من يوم ما اتولدتِ، كان فيه قرار اتاخد من غير ما تعرفي.
اتنفست ببطء.
قرار كان المفروض يفضل مدفون.
توقفت عن القراءة.
قلت
إيه القرار؟
الدكتور سامح قال
اقري.
كملت.
العيلة كانت عايزة تفضل محافظة على صورة واحدة قدام الناس صورة إن كل فرد فيها لازم يمشي في نفس الطريق.
لكن الحقيقة إن جدك الكبير نفسه ماكانش عايز أولاده كلهم يدخلوا طب.
بصيت للحائط اللي كان في ذاكرتي مليان شهادات.
هو كان عايز حاجة مختلفة.
كان شايف إن الطب مش لقب.
وإن الشخص اللي يختار الرعاية والرحمة مش أقل من الطبيب.
إيدي بدأت ترتعش.
الرسالة كانت بتكشف حاجة عمري ما توقعتها.
لكن لسه فيه جزء ناقص.
قلبت الصفحة.
ماكانش فيه صفحة تانية.
قلت
بس الرسالة ناقصة.
الدكتور سامح هز رأسه.
أيوه.
فين باقيها؟
بص ناحية أبويا.
معاه.
القاعة كلها سكتت.
بصيت لأبويا.
قلت
بابا.
ما ردش.
الجزء التاني من الرسالة معاك؟
رفع عيني أخيرًا.
قال
أيوه.
اتقدمت ناحيته.
ليه؟
قال
لأن أمك وجدتك كانوا مختلفين على حاجة واحدة.
إيه؟
سكت طويلًا.
ثم قال
هل لازم تعرفي كل الحقيقة ولا نسيبك تعيشي حياتك من غير ما تعرفي؟
قلت
بعد تسع سنين من غير إجابة، إنت لسه بتسألني؟
أبويا طلع ورقة مطوية من جيبه.
حطها قدامي.
خدي.
فتحتها.
كانت الصفحة الأخيرة.
وقبل ما أقرأها، سمعت صوت أمي
مريم مهما كان اللي هتقرئيه، لازم تعرفي إن أبوكي ماكانش هو صاحب القرار.
بصيت لها.
أمال مين؟
أمي سكتت.
كاميليا مسحت دموعها.
وقالت
أنا.
اتصدمت.
إنتِ؟
هزت رأسها.
أنا كنت السبب في إنك خرجتي من البيت.
يوسف شد على إيدي.
وأنا حسيت إن كل حاجة كنت مصدقاها
عن أختي بدأت تتغير.
كاميليا قربت مني.
أنا كنت فاكرة إن لو دخلتي التمريض، العيلة هتعتبرني مسؤولة عن فشلك.
قلت
إنتِ كنتِ عارفة إنهم هيطردوني؟
بكت.
أيوه.
وسكتي؟
هزت رأسها.
أنا كنت جبانة.
ثم أضافت
لكن ده مش السر اللي جدتك كانت بتتكلم عنه.
بصيت للورقة في إيدي.
فتحتها.
كان أول سطر
مريم، لو كاميليا قالت لك إنها السبب ما تصدقيهاش.
اتسعت عيني.
رفعت رأسي ببطء.
كاميليا
كانت واقفة
قدامي.
وأمي كانت بتبكي.
وأبويا لأول مرة ماحاولش يمنعني من معرفة الحقيقة.
لكن السؤال الحقيقي بقى
لو كاميليا مش السبب
مين اللي قرر يطردني؟
وليه اختياري للتمريض كان خطرًا على سر عيلتنا؟
وقبل ما أقدر أسأل، الدكتور سامح قال جملة واحدة
مريم لازم تشوفي المكان اللي جدتك كانت بتخبي فيه باقي أوراقها.
فين؟
قال
في بيتها القديم.
ثم أضاف
والبيت ده والدك باعه من تسع سنين.
سكتُّ.
ثم بصيت لأبويا.
مين اشتراه؟
أبويا رفع عيني وقال
أنا.
تجمدت.
إنت اشتريته؟
قال
أيوه.
وليه؟
ما ردش.
وفي اللحظة دي، نادر قرب مني وقال
لأن البيت مش هو المهم.
سألته
أمال إيه؟
قال
الحاجة اللي مدفونة في الحائط.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
لأنني تذكرت فجأة
الساعة القديمة اللي أعطتها لي جدتي ليلة خروجي.
كانت الساعة ما زالت في درج غرفتي في البيت.
لكنها لم تكن تعمل.
وعلى ظهرها
كان فيه رقم صغير لم أنتبه له طوال تسع سنوات.
رقم
12.
نفس رقم البرواز الفاضي.
رفعت عيني لأمي.
وسألتها
إيه علاقة الساعة بالبرواز؟
أمي لم تجب.
لكن الدكتور سامح ابتسم وقال
دلوقتي بدأنا نوصل للحقيقة الدكتور سامح قرب مني وقال بصوت منخفض
الرقم 12 مش رقم عادي يا مريم.
بصيت للساعة في إيدي.
أمال إيه؟
قال
ده كان رقم ملف قديم جدًا في العيلة.
قلت
ملف إيه؟
قبل ما يرد، أبويا قاطعه
سامح، كفاية.
الدكتور سامح بص له.
إنت أخفيت الموضوع 9 سنين. كفاية بقى.
القاعة بدأت تلاحظ إن فيه حاجة كبيرة بتحصل.
بعض الضيوف قربوا.
ونادر طلب منهم يبعدوا.
أما كاميليا، فكانت واقفة ودموعها بتنزل في صمت.
بصيت لها وقلت
إنتِ كنتِ تعرفي عن الساعة؟
هزت رأسها.
أيوه.
وعن البرواز؟
أيوه.
اتصدمت.
يعني طول السنين دي وإنتِ عارفة؟
قالت
مش كل حاجة.
إيه اللي كنتِ تعرفيه؟
سكتت.
ثم قالت
كنت أعرف إن جدتنا كانت بتحاول توصلك لحاجة.
إيه الحاجة دي؟
بصت ناحية أبويا.
ماعرفتش.
قلت
بس إنتِ كنتِ السبب في طردي.
قالت
كنت فاكرة إنك لو مشيتي من البيت، الموضوع كله هينتهي.
أي موضوع؟
ما ردتش.
الدكتور سامح تدخل
الموضوع بدأ قبل ولادتك بسنين.
أنا بصيت له.
إزاي؟
قال
جدك كان عنده نظام غريب جدًا في العيلة.
كل شهادة طب كانت بتتحط على الحائط، صح؟
هزيت رأسي.
لكن الحائط ماكانش
مجرد مكان للشهادات.
قرب مني.
كان فيه جزء مخفي ورا البرواز رقم 12.
حسيت إن نفسي اتسحب.
والبرواز كان فاضي ليه؟
قال
لأن جدتك كانت رافضة تحط فيه أي شهادة.
سألت
ليه؟
قال
لأنها كانت شايفة إن الشهادة اللي تستحق تتحط هناك مش شهادة طب.
بصيت له باستغراب.
أمال إيه؟
قال
شهادة التمريض.
سكتُّ.
لأول مرة فهمت إن جدتي ماكانتتش بتعتبر التمريض أقل من الطب.
لكن ده لسه ماكانش يفسر خوف عيلتي.
قلت
طب ليه طردوني؟
الدكتور سامح قال
لأن والدك كان عايز يكسر آخر حاجة كانت جدتك بتحاول تحافظ عليها.
أبويا انفعل
مش صحيح.
رد سامح
إنت عارف إنه صحيح.
أبويا بص لي.
وبصوت أهدى قال
أنا كنت بحاول أحمي العيلة.
قلت
من إيه؟
سكت.
من سمعتي؟
هز رأسه.
