكون أب لأي حد. بتستكتر عليه شقاي وتعب سنيني وبتقول لأمك ابن راجل تاني؟ الفلوس اللي في البنك دي عرق جبيني، مكافآت شغلي، ودهب أمي اللي بعته زمان، جايب الجراءة منين تاخدهم وتديهم لأمك عشان تجيب شقة في مصر الجديدة لبنتك؟! وكمان جاي تطمع في شقة الست دي؟!
أمي وقفت على رجليها، ورغم تعبها ووجع مفاصلها، وقفت بضهر مفرود وبصتله بعينين مليانة حسرة اطلع برة يا أحمد. اطلع برة بيتي. كنت فاكراك ابني البار، كنت بدعيلك في كل صلاة، وأقول ربنا عوض بنتي بعد سنين المرار، تطلع جاي تضحك عليا وتاخد سقفي اللي ساترني عشان تروح تراضي بيه أمك؟ ربنا ينتقم منك ومنها.
أحمد حاول يمسك إيدي مريم، اسمعيني بس، نقعد في بيتنا ونتفاهم، الكلام ده ميرضيش ربنا، البيوت مبتتخربش كده… نفضت إيده بقوة لدرجة إنه رجع لورا بيتنا؟ بيتي أنا ويوسف بس.
حاجتك كلها ملمومة في الشنط على باب الشقة هناك، ومفتاح الباب اتغير من الضهر، مترجعش تعتب العتبة دي تاني. ومسمعش صوتك غير عن طريق الأستاذة نهى.
أحمد مسك شنطته الجلد من على الترابيزة بغيظ هستيري، وشه اسودّ وبصلي بنظرة كلها حقد ورب الكعبة ما هسيبك! هندمك يا مريم، وهتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر، الفلوس دي بتاعتي، ومش هطولي منها مليم!
خرج ورزع باب الشقة وراه برزعة هزت الحيطان القديمة. في اللحظة دي، أول ما الباب اتقفل، حسيت برجلي مش شيلاني، قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بصعوبة.
أمي جت جنبي وحضنتني وبدأت تبكي حقك عليا يا بنتي، أنا السبب، أنا اللي وثقت فيه وخليته يطمع. لا يا ماما، إنتي مش سبب حاجة، ده واحد ملوش أمان، والحمد لله إن ربنا كشفه قبل ما الكارثة تكبر ونلاقي نفسنا في الشارع.
نهى قعدت قصادي وحطت إيدها على كتفي مريم، الضـ,ـربة وجعته، وأول رد فعل منه ومن أمه هيكون هجوم غبي، اسمعي مني وركزي في اللي جاي كويس أوي. سعاد مش هتسكت، وأحمد حس إن كل اللي بناه بيتهد، فإحنا لازم نكون جاهزين لكل كارت هيلعبوا بيه.
ما كدبتش نهى خبر. الساعة مكنتش كملت تسعة بالليل، وتليفوني مبطلش رن.
في الأول كانت اتصالات من أحمد، بعدها اتصالات من أرقام غريبة، ولما عملت بلوك، ظهر الرقم اللي كنت مستنياه حماتي سعاد. فتحت الاسبيكر وخليت نهى تسمع معايا.
صوت سعاد كان طالع زي الفحيح، مفيش فيه حتى نبرة السوقية الهادية اللي شفتها بيها في السوق ألو! يا مريم يا خطافة الرجالة، يا ناكرة الجميل! إنتي فاكرة نفسك مين عشان تحجزي على فلوس ابني وفلوسي؟ إنتي بتتبلي علينا يا حرباية؟ ده أنتي جيتي لابني بشنطة هدومك وابنك في إيدك، وهو اللي علاكي وخلاكي بني آدمة!