بنتي خدتني المحكمة عشان تاخد مني أرضي وبيتي بحجة إني اتجننت… لكن أول ما القاضي سمع اسمي، وقف من مكانه وهو بيرتعش، وكل حاجة اتغيرت. لما دخلت قاعة المحكمة في القاهرة، بنتي، نادين، ابتسمتلي بقسوة عمري ما تخيلت إني أشوفها على وشها، وجوزها، شريف، اكتفى إنه يهز راسه، كأنه بيبص لكلب عجوز دخل مكان مش من حقه يدخله. كنت لابس جلابية بسيطة، وجزمتي القديمة، وماسك طاقية في إيدي. شكلي كان زي فلاح تايه، راجل عجوز مش فاهم هو موجود هنا ليه أصلًا.
نادين مالت ناحية شريف وهمستله بكلمتين في ودنه. ضحك ضحكة واطية ومغرورة، وهو واثق إن خلال دقايق القاضي هيحكم إني فاقد الأهلية، وهيديهم السيطرة الكاملة على أرضي، وحساباتي، والبيت اللي عشت فيه أنا ومراتي 40 سنة. وفجأة، القاضي رفع عينه. عينيه جت في عيني. المطرقة اللي كان ماسكها بدأت تترعش في إيده. قاعة المحكمة كلها سكتت لما سمعناه بيقول بصوت مخضوض: —يا نهار أبيض… المستشار عزت السيوفي؟ ابتسامة نادين اختفت. وشريف عقد حواجبه.
ولا واحد فيهم كان يعرف أنا كنت مين قبل ما أبقى الراجل الأرمل الساكت اللي بيسقي الورد مع طلوع الفجر، ويأكل الفراخ في أرضه الموجودة على أطراف البلد. اسمي عزت السيوفي. عندي 70 سنة. اشتغلت في النيابة أكتر من 30 سنة. لكن بالنسبة لبنتي الوحيدة، أنا بقيت مجرد راجل عجوز واقف في طريقها. كل حاجة بدأت قبلها بـ3 شهور، في عصر يوم خميس هادي. من يوم ما مراتي، سعاد، ماتت، الأرض والبيت بقوا ملجأي الوحيد.
لسه كرسيها الهزاز موجود مكانه، ومريلتها متعلقة جنب المطبخ، والورد اللي زرعته حوالين البير لسه موجود. كنت بكلمها في سري وأنا بشرب القهوة، كأني مستنيها تظهر في أي لحظة من آخر الطرقة وتقوللي: —يا عزت، بطل تعمل نفسك قوي. اليوم ده، رحت صندوق البريد ولقيت جواب تقيل جاي من الحي. أول ما فتحته، حسيت إن نفسي اتحبس في صدري. كان إخطار بوجود متأخرات ضريبية وتحذير بالحجز على الأرض والبيت. الكلام مكانش منطقي. قبلها بشهر، كنت محول لشريف 600 ألف جنيه عشان يدفع الضرائب دي.
هو كان بيتولى معاملاتي المالية بقاله سنين. نادين هي اللي أقنعتني إن ده الأفضل. —يا بابا، إنت كبرت. مش لازم تتعب نفسك بالبنوك والورق. شريف بيفهم في الاستثمار. وأنا وثقت فيهم. اتصلت بنادين فورًا. ردت عليا من مطعم غالي في القاهرة. —يا بابا، أنا قاعدة بتغدى. فيه إيه؟ —جالي إخطار بالحجز على الأرض. شريف كان المفروض يدفع الضرائب. سكتت شوية. —يا بابا، أكيد فيه غلطة. إنت بقيت بتتلخبط في الجوابات دي. شريف خلص الموضوع. هنيجي بالليل.
وصلوا بعد المغرب بعربية سودا. شريف دخل ببدلته المتكوية وشكله الواثق، بنفس غرور الراجل اللي فاكر إن الفلوس بتخليه أذكى من كل اللي حواليه. حطيت الجواب على الترابيزة. —فسرلي ده. حتى ما لمسوش. —يا عمي عزت، الحي عندهم فوضى. أنا دفعت الفلوس من أسابيع. —يبقى وريني الإيصال. نادين نفخت بضيق، كأني طفل صغير بيتعبها. —يا بابا، إنت بدأت تشك تاني. الفترة الأخيرة بقيت تنسى كل حاجة. إمبارح سبت البوتاجاز مفتوح. كان ممكن البيت كله ينفجر.
بصيتلها من غير ما أتكلم. أنا ما استخدمتش البوتاجاز ده من يوم ما سعاد ماتت. وقبلها بشهور، كنت قافل محبس الغاز الرئيسي. يعني اللي بتقوله مستحيل يكون حصل. وفي اللحظة دي، فهمت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي. بنتي كانت بتكدب عليا في وشي. كنت عايز أصرخ. كنت عايز أطردهم من البيت. لكن وكيل النيابة القديم اللي لسه عايش جوايا صحي. لو اتعصبت، هيستخدموا عصبيتي كدليل على إني فقدت عقلي. عشان كده، وطيت راسي، وخليت إيدي تترعش، وقلت بصوت ضعيف:
—يمكن فعلًا بقيت بتلخبط. نادين ابتسمت بارتياح. وشريف كمان. تاني يوم، نادين جتلي ومعاها علبة دوا بنية من غير أي بيانات عليها. —دي فيتامينات للذاكرة يا بابا. كلمت الدكتور وقال هتساعدك. خدت أول كبسولة قدامها. مش عشان كنت واثق فيها. خدتها عشان كان لسه صعب عليا أصدق إن بنتي ممكن تأذيني. خلال أسبوعين، جسمي اتحول لسجن. ماكنتش بقدر أقوم من السرير قبل الساعة 10. رجلي كانت تقيلة كأنها شوالين مبلولين. إيدي كانت بتترعش. نسيت باسورد البنك، والرقم السري للموبايل، وحتى كلمات بسيطة بقيت مش قادر أفتكرها.
في يوم، فنجان القهوة وقع من إيدي قدامهم. وأنا بعمل نفسي بلم قطع الإزاز من الأرض، شوفت انعكاس وش شريف في إزاز الشباك. ماكنش فيه قلق. كان فيه احتقار. قرب من نادين وهمسلها: —خلاص مبقاش له لازمة تقريبًا. مش هياخد وقت. بنتي ما دافعتش عني. هزت راسها بالموافقة وبس. في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت. بالليل، رميت الكبسولات في الحمام. ولمدة يومين، عملت نفسي باخدها. في اليوم التالت، عقلي بدأ يرجع صافي. ركبت عربيتي القديمة وروحت عيادة صغيرة في بلد بعيدة.
دفعت كاش، وطلبت تحليل خاص. تاني يوم، الدكتور كلمني وصوته كان متوتر. —يا أستاذ عزت، دي مش فيتامينات. دي أدوية مضادة للذهان بجرعة خطيرة. لو شخص سليم أخدها، ممكن تسببله تشوش، ورعشة، وفقدان ذاكرة، وممكن توصل لتوقف القلب. قعدت في المطبخ، وبصيت لفنجان القهوة اللي سعاد كانت بتشرب فيه كل يوم جمعة. بنتي كانت بتسممني. لكن الوجع ما دمرنيش. خلاني أدق في كل خطوة. اتصلت من موبايل مؤقت بصديق قديم اسمه فؤاد علام، واحد من أشهر محامين القضايا المدنية في البلد.
حكيتله كل حاجة. الديون المز.يفة. الكبسولات.