منوعات

بنتي خدتني المحكمة

التغييرات اللي حصلت في حساباتي. وتصرفات شريف. بعد ما سمعني، قال: —يا عزت، هما بيجهزوا قضية حجر مزورة ضدك. عايزين يثبتوا إنك فاقد الأهلية عشان ياخدوا كل أملاكك. في نفس الليلة، بعتلي اتنين فنيين بيثق فيهم. ركبوا كاميرات صغيرة جدًا في مكتبي، قدام الخزنة المستخبية اللي كنت محتفظ فيها بعقود الملكية، ووثائق التأمين، وأوراق سعاد. بعد يومين، شريف وقع في الفخ. جه وهو فاكر إني نايم تحت تأثير الدوا. دخل مكتبي، وفتح المكان السري بمفتاح كانوا سرقوه مني، وبدأ يصور كل ورقة موجودة.

الكاميرات صورت وشه. وإيديه. وسجلت صوته. —بالورق ده هنقنع الناس اللي لينا عندهم ديون إن العجوز خلاص مبقاش قادر يدافع عن نفسه. نادين هتمضي بصفتها الوصية عليه، ونبيع الأرض قبل ما البنك يسأل. فؤاد اكتشف باقي الحقيقة. شريف كان مديون بملايين لناس بيسلفوا فلوس بطرق غير قانونية. وكان مستخدم أملاكي كضمان، بعد ما زور توقيعي. ونادين كانت عارفة. والأسوأ من كده… إنها كانت ماضية على تقارير طبية مزورة بتقول إني بشوف حاجات مش موجودة، وبنسى اسمي، وإني بقيت خطر على نفسي.

الض.ربة الأخيرة جت يوم الجمعة. اتنين من المحكمة ودكتور خاص وصلوا البيت ومعاهم قرار مؤقت بنقلي لمصحة نفسية لحد ما المحكمة تحسم قضية أهليتي القانونية. نادين كانت واقفة قدامهم بتعيط بتمثيل متقن. —بابا مبقاش هو بابا. إمبارح كان بيقول إن أمي الميتة واقفة في الجنينة. ما اعترضتش. سيبتهم ياخدوني. وفي المصحة، استنيت لحد الفجر، واستخدمت الموبايل اللي فؤاد كان مديهولي في السر. هو كان مجهز كل حاجة. بعد 3 أيام، دخلت المحكمة بنفس هدوم الأرض، وماسك الطاقية في إيدي، وقلبي متقطع.

نادين وشريف كانوا فاكرين إنهم على وشك يدفنوني بالحياة… بالقانون. لكنهم ماكانوش يعرفوا إن القاضي، المستشار رؤوف صبري، كان اشتغل معايا من 25 سنة، وقت ما كنت مسؤول عن تحقيقات كبيرة في قضايا شبكات النصب المالي. وماكانوش يعرفوا كمان إني كنت واحد من الناس اللي ساعدوا في وضع إجراءات لحماية كبار السن من الاستيلاء على ممتلكاتهم. القاضي بصلي كأنه شايف واحد ميت رجع للحياة.

صوت القاضي رؤوف صبري تردد في أرجاء القاعة، وكان صدى صوته كفيلًا بأن يجعل كل من في الغرفة يتجمد في مكانه:
—«يا نهار أبيض… المستشار عزت السيوفي؟»
في تلك اللحظة، تحول لون وجه “نادين” من التكبر إلى شحوب المو.ت. أما “شريف”، فقد بدأ يتلفت حوله بحثًا عن مخرج، وكأن جدران القاعة بدأت تضيق عليه.
رفع القاضي صوته وهو ينظر مباشرة لنادين وشريف، ولم يعد القاضي الهادئ الذي كان يستمع للمرافعات، بل أصبح المستشار الذي يرى الخيانة بوضوح:
—«أنتِ تتهمين المستشار عزت السيوفي، الرجل الذي وضع معظم القوانين التي تحمي ممتلكات المواطنين، بأنه فقد أهليته؟»
نادين تلعثمت:

«سيادة القاضي.. هو.. هو مريض.. الأوراق الطبية التي قدمناها..»
قاطعها القاضي بحزم وهو يشير لحاجبه: «الأوراق الطبية التي قدمتِها يا نادين، هي نفس الأوراق التي ستُستخدم ضدك وضد زوجك بتهمة التزوير في محررات رسمية ومحاولة القتل العمد. هل تظنين أنني لا أعرف الفرق بين تشخيص طبي وبين تقرير مكتوب بدوافع الطمع؟»
في هذه اللحظة، طلب المستشار رؤوف من سكرتير الجلسة فتح الظرف الذي كان قد أرسله له المحامي “فؤاد علام” صباح اليوم.

فتح القاضي الظرف، وأخرج منه “فلاش ميموري” تحتوي على التسجيلات المصورة التي التقطتها الكاميرات في مكتبي، والتي أظهرت شريف وهو يزور التواقيع، ويخطط لبيع الأرض، ويتحدث عن تسميمي.
شغل القاضي التسجيل في القاعة. صوت شريف وهو يقول: «نبيع الأرض قبل ما البنك يسأل»، تردد في أرجاء المكان.
شريف حاول أن ينطق بكلمة، لكن القاضي أمره بالسكوت، ثم التفت إليّ وقال باحترام شديد:
—«أعتذر إليك يا سيادة المستشار على هذا الموقف الذي لا يليق بقامتك، القضاء لن يغفر لمن حاول المساس بشرف رجل من رجاله.»
لم أتحرك من مكاني.

نظرت إلى ابنتي التي كانت بالأمس القريب جزءًا من روحي. لم أكن أشعر بالغضب، بل كان الوجع هو المسيطر. قلت بصوت هادئ ومسموع للجميع:
—«كنت أظن أن البيت يجمعنا، لكنكما كنتما تنتظران خروجي منه لتبيعا ذكرياتي وأرضي بأبخس الأثمان.»
نظرت نادين لي ودموعها تنهمر، لكنها لم تكن دموع ندم، بل كانت دموع الفضيحة. حاولت أن تمسك بيدي، لكنني سحبتها ببطء، وقلت لها:
—«لقد قتلتِ في قلبي الأب الذي كان سيضحي بكل شيء من أجلك، أما القانون، فسيأخذ مجراه معكما.»
أمر القاضي بإلقاء القبض على شريف ونادين فورًا بتهمة الشروع في القتل، التزوير، والاستيلاء على أموال الغير.

خرجوا من القاعة مقيدين بالأصفاد، نفس الأصفاد التي طالما حلمت أن أرى فيها مجرمين حقيقيين، لكنني لم أتخيل أبدًا أن تكون ابنتي بينهم.
خرجت من المحكمة، وكان الهواء في الخارج مختلفًا. تنفست بعمق، واتجهت نحو الأرض التي كانت بالنسبة لي مجرد تراب، لكنها اليوم أصبحت شاهدة على أن الحق، مهما طال، لا يمو.ت.
عدت إلى البيت، جلست على كرسي “سعاد”، وأمسكت فنجان قهوتها. لم يعد هناك من يخبرني “بطل تعمل نفسك قوي”. لكنني أعلم، أنني الآن قوي بما يكفي لأبدأ حياتي من جديد، حتى لو كان ذلك وحيدًا، ولكن بكرامة لم أسمح لأحد أن يمسها.

بعد رحيلهم، خيم هدوء غريب على البيت، هدوء لم أشعر به منذ سنوات. لم يكن هدوءاً خانقاً، بل كان هدوءاً يشبه التنفس بعد صراع طويل تحت الماء.
في اليوم التالي، ذهبت إلى الأرض. وقفت هناك تحت شمس الصباح، والرياح تداعب أشجار الزيتون التي زرعتها بيدي. شعرت وكأن الأرض نفسها ترحب بعودتي، كأنها كانت تنتظر أن يرحل عنها الطامعون لتعود لي بسلام.
اتصل بي “فؤاد” المحامي ليخبرني أن إجراءات الحجز على أملاكي قد رُفعت تماماً، وأن كل التوكيلات المزورة التي استغلها “شريف” قد أُبطلت قانونياً. سألني بصوت خافت: “يا عزت، هل أنت بخير؟ هل تحتاج لأي مساعدة في إجراءات أخرى؟”

رددت عليه بابتسامة باهتة: “لا يا فؤاد. لقد استعدت حقي، وهذا يكفي. بقية الأمور سيتولاها الزمن.”
لم أستطع منع نفسي من التفكير في نادين. فكرت في كل اللحظات التي احتضنتها فيها وهي صغيرة، في كل دمعة مسحتها عن خدها. هل كانت بذرة الطمع بداخلها دائماً؟ أم أن الحياة في المدينة، وزواجها من رجل لا يعرف معنى “البركة” في الرزق، هو من أفسد فطرتها؟
قررت ألا أزورها في محبسها. لم أكن أريد أن أراها في حالة ضعف، ولم أكن أملك في قلبي ما يكفي من القوة لأغفر لها ما فعلته.

في ذلك المساء، جلست في حديقتي وأشعلت شمعة صغيرة بجانب صورة “سعاد”. قلت لها بصوت متهدج:
—”يا سعاد، لقد استرددتُ بيتنا الذي بنيناه بدموعنا. نادين أخطأت في حقنا، وأخذت طريقاً لا عودة منه. ليتك كنتِ معي لنواسي بعضنا، لكنني أعلم أنكِ كنتِ ترين ما لا أراه.”
بدأتُ أخطط لحياتي الجديدة. قررت أن أوقف جزءاً من الأرض كوقف خيري للأطفال الأيتام في قريتنا، ليكون صدقة جارية عن روح “سعاد”، ولأملأ هذا البيت الذي كاد أن يصبح مقبرةً بالحياة والضحكات من جديد.
لم أنتقم، بل استعدتُ كرامتي.

ومن كان يظن أن الرجل العجوز الذي لا يملك إلا “جلابية” قديمة هو في الحقيقة مستشار قضى عمره في إرساء العدل، فقد عرف الآن أن الحق لا يضيع طالما هناك رجل لا يقبل بالظلم، ولو على بيته الخاص.
أغلقتُ صفحة “نادين” وشريف في حياتي، وفتحتُ صفحة جديدة، صفحة عنوانها “السكينة” في أرضي التي لن تخرج من بين يديّ أبداً.

تلك كانت نهاية رحلة الاسترداد، لكن الحياة في القصر الصغير الذي بناه عزت وسعاد لم تتوقف عند هذا الحد.
بعد أشهر من الهدوء، وفي ليلة شتوية باردة، طُرق باب عزت. لم يكن زائرًا عادياً، بل كان محامي نادين. كان يحمل رسالة منها. فتح عزت الرسالة ببطء؛ كانت كلمات مكتوبة بخط يد مرتبك لا يشبه خط يد نادين الذي كان يتسم بالغرور.
كانت تطلب الصفح. كانت تعترف بأنها كانت مخدوعة بشريف، وبأن طمعها أعماها عن حقيقة أنها كانت تسير في طريق دمارها الخاص.

لم تكن تطلب المال، بل كانت تطلب فقط أن يزورها مرة واحدة قبل أن يتم نقلها إلى سجن بعيد لقضاء فترة عقوبتها.
جلس عزت طويلاً أمام المدفأة. نظر إلى صورة سعاد، ثم إلى يده التي كانت يوماً ما تمسك بالمطرقة لتحكم بالعدل، واليوم هي التي تمسك بمصير ابنته.
في اليوم التالي، وقف عزت أمام بوابة السجن. لم تكن تلك الفتاة التي كانت تترفع عن الجميع في القاعة. كانت نادين التي يعرفها، الفتاة التي كانت تخاف من الظلام، وتنتظر عودته من العمل لتسمع قصصه عن القضايا التي يحلها.
لم يقل عزت الكثير.

نظر في عينيها طويلاً، ثم وضع يده على الزجاج الفاصل بينهما وقال بصوت هادئ: “يا نادين، العقاب الذي تأخذينه الآن ليس مني، بل هو نتيجة للزرع الذي زرعتِه بنفسك. قلبي ليس قاسياً، لكن كرامة الإنسان أمانة، وأنتِ خنتِ الأمانة مرتين؛ مرة عندما حاولتِ قتل أبيكِ، ومرة عندما بعتِ أصلك.”
أجهشت نادين في البكاء، لكن عزت استدار وغادر. لم يغفر لها بالمعنى الذي يمحو الجريمة، لكنه غفر لنفسه عذاب الانتظار والترقب.
عاد عزت إلى أرضه، إلى وروده، وإلى مشروعه الخيري.

لم يعد “المستشار العجوز” الذي يبحث عن الخلاص، بل أصبح “العم عزت” الذي يعلم أطفال القرية أن الحياة ليست بالمال أو السلطة، بل بالأصل والعدل.
وعاش بقية عمره في سلام، تاركاً خلفه درساً قاسياً للجميع: أن الحق لا يضيع، وأن أعتى الأبواب تفتح بمفتاح الصبر والحكمة، لا بمفتاح الطمع.
تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى