حماتي كانت بتعمل كل جمعة اكله عائلية ضخمة، لكن قبل ما ننزل للسفرة كانت بتوزع الأكل في علب وتخبيهم. ولما جوزي يسأل الأكل راح فين؟ تقول مراتك مبتعرفش توفر خلصته
من أول جمعة بعد جوازي، لاحظت إن حماتي بتعمل كمية أكل تكفي عمارة كاملة.
صواني محشي، فراخ، لحمة، مكرونة، ورق عنب، وحلويات وكل ده عشان قعدة العيلة.
كنت بفرح لما أشوف السفرة مليانة، وأقول لنفسي إن دي فرصة نقعد كلنا سوا.
لكن الغريب كان بيحصل قبل ما ننزل.
كنت أسمع صوت علب البلاستيك من المطبخ، ولما أدخل ألاقي حماتي، أم جوزي، بتملأ علب كبيرة من كل صنف.
مرة سألتها باستغراب
هو إحنا هنحتاج كل العلب دي ليه يا ماما؟
بصتلي وقالت ببرود
دي حاجات بتاعت البيت.
بس ده أكل العزومة!
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت
وإنتِ مالك؟
أنا اللي طبخت.
وسكت.
نزلنا السفرة، وكل واحد بدأ يدور على الأكل.
أخو جوزي بص على صينية اللحمة وقال
هو فين باقي اللحمة؟
حماتي ردت بسرعة
خلصت.
جوزي بص لها
خلصت إزاي؟ دي كانت صينية كاملة!
بصتلي وقالت قدامه
مراتك مبتعرفش توفر يا ابني كل شوية تدخل المطبخ تاكل حاجة. الأكل كان كتير وخلصته.
اتجمدت مكاني.
بصيت لجوزي مستنية يقول أي حاجة.
لكنه قال بمنتهى الهدوء
يا ماما، هي كانت قاعدة معاكم من الصبح.
ضحكت وقالت
يعني هتدافع عنها؟
ومن يومها، بقت الجملة دي تتكرر كل جمعة.
الأكل يختفي
وحماتي تتهمني.
مرة قالت إن نص صينية المحشي اختفت بسببي.
ومرة قالت إني أكلت طبق الكنافة كله.
ومرة جوزي رجع من الشغل بدري، لقى أمه بتقول له
أنا تعبت في الأكل ده طول اليوم، ومراتك خلصته قبل ما العيلة
تيجي.
المرة دي أنا ما سكتش.
بصيت له وقلت
طيب تعالى معايا.
خدته للمطبخ، وفتحت التلاجة.
كانت فاضية تقريبًا.
قلت له
بص.
قال
في إيه؟
إنت عارف أنا كل جمعة بشتري قد إيه؟
هز راسه.
طلعت له الفواتير اللي كنت محتفظة بيها.
أنا بدفع تمن الخضار واللحمة والزيت وكل حاجة تقريبًا. ومع ذلك الأكل بيختفي قبل ما حد ياكل.
بصلي باستغراب
وإنتِ عايزة توصلي لإيه؟
قلت
مش أنا اللي هاوصل.
إحنا هنستنى.
وفعلًا الجمعة اللي بعدها، عملت حماتي نفس السيناريو.
من بدري بدأت تعبي العلب.
بس المرة دي، قبل ما تدخل المطبخ، كنت حاطة موبايلي بيسجل فيديو في مكان مش باين.
وشفتها بعيني وهي بتحط صواني اللحمة والمحشي والحلويات في أكياس كبيرة.
وبعدين نادت على بنت أختها اللي كانت جاية تزورهم وقالت لها
خدي دول
وحطيهم في العربية، محدش يشوفك.
البنت سألتها
طب وهنقول إيه لو عم محمد سأل؟
حماتي ضحكت وقالت
هقول له مراته أكلتهم هو أصلًا مصدق أي حاجة عليها.
وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد أكل.
دي كانت بتعمل حاجة تانية
كانت بتستغل فلوسي، وتخبي الأكل، وبعدها تشوه صورتي قدام جوزي وأهله.
لكن اللي حماتي ما كانتش تعرفه
إن جوزي كان واقف ورا باب المطبخ، وسمع كل كلمة.
نزلت السفرة كأن مفيش حاجة حصلت.
وبعد خمس دقايق، جوزي بص لأمه وقال
ماما ممكن أسألك سؤال؟
قالت
اسأل يا حبيبي.
ابتسم وقال
الأكل اللي قولتي إن مراتى أكلته أقولك راح فين؟
سكتت.
وقبل ما ترد، حط موبايله على السفرة وشغل الفيديو.
وشها اتغير.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما جوزي وقف الفيديو عند لقطة معينة وقال
هو إنتِ كنتِ بتخبي الأكل
قبل ما تخرج، جوزي قال جملة خلت كل اللي قاعدين يسكتوا
استني يا ماما لأن الأكل ده مش أهم حاجة أنا اكتشفت إنك كنتِ بتاخديها من مراتى.
وبصلي وقال
إنتِ لسه ما عرفتيش أنا لقيت إيه في حسابات البيت.
حكايات بسمة
الصمت نزل على صالة البيت زي قطعة ثلج كبيرة. علامات الذهول كانت مرسومة على وشوش قرايب جوزي، وعمادي وجوزي حسام واقف ماسك موبايله في نص الصالة، عروق جبهته بارزة وعينيه مليانة خيبة أمل وقسوة عمر ما حد شافها فيه.
حماتي الحاجة أمينة اتجمدت مكانها عند باب الصالة، إيدها كانت على أكرة الباب ولونها خ.طف بقى زي الجثة، وتحاول تلاقي أي مخرج أو كلمة تدافع بيها عن نفسها بعد الفيديو الصادم اللي اتعرض قدام الجميع.
حسام قرب منها بخطوات بطيئة، كل خطوة كانت بتعمل صوت مكتوم في السجاد، وبص لأمه بصوت جاف وزي موس الحلاقة
اقفي مكانك يا ماما…
الجريمة اللي عملتيها النهاردة وفي كل جمعة مش بس إنك كنتِ بتسرقي صواني الأكل واللحمة والمحشي اللي مراتي بتدفع ثمنها من عرق شغلها وعرق جيبنا، ولا إنك كنتِ بتشوهي صورتها قدامي قدام العيلة كل أسبوع وتخليها تبان في نظر الكل إنها ست مفجوعة ومفترية مبتعرفش توفر!
حماتي حاولت ترفع رأسها وتتظاهر بالزعل، ودموع كاذبة بدأت تنزل من عينها
أنت بتتهمني بالسرقة يا حسام عشان خاطر مراتك؟! الأكل ده أنا اللي تعبت فيه وطبخته، وكنت ببعت منه لبنت أختي المسكينة الغلبانة اللي بيتها مقفول عليه!
حسام ضحك ضحكة جافة مليانة مرارة، ونزل الموبايل على الترابيزة الرخام بكل قوته
بنت أختك المسكينة؟! بنت أختك اللي جوزها صاحب معرض عربيات في نصر؟ الأكل اللي كنتِ بتعبيه في علب كل جمعة وتسرقيه من بيت مراتي، كان بيروح يتفرّش في عزومات بيت أختك عشان تتباهي قدام نسايبك إنك الست الكريمة اللي بيتها مبيفضاش، بينما مراتي اللي
دفعت ثمن الخضار واللحمة والفواتير كلها من جيبها كانت بتتقال عليها قدام العيلة مابتفهمش في الأصول ومبتحافظش على نعمة جوزها!
أنا كنت واقفة جنب السفرة، صدري بيعلى ويهبط. كرامتي اللي اتداس عليها شهور، وشكوكي اللي كانت هتخرب بيتي، كلها كانت بتترد في لحظة واحدة قدام العيلة اللي كانت بتبص لي زمان بنظرات استحقار وسخرية!
عم جوزي، الحاج توفيق، قام وقف وهو مصدوم وبص لحماتي وقال
بقى الكلام ده يطلع منك يا أم حسام؟ طول السنين دي وإحنا فاكرين مرات حسام هي اللي مبذرة وتاكل القمة وتخلص السفرة، وأنتِ اللي كنتِ بتاخدي الأكل من وراهم وتصممي إن البيت فاضي؟!
حماتي سكتت، ما قدرتش تنطق بكلمة واحدة.
لكن حسام التفت ناحيتي، وبص في عيني بأسف وندم شديد، وطلع من جيب جاكيته كشف حساب بنكي مطبوع وأوراق رسمية، وحطها بين إيديا
بس الأكل ده كان مجرد الستار يا نورهان… الستار اللي كانت ماما مخبياه عشان تشغلنا بيه ونفضل نتخانق على مصروف البيت، بينما الحاجة الحقيقية كانت بتحصل من ورا ضهرنا كل شهر.
أنا أخدت الأوراق بإيد بترتعش
أوراق إيه دي يا حسام؟
حسام قرب مني ومسك إيدي بحرارة وقال
من أربع أشهر، لما بدأتِ تشتكيلي إن المرتب والمصروف مش بيكفي وإن الكروت بتاعتك بتتسحب منها مبالغ مش منطقية، أنا رحت البنك وطلبت كشف حساب تفصيلي للفيزا المشتركة اللي كنا فاتحينها لمصاريف البيت والطوارئ… لقيت إن فيه استقطاع شهري ثابت بقيمة 8 آلاف جنيه بيروح لحساب شخصي باسم أمي!
أنا شهقت من الصدمة
8 آلاف جنيه شهريًا؟! إزاي ده بيحصل وأنا ما وقّعتش على تحويلات؟!
حسام بص لأمه بنظرة حادة وصارمة
أمي استغلت صورة بطاقتك اللي كانت معاها لما كنا بنقدم على أوراق الشقة، وعملت إذن سحب مباشر وتفويض مزور بالتنسيق مع موظف في البنك أقاربها من بعيد، وكانت بتسحب المبلغ ده
كل يوم 1 في الشهر تحوله لحساب أختها وبنت أختها، وتيجي كل جمعة تسرق الأكل وتفهمني إن المرتب بيخلص عشان إنتِ مبترشديش المصاريف وخايبة في إدارة البيت!