الباب اتكسر، والأغلال الحديدية لمست إيدي… ودي كانت مجرد بداية كابوس أطول بكثير من السجن نفسه! صوت الكلابشات وهو بيقفل على إيدي كان أبرد من مية البرميل اللي غرقت فيها البنت. السلسلة الحديد شادة دراعي، وأنا نازلة على سلم البيت اللي طالما حلمت أكون الآمرة والناهية فيه. السلم اللي مسحته شبر شبر وفرشت السجاد عليه، بقى هو المسرح اللي بتمشي عليه المتهمة بصلفها وعارها.
الشارع برة كان مليان ناس، أهل العزبة واقفين في حلقة كأنهم مستنيين العرض. حريم الأرياف اللي كانوا بيجوا يباركوا لي في المواسم، واقفين اليوم يبصوا لي بقرف، يتفلوا على الأرض أول ما رجلي لمست العتبة. أختي كانت واقفة على جنب حاطة الطرحة في بقها وبتصرخ بصوت مكتوم، وأبويا المريض ما قدرش يخرج من بيته من كتر الخزي.
أول ما طلعت من الباب، هدى أخت جوزي كانت واقفة جنب عربية الإسعاف اللي فيها جـ,ـثة بنتها. بصلت لي بنفس العينين الميتة، عينين مفيهاش نقطة دموع، لكن فيها كره يساع بلاد. محمود جوزي كان واقف جنبها، ماسك النعش الصغير بإيد ونازل بدماغه للأرض، حتى ما رفعش عينه يبص لي بصة وداع، ولا حرك شـ,ـفايفه بكلمة. حسيت إني غريبة، إني مسخ خرج من البيت ده والناس كلها عايزه تخلص منه.
دفعني العسكري جوة بوكس الشرطة. الصاج الصديق وريحة البنزين والحديد حسسوني إن السجن بدأ من قبل ما أوصل القسم. البوكس اتصرف بسرعة وسط تهليل الناس وشتائم عمام البنت، وأنا على الأرضية الصاج أبكي بصوت متقطع، كل حفرة في الطريق كانت بتهز جسمي وتهز معاه بقايا العقل اللي فاضل لي. وصلنا مركز الشرطة. الدخول هناك كابوس لا يمكن يوصف. الروائح، أصوات الزعيق، خبط السلاسل، ونظرات الحراس اللي شايفين قدامهم مجرمة جديدة. دخلوني الحجز مؤقتاً لحد ما يتعرض ملف القضية على النيابة الصبح.
حجز الحريم في المركز كان عبارة عن أوضة ضيقة، ريحتها جير ومية مجاري، فيها أربع ستات متهمات في قضايا سـ,ـرقة وآداب. أول ما دخلت بالجلابية المبلولة والأغلال في إيدي، كلهم بصلوا لي باستحـ,ـقار. الستات في السجن لهن قانون؛ اللي داخلة في سـ,ـرقة أو خـ,ـناقة ليها وضعها، لكن اللي داخلة في قـ,ـتل طفلة… أصلح وحدة فيهم بتشوفها أحـ,ـقر من التراب.
قعدت في زاوية جنب الحيطة، ساندة ضهري على الأسمنت البارد. ليلة كاملة ما غمضتش فيها عين. كنت كل ما أغمض، أشوف البنت الصغيرة وهي بتمد دراعها الصغير جوة البرميل، وأسمع الصرخة اللي هزت البيت. بقيت أهدي نفسي وأقول: “أنا ما زقيتهاش، أنا بس قلت لها هاتي مية”، بس الضمير—اللي صحي بعد فوات الأوقات—كان بيلطمني على وشي ويقول لي: “أنتِ عارفة إنها قصيرة، وعارفة إنها هتغرق، أنتِ قـ,ـتلتيه باختيارك”. صباح اليوم التالي، الساعة تسعة، طلعوني بالكلابشات لغرفة وكيل النيابة.
أوضة وكيل النيابة كانت واسعة، فيها مكتب خشب ضخم وأوراق متلتلة. وكيل النيابة كان راجل شاب، ملامحه حادة وزي السيف، عينه مفيهاش أي تعاطف. على الجانب الثاني كان قاعد المحامي بتاع هدى، وهدى بنفسها قاعدة بكل ثبات، لابسة أسود في أسود، وشها زي الصخر. جلس وكيل النيابة وفتح الملف قدامه، وبدأ يستجوبني بصوت هادي يرعب: «اسمك سميرة عبد الحليم؟» رديت بصوت يادوب مسموع: «أيوة يا بيه.» «أنتِ متهمة بالقـ,ـتل العمد مع سبق الإصرار والترصد للطفلة شهد، ابنة أخت زوجك. إيه أقوالك؟»
انهرت بالبكاء، ورفعت إيدي المتقيدة: «والله ما قـ,ـتلتها يا بيه! أنا بس طلب منها تجيب مية عشان المية كانت مقطوعة فوق! البت اتزحلقت ووقعت قضاء وقدر! أنا جنيت وجبتها بنفسي من البرميل، لو عايزة أقتـ,ـلها كنت سيبتها تمـ,ـوت من غير ما حد يشوفها!» هنا دخل محامي هدى، وطلع من شنطته فلاشة صغيرة ودفتر أوراق:
«يا فندم، أقوال المتهمة كلها كذب وتضليل للمحكمة. إحنا بنقدم للنيابة العامة الدلائل الآتية: أولاً، شهادة الفني بالشركة القابضة لمياه الشرب، اللي بتثبت إن المية في المنطقة ما قطعتش نهائي في اليوم ده ولا اليوم اللي قبله، وإن الخزان والشقة فوق كان فيهن مية تدفقها طبيعي جداً.» حسيت كأن حد ضـ,ـربني على دماغي بحجر. المية ما قطعتش! الكدبة البسيطة اللي اختلقتها عشان أضحك بيها على البنت الصغيرة، بقت هي الدليل اللي بيشنقني! المحامي كمل بثبات:
«ثانياً، بنقدم تفريغ للمكالمات المسجلة من هاتف المجني عليها (والدة الطفلة)، اللي بتثبت وجود خلافات حادة وتهديدات مستمرة من المتهمة لطـ,ـردهن من بيت العيلة. وثالثاً، والأهم، بنقدم تقرير الطب الشـ,ـرعي المبدئي اللي بيؤكد وجود كدمات وضغط على ذراعي الطفلة، مما يدل على إنها اتشدت بالقوة أو اتدفعت باتجاه عميق، بالإضافة لرواية الطفلة وهي في العناية المركزة لطاقم التمريض!» وكيل النيابة بص لي بنظرة شاردة، وكتب كلمات سريعة في الورق قدامه، بعدين رفع عينه وقال: «أنتِ كنتِ عارفة إن الطفلة طولها لا يتعدى 80 سم، وإن ارتفاع البرميل متر وعشرين؟ عارفة إن كرسي الخشب اللي حطيتيه غير ثابت وبيهتز؟»
أتأت وأنا بلعثمت: «أنا… أنا ما قستش الارتفاع يا بيه… أنا ما فكرتش…» زعق وكيل النيابة بصوت هز الأوضة: «ما فكرتيش؟! تتطلبي من طفلة عندها أربع سنين تملى علبة مية من برميل أعلى منها بمتر، وتسيبيها لوحدها في الجنينة وتقفلي الباب وتدخلي تجيب جوزك يستحمى عشان تتأكدي إن محدش ينقذها في الوقت المناسب؟! ده مش إهمال يا سميرة… ده ترتيب شيـ,ـطاني لقـ,ـتل روح بريئة عشان شقة وبيت عيلة!» ضـ,ـرب وكيل النيابة بالقلم على المكتب، وقال بصوت حاسم يقطع العرق والسيح:
«تقرر حبس المتهمة سميرة عبد الحليم أربعة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الموعد المحدد، وتوجيه تهمة القـ,ـتل العمد مع سبق الإصرار وفقاً للمادة 230 من قانون العقوبات، وإحالة القضية لمقاضاة الجـ,ـنايات العاجلة!» هدى وقفت ببطء، بصت لي وقالت جملة واحدة قبل ما تخرج من الأوضة: «الدم ما بيبقاش المية يا سميرة… المية اللي كنتِ عايزه تطفشينا بيها، هي اللي هتخنقك في المشنقة.» رجعوني السجن العمومي في المحافظة. السجن العمومي مكان غير حجز المركز، هنا العالم الأخير. عنبر الجنايات، جدران عالية، سلك شائك، ونظام حديدي مفيش فيه ياما ارحميني.
دخلت العنبر، قفلوا الباب الصاج الكبير بصفارة يرعب لها القلب. المكان كان مليان ستات؛ فيهم اللي محكوم عليها بالإعدام، وفيهم اللي لابسة البدلة البيضاء ومستنية الاستئناف. أول ما عرفوا تهمتي، القتـ,ـلة بتوع الأطفال، بقيت مكـ,ـروهة حتى من أكبر المجرمات في العنبر. محدش كان بيكلمني، محدش كان بياكل معايا، وكنت بنام على الأرض الفاضية جنب دورة المياه. مرت الأيام، التحقيقات كانت ماشية بسرعة الصاروخ. هدى ومحاميها ما سابوش ثغرة واحدة. ومحمود جوزي؟ محمود بعت لي ورقة الطلاق عن طريق المحامي بعد أسبوع واحد من الحبس.
الورقة وصلت لي جوة العنبر. ورقة بيضاء، فيها كلمتين طيروا اللي فاضل من عقلي: “أنتِ طالق يا سميرة، ولا أنتِ مراتي ولا أعرفك، والعيال أهلي أخدوهم مني وربوهم بعيد عن اسمك وعارك. البيت اللي كنتِ عايزه تملكيه لوحدك، بقى يتقال عليه بيت القـ,ـاتلة”. البيت اللي ضحيت بعمري وبديني وبإنسانيتي عشان أملكه، سيبته وسيبت معاه جوزي وعيالي وسمعتي وأهلي. بعد شهرين في الحبس الاحتياطي، جه يوم العرض على محكمة الجنايات.
طلعت من سيارة الترحيلات وأنا لابسة بدلة الحبس الاحتياطي البيضاء، أيدي ورجلي في السلاسل. دخلت القفص الحديدي الكبيرة جوة القاعة. القاعة كانت مليانة على آخرها؛ صحفيين، أهالي العزبة، قرايبي اللي كانوا واقفين ورا ومش عايزين يبصوا لي، وهدى قاعدة في الصف الأول جنباً إلى جنب مع محمود. وقف الحاجب وصرخ بصوته المعتاد: «محكككككمة!» دخلت الهيئة الجليلة، وقعد القضاة على المنصة. رئيس المحكمة تنحنح، وفتح الملف الضخم اللي مكتوب عليه بالبنط العريض: “القضية رقم … جنايات مركز … – تهمة القـ,ـتل العمد”.
بدأت المرافعة، محامي الدفاع اللي عينه محمود لي من باب رفع العتب ما قدرش يقف قدام أدلة النيابة. محامي هدى اتكلم بلسان النار، وعرض الصور، والشهادات، وتقرير الطب الشرعي. وفي لحظة، طلب رئيس المحكمة مني الوقوف في القفص. وقفت، ركبي بتخبط في بعضها، وجسمي بيرتعش زي الورقة الشجر في الهواء. بص لي رئيس المحكمة بنظرة وقار وصارمة، وقال: «هل لديكِ كلمة أخيرة تقوليها للمحكمة قبل النطق بالحكم؟» مسكت باريال القفص الحديدي، وبصيت لهدى ولمحمود، وعيني نزلت في الأرض بكسرة مفيش بعدها كسرة، وقلت بصوت مكـ,ـسور، طالع من بئر حزن لا قاع له:
«أنا أذنبت يا سيادة القاضي… الشـ,ـيطان عماني وخنقتني الأنانية لحد ما بقيت وحش. أنا ما تستاهلش الرحمة، بس والله العظيم القتـ,ـل كان نتيجة لغلي وطمعي، مش رحمة بيا… أرجوكم خذوا بحقي من نفسي.» سكتت القاعة كلها. القاضي رفع نظارته، وبص لأعضاء الهيئة على يمينه ويساره، وأومأ برأسه، وبعدها رفرف بالورق اللي في إيده وقال الحكم اللي هيحدد ياما الحياة في الضلمة… ياما المـ,ـوت على المشنقة! رئيس المحكمة عدل جلسته على المنصة، ووجه نظره الحاد ليا، ورفع الورقة ببطء وقال بصوت جوهري هز أركان القاعة:
«بإسم الشعب، محكمة جنايات المركز، المنعقدة جلستها علناً، قضت بمعاقبة المتهمة “سميرة عبد الحليم” بالسجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة، وتغريمها المصاريف الجنائية!» خمس عشرة سنة! الكلمة نزلت على دماغي زي الصـ,ـاعقة. مش الإعـ,ـدام… مش حبل المشنقة، لكن خمسة عشر سنة في ظلمات السجن، في عنبر الجـ,ـنايات، خمسة عشر سنة من عمري هتروح وأنا بصلي في الزاوية الضيقة، وشبح البنت الصغيرة مش هيسيب عيني لا بالليل ولا بالنهار.
