أول ما القاضي ضـ,ـرب الحاكم بالشاكوش وأعلن رفع الجلسة، الحراس نزلوني من القفص وأنا تايهة، كأني مش حاسة برجلين شايلاني. وأنا خارجة، بصيت بعين زايغة ولقيت هدى واقفة برة القفص. ما كانش في عيونها فرحة التشفي، كان فيها برود المـ,ـوت، بصت لي وقالت بصوت همس: «خمسة عشر سنة يا سميرة… هتقعديهم جوه تفتكري كل دقيقة وكل صرخة طلعت من بنتي… البيت اللي كنتِ عايزة تملكيه لوحدك، أهو بقى فاضي ليكي، بس إنتِ مسجونة وراء الحديد.»
محمود جوزي—أو طليقي—ما بصش في وشي نهائي، اخد بعضه ومشي من القاعة، وسبني للحراس اللي شدوني من إيدي عشان يرجعوني سيارة الترحيلات. ركبت البوكس، واتقفل الباب الحديد عليا. رجعت تاني السجن العمومي، بس المرة دي وأنا محكومة، لابسة البدلة البيضاء اللي هتلازمني سنين طويلة. دخلت عنبر الجنايات، الستات هناك بصوا لي نظرة خالية من الكلام، ورموني في أضيق زاوية في العنبر. قعدت على الأرض الخرسانية الباردة، ضميت ركبي لصدري، ودموعي نزلت بصمت.
البيت اللي حفرت بظفري عشان أمتلكه فوق وتحت، ضاع مني، وجوزي ضاع، وعيالي اتحرموا من اسمي، وعمري كله ضاع في لحظة طمع وغباء وشيطان سكن دماغي. عرفت وقتها إن الإنسان لما بيكبر في قلبه الغل والطمع، بيدي الشيطان مفتاح بيته، والشيطان مش بيكتفي بأنه يخرب البيت وبس… ده بياخد روح البريء، ويقفل على صاحبه باب جهنم في الدنيا قبل الآخرة. قعدت وحدي في الضلمة، والباب الصاج بيتقفل عليا، ومش باقي ليا غير الندم، ندم متأخر ميجعش ميت، ولا يرجع طفلة بريئة لحضن أمها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”