منوعات

رحت اشتري قهوة من المستشفي

ماجدة ردت: “بالظبط كده.. وسيد مش هيكون حيله أي حاجة يدافع بيها عن نفسه. بس في حاجة واحدة أستاذة نجلاء لازم تعرفيها الأول قبل ما ندخل المزاد بكرة…” نجلاء بصلتها باستغراب: “حاجة إيه؟” ماجدة طلعت ورقة ثانية مطوية من الملف، ونزلت نظارتها وقالت بصوت واطي:

— “وأنا براجع السجل العقاري والمستندات القديمة بتاعة جَدِك اللي ورثتي منه أرض العياط عشان أأمن موقفنا القانوني في المزاد.. اكتشفت حاجة غريبة جداً يا نجلاء. أبا سيد — الحاج العريان الله يرحمه — كان كاتب أرض المخازن الرئيسية بتاعة الشركة باسم جَدِك أنتِ من 25 سنة كرهن سري مقابل دين قديم، والدين ده اتسدد بس الرهن ما اتفكش رسمي في الشهر العقاري! وده معناه إن سيد وأمه طول الـ 16 سنة اللي فاتوا كانوا فاكرين إنهم يملكوا المخازن، في حين إن الملكية القانونية المطلقة للمخازن دي.. ترجع ليكي أنتِ لوحدك من غير مزاد ومن غير ما تدفعي مليم واحد!”

نجلاء اتسمرت في مكانها، والفنجان كاد يقع من يدها! المفاجأة لم تكن فقط في خيانة سيد، بل في أن الثروة الحقيقية للشركة كانت طوال هذه السنين تحت يد نجلاء وهي لا تعلم، وأن ض.ربتها القادمة لن تكتفي بإنقاذ نفسها، بل ستجعل سيد يكتشف أنه كان يعيش في ملكها هي طوال 16 سنة! الجزء الرابع قبل الأخير

وقفت نجلاء أمام نافذة الفيلا تتأمل الأوراق التي وضعتها الأستاذة ماجدة على الطاولة. الورقة لم تكن مجرد سند عقاري قديم، بل كانت بمثابة مفتاح العدالة الإلهية الذي رُدّ إليها في الوقت المناسب تمامًا. عقد الرهن الخاص بمخازن شركة العريان—وهي القطعة الأكبر والأعلى قيمة في أصول الشركة بالكامل، والواقعة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي—كان مسجلاً باسم جدها الراحل، وبسبب عدم فك الرهن رسميًا ومضي عقود طويلة، انتقلت الملكية القانونية والرقابة الكاملة إليها هي بحكم الإرث الشرعي المسجل.

التفتت نجلاء نحو ماجدة وقالت بنبرة حاسمة يملؤها الثبات: — “يعني المخازن دي ملكي أنا بالقانون يا ماجدة؟ وسيد وشيرين وأخوها بيبتزوا بعض على شوية بضاعة متخزنة في ملكيتي أنا؟” ردت ماجدة وهي تبتسم بإعجاب: — “بالظبط كده يا نجلاء. سيد كان فاكر إنه بيلعب شطرنج معكِ، وتاريكي أنتِ اللي ملكة الرقعة من البداية من غير ما تدري. مدحت وشيرين كانوا حاطين عينهم على المخازن دي بالذات لأنها الملاذ الأخير للشركة، وخدوا من سيد تنازلات عرفية عنها.. والتنازلات دي بلّيها وشربي ميتها، لأن سيد أصلًا ما كانش يملك حق البيع أو التنازل عن أرض المخازن!”

في هذه الأثناء، كان سيد يمر بليلة هي الأكثر سوادًا في حياته. جلس على رصيف الشارع أمام المستشفى بعد أن رفضت الإدارة خروج أمه إلا بعد سداد المبلغ أو تقديم ضمانات مالية. التليفون لم يتوقف عن الرنين: الموردون يطالبون بديونهم، شيرين أغلقت هاتفها في وجهه بعد أن وضعت مولودها في شقتها الجديدة، والبنك أرسل مندوبًا لمقر الشركة لاستكمال إجراءات التحفظ. اضطر سيد للتنازل عن كبريائه، ورهن سيارته الشخصية لتاجر سيارات مستعملة بنصف ثمنها، ليوفر مبلغ الـ 85 ألف جنيه كاش. أسرع إلى المستشفى وسدد الحساب، ودخل غرفة أمه الحجة فاطمة وهو يجر قدميه ومحاطًا بهالة من الانكسار والانهيار.

كانت الحجة فاطمة تجلس على السرير، وجهها شاحب ولكن نبرة الأنانية لم تفارقها. أول ما رأته صرخت: — “تأخرت ليه يا سيد؟ وين نجلاء؟ خليها تجي تاخدني بالسيارة وتسويلي اللقمة، أنا جائعة وتعبانة من أكل المستشفى!” سيد ألقى بنفسه على الكرسي المائل بجوار السرير، وبكى بحرقة لم تشهدها أمه منه طوال عمره: — “نجلاء مش جاية يا أمي.. نجلاء باعت الشقة، وأخدت الـ 7 مليون، وقَفلت حساباتنا، وطلبت الطلاق رسمياً! نجلاء عرفت كل حاجة.. شفتها وهي واقفة في ممر الولادة وسمعتك وأنتِ بتقوليلي إجري كمل مع شيرين!”

اتسعت عينا الحجة فاطمة بصدمة، وتلعثمت: — “شـ.. شفتنا؟ والـ 7 مليون بتوعها؟ والشقة؟ أنت بتقول إيه يا سيد؟ إحنا هنروح فين؟” سيد رفع رأسه وعيونه حمراء كالجمر: — “هنروح الشارع يا أمي! شيرين وأخوها سرقوا البضاعة والمناقصات، ورفعوا عليا شيكات، والشركة محجوز عليها، وشقة شبرا ائتباعت للغير! الولد اللي كنتِ بموتِ عليه جاب أهله وجردوني من كل حاجة ورموني!”

سقطت الحجة فاطمة على الوسادة وهي تصرخ وتلطم خدودها، تستوعب لأول مرة حجم الكارثة التي تسببت فيها بطمعها ورغبتها في السيطرة. الست التي كانت تستغلها وتعتبرها مجرد خادمة “عمياء بتسمع الكلام”، كانت هي الأمان والغطاء والسند الحقيقي الذي يستر عورات هذه العائلة. في صباح اليوم التالي، وتحديدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا، كان الجمع يحتشد أمام المقر الرئيسي لمخازن شركة العريان.

حضر مدحت شقيق شيرين ومعه شاحنات كبيرة مصحوبة ببدلاء وعمال لنقل البضاعة الموجودة داخل المخازن لحسابه الخاص، مستندًا إلى التنازلات العرفية التي أخذها من سيد. وفي المقابل، كان سيد وأخته سحر يقفون على بوابة المخزن يحاولون منعهم بالقوة، والتلاسن كاد يتحول إلى مشاجرة بالأيدي. مدحت لوّح بالأوراق في وجه سيد وصرخ: — “زحّف أنت وهي من السكة! معايا تنازل رسمي ببضاعة المخزن، ولو فتحت بقك هطلبلك الشرطة بالشيكات اللي معاها أختي!” سيد صرخ بعجز: “المخزن ده أصول الشركة يا حرامي! مش هتمس حبة صاج واحدة!”

وفجأة، توقفت ثلاث سيارات سوداء فارهة أمام بوابة المخزن. نزل من السيارة الأولى لواء شرطة متقاعد يعمل كحارس أمن تنفيذي، ومعه قوة تنفيذ أحكام وقضائية ورسمية، ومن السيارة الثانية خرجت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفًا أزرق ختم بختم الدولة والجمعية العقارية. وأخيرًا.. فتح باب السيارة الثالثة، ونزلت نجلاء. كانت ترتدي طقمًا أنيقًا باللون الأسود والرمادي، نظرتها ثاقبة، خطواتها واثقة، وعلى وجهها ابتسامة كبرياء تحكي قصة امرأة بعثت من جديد من تحت ركام التضحيات الغبية.

توقف الجميع عن الكلام. سيد جمد في أرضه، وسحر أخته شهقت بالبُكاء، ومدحت قطس حاجبه باستغراب: — “أنتِ مين يا مدام؟ وداخلة هنا بأمارة إيه؟” نجلاء لم تنظر حتى لمدحت، بل مرت من أمامه وكأنه هواء. وقفت أمام سيد مباشرة، بصت في عينيه المكسورتين ببرود تام. سيد بصوت مرتعش: “نجلاء.. أنتِ.. أنتِ جيتي ليه؟ جيتي تنقذينا؟” — “أنقذكم؟ أنا جاية أستلم ملكي يا سيد.” تدخلت المحامية ماجدة بصرامة ورفعت الصيغة التنفيذية أمام المحضر والشرطة ومدحت:

— “الأرض دي والمخازن اللي عليها بجميع محتوياتها والبضاعة اللي جواه، مسجلة ملكية حصرية ومطلقة باسم المدام نجلاء بموجب إعلام وراثة وعقد رهن وتمليك نهائي ممتد من المرحوم جدها. أي محاولة لنقل أي قطعة بضاعة من هنا تعتبر سرقة بالأكراه واعتداء على ملكية خاصة، والقوة التنفيذية معاها أمر بمنع أي شخص من دخول الموقع!” مدحت صدم ورجع لورا خطوات وهو يبص للورق: “إيه الكلام الفارغ ده؟ سيد متنازلي عن البضاعة دي!” ماجدة ردت بثقة وصوت مرتفع أسمع الجميع:

— “سيد كان بيبيعلك السمك في المية يا أستاذ مدحت! سيد لا يملك الشبر اللي واقف عليه، والتنازلات اللي في إيدك بلها وشرب ميتها! وأختك شيرين الشيكات اللي معاها هتترد عليها بقضية تزوير واستغلال نفوذ وإفلاس تدليسي محرر ضدها النهاردة الصبح!” سيد وقع على ركبتيه في التراب أمام بوابة المخزن، يباعد بين أنفاسه بصعوبة. لم يستوعب حجم اللعبة؛ الزوجة التي ظن أنه استغفلها وأكل حقها، اتضح أنها المالك الحقيقي لثروته بالكامل، وأن العشيقة التي حارب من أجلها خسر أمامها كل شيء وستساق معه إلى ساحات المحاكم.

نجلاء اقتربت من سيد الملقى على الأرض، أخرجت من حقيبتها مظروفًا أبيض ورمته تحت قدميه. وقالت بصوت هادئ ومسموع للجميع: — “دي دعوى الخلع ورسم الدخول في المزاد العلني لشراء بقية ورش الشركة المحجوز عليها. الأسبوع الجاي، شركة العريان هتبقى رسمياً شركة ‘نجلاء وشركاها للتبريد’. أنت وأمك وشيرين هتقفوا في مكانكم الصح.. المكان اللي أفعالكم وطمعكم يديكم إياه.” التفتت نجلاء وذهبت نحو سيارتها بخطوات ثقيلة ومرفوعة الرأس، بينما كان سيد يصرخ باسمها ويبكي في التراب، وأخته سحر تصرخ على مدحت الذي بدأ بالهرب من المكان قبل وصول شرطة الأموال العامة.

ولكن الكشف الأخير والض.ربة القاضية لم تكن قد اكتملت بعد… فحين وصلت نجلاء إلى مكتب المحامية ماجدة مساء ذلك اليوم لتوقيع استلام المخازن رسمياً، تلقت ماجدة مكالمة هاتفية طارئة من الطب الشرعي والسجل المدني بشأن بلاغ قديم كانت نجلاء قد تقدمت به للفحص الحيوي والوراثي بشأن شهادة ميلاد الطفل الجديد “عمر”! ماجدة رفعت السماعة، وشحبت ملامح وجهها، ثم نظرت إلى نجلاء وقالت بصوت يرتجف من الصدمة: — “نجلاء.. نتيجة تحليل الـ DNA بتاعة البيبي اللي ولدته شيرين وصلت…”

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى