منوعات

عائلتي كلها دكاترة

من الحقيقة؟
ما ردش.
ولا من جدتي؟
عينيه اتغيرت.
وعرفت إنني لمست شيئًا حساسًا.
في اللحظة دي، يوسف قرب مني وقال
مريم، إحنا لازم نمشي.
قلت
لا.
بصلي باستغراب.
قلت
أنا قضيت 9 سنين وأنا مش فاهمة ليه أهلي رموني برا حياتهم.
ثم بصيت لأبويا.
مش همشي المرة دي.
أبويا قال
مش هتعجبك الحقيقة.
رديت
أنا مش خايفة منها.
الدكتور سامح قال
يبقى لازم تروحي البيت القديم.
سألته
هو لسه موجود؟
قال
أبوك قال إنه باعه.

بصيت لأبويا.
لمين؟
سكت.
الدكتور سامح قال
هو ما اتباعش لشخص غريب.
قلت
لمين؟
قال
للمؤسسة اللي كانت بتتعامل مع جدتك زمان.
اتسعت عيني.
إيه المؤسسة دي؟
أجاب
دار الرعاية اللي بدأت فيها جدتك شغلها.
تجمدت.
لأن ده نفس المكان اللي أنا بدأت فيه شغلي بعد ما خرجت من البيت.
نفس المكان.
نفس الممرات.
نفس الغرفة اللي كنت بقعد فيها بالساعات.
لكن السؤال كان
ليه المكان ده بالذات؟
يوسف بصلي وقال
مريم، إنتِ اشتغلتي هناك سنين.
قلت
أيوه.

قال
عمرك ما لاحظتي حاجة غريبة؟
فكرت.
وفجأة افتكرت.
في آخر ممر بالدور الثاني، كانت فيه غرفة قديمة مقفولة.
كنت دايمًا أسأل عنها.
وكانت المديرة تقول
دي مخزن قديم.
لكن ممنوع حد يدخله.
قلت
الغرفة رقم 12.
الدكتور سامح ابتسم.
أخيرًا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الغرفة كانت رقم 12؟
هز رأسه.
أيوه.
بصيت للساعة.
رقم 12.
البرواز.
الغرفة.
كلهم نفس الرقم.
قلت
إيه اللي موجود جواها؟
الدكتور سامح قال
آخر حاجة كتبتها جدتك في دفترها.

ثم أخرج مفتاحًا
صغيرًا.
حطه في إيدي.
وده المفتاح الوحيد اللي يفتح الباب.
بصيت للمفتاح.
كان قديمًا جدًا.
وعليه نقش صغير
لا تفتحوه إلا عندما تعرف مريم لماذا اختارت التمريض.
رفعت عيني.
جدتي كتبت ده؟
قال
أيوه.
أمي بدأت تبكي.
قالت
مريم، أنا أرجوكي ما تفتحيش الباب.
التفتُّ لها.
ليه؟
قالت
لأن اللي جواه ممكن يغير كل حاجة.
قلت
كل حاجة إيه؟
لكنها لم تجب.
كاميليا اقتربت مني.
وقالت
أنا هاجي معاكي.
سألتها
ليه؟

قالت
لأن فيه حاجة لازم أقولها لك قبل ما تفتحي الباب.
إيه؟
نظرت إلى أبي.
ثم قالت
أنا مش بنت الشخص اللي كل العيلة فاكرة إنه صاحب الفضل الأكبر في نجاحنا.
سكت الجميع.
أما أنا
فشعرت أن السر الذي ظننت أنه متعلق بالتمريض
أكبر بكثير مما تخيلت.
وأصعب بكثير.
لأن كاميليا كانت على وشك تكشف لي
سرًا ظل مخفيًا عني طوال عمري أكيد، دي نهاية القصة مع كشف السر وإغلاق كل الخيوط
سكتت كاميليا طويلًا، وبعدين قالت
بابا مش هو اللي أسس نجاح العيلة.

بصيت لها باستغراب.
أمال مين؟
قالت
جدتنا عديلة.
الدكتور سامح هز رأسه.
هي كانت أول واحدة في العيلة تفهم إن الطب مش مجرد لقب.
ثم حكى لي الحقيقة.
جدتي كانت صاحبة الفكرة الأساسية وراء أول مركز رعاية في العيلة، وكانت هي اللي بنت سمعته في البداية. لكن مع مرور السنوات، بدأ أفراد العيلة ينسبوا النجاح كله للأطباء، واتحول اسمها من صاحبة فضل حقيقي إلى مجرد الممرضة اللي اشتغلت معاهم.
أما البرواز رقم 12
فكان جدتي مخصصاه لنفسها.
مش لشهادة طب.
بل لشهادة التمريض التي كانت تعتبرها أعظم إنجاز في حياتها.

لكن أبويا كان شايف إن وضع شهادة ممرضة وسط شهادات الأطباء هيقلل من قيمة العيلة أمام الناس، ففضل البرواز فاضي.
ولما اخترت التمريض، افتكروا إنني هفكرهم بالحقيقة اللي حاولوا ينسوها.
عشان كده طردوني.
مش لأن التمريض قليل.
لكن لأن اختياري كان بيكشف كذبتهم القديمة.
بصيت لأبويا.
قلت
يعني أنا ماكنتش المشكلة؟
نزل عينيه.
لا.
إنتوا كنتوا خايفين من اللي اختياري هيفكره الناس بيه.
ما ردش.
كاميليا قربت مني.
أنا آسفة يا مريم.
سألتها
إنتِ ليه وافقتي على كل ده؟

بكت وقالت
كنت خايفة أخسر مكانتي عندهم.
بصيت لها طويلًا.
ثم قلت
وأنا خسرت عيلتي كلها.
سكتت.
في اليوم
التالي، رجعت مع يوسف والدكتور سامح إلى دار الرعاية القديمة.
دخلنا الغرفة رقم 12.
المفتاح القديم فتح الباب.
الغرفة كانت مليانة صناديق وملفات قديمة.
وفي آخرها كان فيه صندوق خشبي صغير.
فتحه الدكتور سامح.
كان جواه دفتر جدتي.
قلبت صفحاته.
وفي آخر صفحة وجدت جملة
لو مريم وصلت هنا، يبقى أخيرًا فهمت إن اختياري للتمريض لم يكن خطأ كان بداية الطريق.

وبجوار الجملة كانت شهادة التمريض القديمة الخاصة بها.
أخذتها بين إيدي.
وبكيت.
ليس لأنها كانت مجرد شهادة.
لكن لأنها كانت الشيء الذي حاولت عائلتي أن تجعلني أشعر بالخجل منه طوال حياتي.
رجعت للفرح في اليوم التالي بعد انتهاء كل شيء.
لكن المرة دي ما رجعتش كضيفة.
رجعت ومعايا قرار.
طلبت من نادر يعلن أمام كل الموجودين أن منحة عديلة مراد ستستمر.
لكن بشرط واحد
أن يكون أول برنامج جديد فيها مخصصًا للممرضين والممرضات الشباب.
وقلت
مش عايزة المنحة تكون عشان تثبت إن التمريض زي الطب.
سكتُّ لحظة.

أنا عايزاها تقول إن كل واحد فيهم له مكانه وقيمته.
صفق نادر.
وبعده يوسف.
ثم بدأ باقي الموجودين يصفقوا.
أما أبي
فكان واقفًا بعيدًا.
اقترب مني بعد دقائق.
قال
مريم.
بصيت له.
أنا غلطت.
كانت أول مرة أسمعها منه.
أنا ظلمتك.
سألته
وتفتكر اعتذارك يرجع التسع سنين؟
قال
لا.
يرجع اللي فات؟
هز رأسه.
لا.
قلت
يبقى خلينا ما نحاولش نمسح الماضي.
سكت.
ثم أضفت
لكن ممكن نبدأ من جديد لو أنت مستعد.
دموعه نزلت.

وأمي وقفت بجانبه.
لم أحتضنها.
ولم أقل إن كل شيء أصبح بخير.
لأن الجروح القديمة مش بتختفي بكلمة اعتذار.
لكنني لأول مرة
ماعدتش محتاجة اعترافهم عشان أعرف قيمتي.
بعد شهور، اتعلقت صورة جديدة في الحائط القديم.
مش شهادة طب.
ولا شهادة منصب.
كانت شهادة تمريض جدتي عديلة.
وتحتها لوحة صغيرة مكتوب عليها
أحيانًا الشخص الذي تظنه أقل منك يكون هو الشخص الذي علّمك معنى النجاح.
أما البرواز رقم 12
فماعدتش
فاضي.
حطيت فيه شهادتي
أنا.
شهادة التمريض.

وبجانبها صورة جدتي وهي لابسة زي التمريض.
وقفت قدام الحائط للحظة.
ابتسمت.
لأول مرة
ماكانش عندي أي رغبة إني أثبت لهم حاجة.
لأنني أخيرًا فهمت الحقيقة
أنا ماخرجتش من عيلتي يوم ما طردوني.
أنا خرجت من ظلهم.
وبنيت
لنفسي اسمًا
من غير ما أحتاج أغير اسمي.
ومن غير ما أحتاج شهادة جديدة على حائطهم.
وفي آخر يوم، قبل ما أمشي من البيت، بصيت للبرواز رقم 12.
وتذكرت الجملة اللي جدتي ماقدرتش تكملها من تسع سنين.

إنتِ عمرك ما كنتِ
ابتسمت وأنا أكملها بنفسي
إنتِ عمرك ما كنتِ أقل من حد يا مريم.
ثم أغلقت باب البيت
ومشيت.
المرة دي
من غير شنطتين.
ومن غير خوف.
ومن غير ما أبص ورايا.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى