منوعات

وانا راجعة من الشغل دخلت اوضتي

في الثامنة صباحاً، كنت أقف أمام مكتب أستاذ “عبد المجيد”، المحامي العتيق الذي كان صديقاً لوالدي -رحمه الله-. دخلت عليه بملامح ثابتة ووجه خالٍ من أي آثار للدموع. أخرجت الأوراق من شنطتي، وضعتها أمامه على المكتب الزجاجي، وقصصت عليه كل شيء.. من ليلة المحاشي وخدمة سحر، لخبز الفطير في عز الحر لحماتي، وصولاً لكلمات شباك المنور التي قطعت الحبل الأخير. الأستاذ عبد المجيد نظّر للأوراق بنظاراته القريبة، ابتسم ابتسامة خفيفة فيها الكثير من الحكمة وقال:

“عقد الشقة صحيح ومسجل يا صابرين، وإيصالات الأمانة بتاعة فلوس ورثك ممضية من محمود ومصممة بدقة. وضعك القانوني زي الحديد.. بس عيلة جوزك مش سكتت، ومحمود مش هيسيبك تطلعي بالغنيمة دي بسهولة.” قبل أن أستفسر عن قصده، رن هاتف المكتب. رفعه الأستاذ عبد المجيد، واستمع لثوانٍ معدودة قبل أن تتبدل ملامحه إلى الجدية الشديدة. نظر إليّ وقال بصوت خفيض: “المحامي بتاع محمود لسه رافع عليكِ دعوى قضائية عاجلة.. وبلاغ في النيابة.” وقفت على قدميّ بلحظة: “بلاغ؟ بلاغ بإيه؟”

رد المحامي وهو يضع السماعة: “سحر أخت جوزك راحت القسم الفجر، وعملت محضر بتتهمك فيه بسـ,ـرقة مشغولات ذهبية ومبلغ مالي كبير من شقتها أثناء العزومة الأخيرة اللي كنتِ بتنضفي لها فيها.. ومحمود وأمه مقيدين شهادتهم معاه في المحضر، وبيطالبوا بالتمكين من الشقة بصفته الولي الطبيعي للأولاد، مع حظر تصرفك في أي ممتلكات لحين انتهاء التحقيق.”

سرت برودة مفاجئة في أطرافي.. الضـ,ـربة كانت خبـ,ـيثة، ومحـ,ـبوكة بدقة من سحر وحماتي. كانوا يعلمون أن السلاح الوحيد الذي يكسر الست الشـ,ـريفة هو طـ,ـعنها في أمانتها وسمعتها. أرادوا إيجادي بين جدران القسم، متهمة مكسـ,ـورة الجناح، لتسقط كل حقوقي وأتنازل عن الشقة وأوراق الملكية مقابل التنازل عن المحضر. وقف الأستاذ عبد المجيد وأخذ معطفه: “يلا بينا يا صابرين.. اللعب بقى على المكشوف، والناس دي مش فاهمة إن الصابر إذا غضب.. بيبطش.” في مركز الشرطة، كانت الأجواء خناقة مكتومة. في الممر العريض، كانت حماتي جالس على دكة خشبية ترفع يدها بالدعاء عليّ أمام الضباط والعساكر وتولول:

“يا نااااس.. طعمتها وسقيتها وعملتها هانم، وفي الآخر تسرق دهب بنتي وتطـ,ـردني من بيت ابني في نص الليل!” وكانت سحر واقفة بجوارها تتصنع البكاء والانهيار، ومحمود واقف بعيداً، يتهرب ببراق عينيه من مواجهتي، ووجهه مسودّ من الخزي. أول ما شافتني حماتي، صرخت: “أهي جات الحرامية! أهي القادرة اللي هدمت البيت!” لم أهتز، ولم أرفع صوتي. مشيت بخطوات واثقة بجوار الأستاذ عبد المجيد ودخلنا لمكتب رئيس المباحث. المقدم رئيس المباحث نظر إليّ بنظرة تفحصية، ثم فتح الملف أمامه وقال:

“يا مدام صابرين.. في بلاغ رسمي ضدك من المدعوة سحر بسرقة دهب بقيمة 300 ألف جنيه، ومبلغ مالي من أوضة نومها يوم العزومة، وشاهد على ده زوجك وحماتك.. إيه ردك؟” قبل أن أتكلم، قاطعني الأستاذ عبد المجيد بثبات: “يا فندم، البلاغ ده كيدي وواضح كالشمس. الموكلة تم طـ,ـرد زوجها وأمه من شقتها المملوكة لها بعقد مسجل يوم أمس، ورداً على ذلك قامت المشكو في حقها بتلفيق التهمة للضغط عليها للتنازل عن ممتلكاتها.” سحر دخلت المكتب فجأة وهي تصرخ:

“كذب يا بيه! الدهب كان في الدولاب وهي الوحيدة اللي دخلت أوضة النوم تنضف وتلمس حاجتي! دي كانت زي الشغالة في بيتي وتعرف كل جحر فيه!” هنا..لتفت إليها ببطء. كانت هذه أول مرة أنظر فيها لسحر بنظرة الخصم، مش بنظرة “صابرين المطيعة”. قلت لرئيس المباحث بصوت هادئ ومزلزل في نفس الوقت: “حضرتك يا فندم، أخت جوزي بتقول إن الدهب اتسرق يوم العزومة وقبل ليلة العزومة، صح؟” سحر ردت بسرعة واندفاع: “أيوه! يوم ما جيتي نضفتِ واستغليتي إني تعبانة وسرقتيه!”

بتسمت ابتسامة هادئة، وطلبت من الأستاذ عبد المجيد يخرج ملفاً صغيراً من شنطته. قلت للمقدم: “يا فندم.. سحر أخت جوزي عندها كاميرات مراقبة متوصلة بمدخل شقتها وعلى السلم لحماية شقتها، لأن جوزها بيسافر كتير. دي أول حاجة. ثاني حاجة.. ده هاتف موكلي، وعليه تسجيلات صوتية ورسائل واتساب بيني وبينها من ليلة العزومة.” سحر أتقطعت أنفاسها ووشها أصفرّ.

كملت كلامي بثبات: “في الرسائل دي، هي بتبعت لي الساعة 2 بالليل وتقولي: ‘يا صابرين افتحي كاميرا السلم والمدخل بصي على البواب طالع يعمل إيه’، وفي الرسائل الصوتية بتقول لي بالنص يوم العزومة الصبح: ‘يا صابرين تسلم إيدك الدهب والمجوهرات بتوعي أنا حطاهم في الخزنة وباب الخزنة مقفول، تعالي بس شيل المفتاح وحطيه في المطبخ عشان خايفة يضيع من الزحمة’.” شغّل الأستاذ عبد المجيد التسجيل الصوتي أمام الضابط. صوت سحر كان واضحاً جداً وهي بتقول بكل أريحية إن طقم الدهب محطوط في الخزنة المقفولة، وإنها بتبعت صابرين تجيب المفتاح من مكان محدد فقط!

الضابط بَصّ لسحر بنظرة نارية: “البلاغ المباشر بيقول إن الدهب كان في درج الدولاب المفتوح.. والتسجيل المباشر من تليفونك أنتِ يا مدام بتقولي فيه إن الدهب جوه الخزنة المغلقة اللي مفتاحها معاكي!” سحر ارتبكت ورجلها ما بقتش شايلاها: “أصل.. أصل أنا نسيت يا بيه.. أنا كنت فاكرة…” قاطعها رئيس المباحث بصرامة: “كنتِ فاكرة إيه؟ أنتِ جاية تعملي بلاغ كاذب وتتبلي على ست شـ,ـريفة في القسم وتضيعي وقت النيابة؟” في اللحظة دي، دخل محمود المكتب، وشفت في عينيه الخوف الحقيقي لأول مرة. كان عارف إن البلاغ الكاذب عقوبته السجن، وأن السحر انقلب على الساحر.

قرب محمود من الضابط وقال بصوت يرجف: “يا فندم.. حصل سوء فهم.. إحنا بنسحب البلاغ.. بنسحبه حالاً!” لكن الأستاذ عبد المجيد وقف وقال بصوت صارم: “إحنا مش هنوافق على سحب البلاغ ببساطة يا فندم. إحنا بنطالب بتحرير محضر بلاغ كاذب وتزوير ضد المشكو في حقهم، وبنقدم طلب عاجل للنيابة العامة بتمكين موكلتي من حمايتها وعدم التعرض لها، وبإلزام الزوج بدفع نفقة المأكل والمشرب والمسكن فوراً بناءً على المستندات والبطاقة الضريبية لشركته!” محمود بَصّ لي بعيون مكسورة ومصدمة، وقرب مني وقال بصوت واطي جداً عشان الضابط ما يسمعش:

“صابرين.. حرام عليكي، عاوزة تحبسي أختي؟ ده أنا جوزك أبو عيالك!” بصلته في عينيه بمنتهى الجمود، وقلت له كلمة واحدة هزت أركانه: “أنا ما بحبسش حد يا محمود.. أنا بس بسيب القانون يربيكم زي ما أنا فشلت أربيكم بأخلاقي.” خروجنا من القسم كان مشهداً لا يُنسى. حماتي كانت قاعدة بره بتعيط بجد المرة دي، مش تمثيل، خوفاً على بنتها اللي كانت مهددة بالحبس، وسحر كانت مسندة على الجدار ومنهارة، ومحمود واقف في المنتصف زي الشجرة اليابسة التي أطاحت بها أول عاصفة حقيقية.

رجعت بيتي، فتحت الباب، واستقبلتني شهد وأحمد بالأحضان. كانت الشقة هادية، والمستقبل قدامي مفتوح، لكنني كنت أعلم أن الجولة الأخيرة لم تبدأ بعد.. فمحمود وحماتي، بعدما خسرا الرهان في القسم والقانون، قرروا استخدام الكارت الأخير والأشد قسـ,ـوة.. كارت “الأولاد” وورقة “عبير”. مرّ أسبوع كامل، كان البيت فيه هادي هدوء محترم، هدوء المكان اللي اتمسح منه الشقا والاستغلال. بس الهدوء ده كان عامل زي السكون اللي بيسبق ضـ,ـربة الفأس الأخيرة.

في عصر يوم جمعة، جرس الباب رن. فتحت، لقيت محمود واقف، بس ما كانش لوحده. كان معاه حماتي، وسحر، ووحدة ثانية.. بنت في أواخر العشرينات، لابسة هدوم مبهرجة ومكياج صارخ، وبتبص لي من فوق لتحت بثقة واستعلاء. كانت “عبير” بنت خالته. محمود أخد خطوة لجوه ومسك في يده شنطة صغيرة، وقال بنبرة فيها التحدي اللي بيحاول يداري بيه كسرة القسم: “أنا جاي آخد عيالي يا صابرين.. وجاي أعرفك إن مكتوب كتابي على عبير انكتب امبارح رسمي.”

حماتي زقت الباب بكتفها ودخلت وهي بتعدل طرحتها وتبتسم بشماتة: “أهو يا صابرين.. الباشا تجوز الهانم الصغيرة اللي تنعنشه، وجايين نلم هدوم العيال عشان يعيشوا مع أبوه مرتاحين في بيته الجديد، وأنتِ تقعدي هنا في الشقة الخاوية دي تتفرج على أربع حيطان.. ورجلك فوق رقبتك هتديهم له، بدل ما نسحب منك النفقة ونمرمطك في المحاكم على حضانتهم!” عبير ضحكت بصوت واطي وقالت وهي بتبص لصالون البيت: “هو ده البيت يا عمه؟ ماشي.. بكره لما العيال ييجوا معانا العزبة هيبقوا يتسدوا في أي أوضة، أهم حاجة محمود يرتاح.”

في اللحظة دي، شفت محمود بيبص لي ومستني يشوف الهزيمة في عيني، مستني ينزل مني الدمع اللي متعود عليه، أو يستجدي منه يخلي العيال معايا. كانوا فاكرين إن كارت “العيال” هو اللي هيخليني أركع تحت رجليهم وأقبل بأي شروط. بس صابرين اللي قدامهم دي.. خلاص، الجلد القديم اتسلخ بالكامل. ابتسمت.. ابتسامة هادية جداً، وفتحت الباب على آخره وقلت بصوت مسموع للشارع كله: “يا أهلاً بالعروسة الجديدة.. خطوة عزيزة يا عبير.” حماتي اتسمرت مكانها، ومحمود حواجبهم اترعشت من الاستغراب.

نديت بصوت عالي: “أحمد! شهد! تعالوا يا حبايب قلبي.. باباكم وجدكم والعروسة الجديدة جايين ياخدوكم.” خرج أحمد وشهد من أوضتهم. أحمد كان ماسك في إيده تليفونه المحمول، وشهد واقفة وراه بثبات. محمود قرب من أحمد وقال بتمثيل العاطفة: “يلا يا أحمد يا حبيبي.. لم حاجتك أنت وأختك، تعالوا عيشوا مع بابا في الشقة الجديدة، بدل ما تقعدوا هنا مع أمكم اللي حارماكم من كل حاجة وعاوزة تخرب البيت.”

أحمد بص لأبوه ببرود تام.. برود أشد من برودي. رفع تليفونه وضغط على زرار التشغيل، وطلع منه صوت تسجيل واضح.. تسجيل للصوت اللي أحمد سجله على تليفونه يوم ما محمود وحماتي جم يهددوني قبل ما يروحوا القسم. صوت حماتي كان طالع من التليفون وهي بتقول لمحمود: “العيال دول تاخدهم يا محمود غصب عنها، مش عشان بتحبهم، عشان نذلها بيهم! نجيبهم عندنا يخدموا عبير ونحرمها منهم فتسيب الشقة وتترجاك ترجعها!” وسمع صوت محمود وهو بيلد بالرد:

“أيوة يا أمي، العيال هما الكارت اللي هيخليها تجيب ورا وتتراجع عن قضايا النفقة.” الصوت امتلأ بيه الصالة.. عبير وشها اتغير وبصت لمحمود بصدمة، وسحر بلعت ريقها، وحماتي اتخرست تماماً. أحمد بَصّ لأبوه وقال بصوت ثابت هز الصالة: “أنا عندي 14 سنة يا بابا.. والقانون بيدي القاضي الحق يسألني أنا وأختي نعيش مع مين. وأنا وشهد قايلين للمحامي من الصبح إننا مش عايزين نعيش غير مع أمنا.. الست اللي شقيت عشاننا وعشانك، والست اللي أنت جايب ناس يذلوها بيا وبأختي!”

شهد قربت مني ومسكت إيدي وقالت لمحمود: “أنت مش بابا بتاع زمان.. أمي هي كل حاجة لينا، وأنت اختارت طريقك.. روح كمله بعيد عنا.” محمود كان واصل لمرحلة من الذهول مش قادر ينطق.. الكارت الأخير اتحرق، والعيال اللي كان فاكرهم العكاز اللي هيتكسر عليه، بقوا السيف اللي بيقطع أمل أخير ليه. في اللحظة دي، رن جرس الباب تاني. فتحت.. كان الأستاذ عبد المجيد المحامي ومعاه اثنين رجال شرطة ومعاهم أوراق رسمية. الأستاذ عبد المجيد دخل بكل هيبة وقال:

” مساء الخير يا حضرات.. الأستاذ محمود، اتفضل استلم أمر التنفيذ الوقتي بتمكين الموكلة صابرين من الشقة بصفاتها الحاضنة المباشرة للأولاد، مع حظر دخولك أو التعرض لها بأي شكل، وده قرار النيابة العاجل بصرف نفقة مؤقتة لحين صدور حكم المحكمة النهائي بقطع جزء من مرتبك وأرباح شركتك لصالح الأولاد.” الضابط قرب من محمود وقال بصرامة: “يا أستاذ محمود.. اتفضل اخرج برة الشقة فوراً أنت والضيوف اللي معاك، بلاش نعمل مشكلة هنا.” حماتي صرخت: “يا لهوي! بنطرد من بيت ابني للمرة الثانية؟ يا ناس يا عالم!”

قربت من حماتي، وبصيت في عينيها بثبات وقلت لها بالراحة: “أنتِ ما بتتطلعيش من بيت ابنك يا حماتي.. أنتِ بتطلعي من بيتي أنا. الشمعة اللي كانت بتتحـ,ـرق عشانكم.. جابت المحامي وقادت النار في كل كدبة عشتوها. ابقوا خلو ‘عبير’ بقى تعجن لكم الفطير الفجر، وتنضف لكم النجف، وتقمع لكم البامية وتسكت على إهانتكم.. لو قدرت!”

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى