الجزء الخامس والأخير وقفت نجلاء في منتصف المكتب، الشارع أسفل النافذة يعج بالحركة، لكن الصمت داخل الأوضة كان يخنق الأنفاس. نظرت للأستاذة ماجدة وهي تجلس خلف مكتبها، يداها ترتجفان وهي تمسك بتقرير الطب الشرعي الصادر رسمياً وبختم الدولة. سألتها نجلاء بصوت هادئ، هدوء البحر الذي يسبق العاصفة: — “في إيه يا ماجدة؟ النتيجة فيها إيه؟” ماجدة رفعت عينيها وبصت لنجلاء بذهول واشمئزاز من بشاعة المخطط: — “البيبي.. الولد اللي سيد دمر بيته وعيلته وباعك علشانه، وطفش الدنيا عشان يقول ‘عمر سيد العريان’.. مش ابن سيد أصلاً يا نجلاء!”
نجلاء اتسمرت مكانها، وحطت إيدها على فمها من صدمة الخبر، رغم كل اللي شافته: — “مش ابنه؟! إزاي؟!” ماجدة فتحت التقرير وقرأت النتيجة بالنص: — “تحليل الـ DNA بيؤكد نفي النسبة تماماً عن سيد العريان. الطفل ده ابن ‘مدحت’.. أخو شيرين! يعني شيرين ومدحت مش إخوات من الأصل، دول كانوا شبكة نصب واستغلال! ادعت إنه أخوها عشان يدخلوا الشركة مع بعض، ولما حملت منه، استغلوا عقدة ‘الولد’ عند سيد وأمه، وألبسوه التهمة والولد، عشان يجبروه يكتب الشقة باسمها ويتنازل عن البضاعة والمناقصات لصالحهم!”
في تلك اللحظة، كان سيد يتواجد في قسم الشرطة بعد أن ألقي القبض عليه وعلى أمه الحجة فاطمة للتحقيق في الشيكات المقدمة ضد الشركة. كان سيد يجلس على الدكة الخشبية الباردة، وأمه بجواره تبكي بقلة حيلة وتتحسر على الأيام التي كانت تصول وتجول فيها في بيت نجلاء. دخل العسكري ورمى ملف التحقيقات أمام الضابط، ودخلت شيرين ومدحت مكبلين بالكلبشات بعد أن ألقت شرطة الأموال العامة القبض عليهما أثناء محاولتهما الهرب خارج البلاد بالبضاعة المهربة. وقف سيد وهو يرتجف، وصرخ في شيرين:
— “ليييه؟ ده أنا عملت كل حاجة علشانك وعلشان الولد!” هنا، تقدمت الأستاذة ماجدة ودخلت سراي النيابة، وألقت بتقرير الـ DNA ورقة التحليل الفاصلة على طاولة وكيل النيابة أمام الجميع. الضابط قرأ التقرير، ثم نظر لسيد بنظرة شفقة وازدراء وقال: — “الولد اللي أنت جرت ورائه وبعت زوجتك وبيتك علشانه.. طلع مش ابنك. التقرير الطبي الشرعي أثبت إن الطفل ابن المدعو مدحت اللي واقفه جنبك دي، وكانوا بيلبسوك القضية والنسب عشان يستولوا على أموالك!” سيد أخرج صيحة مكتومة، كأن خنجراً مسموماً غُرست في منتصف قلبه. بص لشيرين، التي طأطأت رأسها في الأرض ببرود دون أن تنطق بكلمة.
التفت سيد لأمه الحجة فاطمة، التي انهارت على الأرض وسقطت في نوبة بكاء هستيرية وهي تصرخ: — “يا فض.يحتك يا فاطمة! يا خسارة شقاكي يا نجلاء! يا دي النكسة والخراب!” سيد سقط على ركبتيه في منتصف التخشيبة، يض.رب رأسه في الحائط الخرساني ويبكي كالأطفال، يصرخ بصوت زلزل الممر: — “نجلاااااء! سامحيني يا نجلاء! أنا اتعميت! أنا بعت الذهب واشتريت التراب! يا رب مو.تني!” لكن الصوت لم يصل لنجلاء.. نجلاء كانت في عالم آخر تماماً. بعد أسبوع واحد..
في قاعة المزاد العلني بمحكمة القاهرة الاقتصادية، تم إعلان بيع ورش ومحلات “شركة العريان للتبريد والتكييف” بعد إفلاس سيد وتجريده من كافة ممتلكاته. وقفت نجلاء بثوبها الأبيض الأنيق، وبجوارها ابنتها جودي التي بلغت 15 عاماً وأصبحت شابة جميلة ومرفوعة الرأس. رفعت نجلاء التابلوه وصاحت بأعلى سعر، واشترت أصول الشركة بالكامل بمالها الخاص وحسابها المأمن، وتم تغيير الاسم التجاري رسمياً في السجل التجاري إلى: “شركة نجلاء وجودي للتبريد والتكييف والتجهيزات”. خرجت نجلاء من باب المحكمة، والشمس تشرق على وجهها. استنشقت الهواء بنفس عميق وشعرت ولأول مرة منذ 16 سنة أنها تتنفس الحرية، الكرامة، والاستقلال.
سيد عُقب بالسجن عامين في قضايا الشيكات والتزوير، وشيرين ومدحت صدر ضدهما حكم بالسجن المشدد في قضايا النصب والاحتيال وتزوير النسب. أما الحجة فاطمة، فقد انتهى بها المطاف في دار لرعاية المسنين، تعيش وحدها على أطياف الماضي، تأكلها الندامة كلما تذكرت كيف كانت بين يدي نعم الرفيقة والابنة “نجلاء”، وكيف رمت بنفسها وابنها في الهاوية طمعاً في ولد لم يكن سوى وهمٍ وخديعة. وقفj نجلاء مع بنتها جودي أمام مقر الشركة الجديد، مسكت إيد بنتها وقالت لها بكل فخر:
— “يا جودي.. طول عمرهم كانوا بيقولوا العزوة ولد يشيل الاسم.. بس أنا ثبتت للعالم إن العزوة هي الكرامة، والعقل، والبنت اللي أربيها صح وتكون سندي وضهري في الدنيا.” الحكمة من القصة: إن الطيبين قد يصبرون طويلاً، وقد يتحملون الظلم والتضحية بدافع الأصالة والوفاء، لكن صبرهم ليس ضعفاً، وطيبتهم ليست غباءً. حين يُستغرق الخداع وتُستباح الكرامة، يتحول الصبر إلى حكمة نافذة وتخطيط هادئ يُعيد الحقوق إلى أصحابها.
الأصالة لا تُباع ولا تُشترى، ومن يفرّط فيمن صانه وحفظ غيبته من أجل الأوهام والشهوات والسيطرة الزائفة، فإن الجشع يرتد عليه خسراناً مبيناً. أما المرأة التي تعرف قدر نفسها، وتثق بشرع الله وبحقها، فإنها قادرة على أن تبني من وسط الركام إمبراطورية نجاح، وتثبت أن القوة الحقيقية ليست في العزوة بالعدد، بل في شرف النفس وكرامة العقل.