منوعات

رحت اشتري قهوة من المستشفي

سيد كان قاعد في مكتبه في الشركة بالدقي، وجهه شاحب وعيونه حمرا من كتر التفكير وعدم النوم. دخلت عليه أخته سحر وهي بتصرخ ومسكة ملفات في إيدها: — “سيد! الحقنا! البنك حجز على حسابات الشركة! والموردين رافعين قضايا بشيكات بدون رصيد قيمتها 3 مليون جنيه!” سيد قام وقف بذهول: “إزاي؟ أنا مأجل الشيكات دي لشهر 10!”

سحر رمت الملفات على المكتب: “نجلاء! نجلاء كانت شريكة معنا بالوصاية الضمنية من أيام ما دفعت سداد التوريدات السنة اللي فاتت، والنهاردة المحامية بتاعتها قدمت توقيع رسمي باسم نجلاء للمحكمة وللبنك بيثبت إن نجلاء لها حصة حقيقية 30% من أرباح وأصول الشركة مقابل الفلوس اللي كانت بتدفعها طول السنين اللي فاتت بعقود عرفية مستترة أنت ما كنتش فاكر إنها مسجلاها!” سيد فتح عينيه على وسعهم، مسك الورق بإيدين ترتعش. التوقيع كان باسم نجلاء فعليًا، بس المفاجأة الكبرى ما كانتش في الحصة ولا في الحجز..

المفاجأة كانت في الوثائق المرفقة مع الملف! وثائق رسمية مسحوبة من سجلات الشركة ومن المصلحة العامة، بتثبت إن شيرين — العشيقة والزوجة التانية اللي سيد اتجوزها في السر وولدت له الولد — ما كانتش مجرد موظفة مبيعات بسيطة ولا غلبانة زي ما توهم! التوقيع والأوراق كشفوا إن شيرين كانت على صلة بقضايا اختلاس قديمة، وإنها أخت شريك منافس لشركة العريان للتبريد، وكانت شغالة بعقد استشاري سرّي مع الشركة المنافسة لتسريب عقود المناقصات وتكشيف حسابات سيد وسحر عشان تفلسهم وتخليهم يبيعوا الورش والمحلات بأبخس الأثمان!

سيد طاح على الكرسي، انفاسه متقطعة وهو بيقرا التقرير اللي نجلاء كشفت النقاب عنه بالتوقيع ده: شيرين ما حبتوش، ولا كانت فارقة معاها العزوة والولد.. شيرين والحجة فاطمة كانوا بيتحركوا في المخطط، بس شيرين كانت بتستغل نقطة ضعف سيد وأمه في حلم “الولد” عشان تمسك عليه ورق، وتخليه يكتب لها شقة تانية باسمها وتخليه يمضي على تنازلت عن بضاعة من المخازن لصالح أخوها المنافس!

الض.ربة جاءت من حيث لا يحتسب: العشيقة اللي كان فاكر إنه بيخدع بيها نجلاء عشان يجيب الولد، كانت هي اللي بتخدعه وبتسحبه للخراب الكامل، ونجلاء ما كانتش مجرد زوجة مظلومة مشيت.. نجلاء سابت القنبلة تنفجر في وشه وخرجت وهي مأمنة كل مليم وممتلكاتها، وسايباه يواجه السجن، الإفلاس، والمؤامرة اللي دخل فيها برجليه! سقط سيد على كرسيه وكأن الجدران تهاوت فوق رأسه. الأوراق في يده كانت تتراقص، وعيناه تنقلتا بين توقيع نجلاء الحاد وبين التقارير المالية والوثائق التي كشفت حقيقة شيرين. سحر، أخته، كانت تطوف في المكتب كالمجنونة، تلطم خدودها وتصرخ:

— “ضيّعتنا يا سيد! ضيّعت شقى أبونا عشان حتة ولد! البنك هيحجز على المحلات والورش خلال أسبوع، والشيكات اللي باسمك هتدخلك السجن، وشيرين اللي جابتهالك أخت المنافس الرئيسي لينا في السوق!” في تلك اللحظة، رن هاتف سيد. كان المتصل هو طبيب المستشفى حيث ترقد أمه الحجة فاطمة. رد سيد بصوت خافت ومكسور: “أيوه يا دكتور…”

جاءه صوت الدكتور مستغربًا: “أستاذ سيد، والدتك محتاجة تخرج النهاردة، ومصاريف العملية والمستشفى لحد دلوقتي محدش دفعها.. المدام نجلاء كانت هي اللي متكفلة بكل الحسابات والفيزا بتاعتها هي اللي كانت مسجلة في الاستقبال، لكن الصبح جاء إخطار من البنك برفض أي تعامل على الفيزا دي، ومطلوب تدفع 85 ألف جنيه كاش فورًا عشان نكتب لوالدتك خروج!” سيد أغمض عينيه بألم شديد. نجلاء لم تكتفِ بالخروج من حياته، بل رفعت يدها تمامًا عن كل مصاريف العائلة التي كانت هي العمود الفقري لها. أين يجد 85 ألف جنيه كاش الآن وحسابات الشركة مقفولة وحسابه الشخصي لا يحتوي إلا على بضعة آلاف؟

قال لل doctor بصوت مبحوح: “ساعة وأكون عندك يا دكتور…” أغلق الخط وبص لأخته سحر: “هاتي أي سيولة معاكي يا سحر.. أمي محبوسة في المستشفى ومش عارفين نخرجها.” سحر بصت له بغضب وقسوة: “أنا مش حيلتي جنيه يا سيد! فلوسي كلها كانت محطوطة في بضاعة المخزن اللي حضرتك تفرّجت عليه لشيرين وأخوها! روح للست شيرين تجيبلك من أرباح المناقصات اللي سرقتها مننا!” خرج سيد من الشركة يجر قدميه جراً. توجه أولاً إلى الشقة التي أجرها لشيرين في منطقة التجمع الخامس، الشقة التي اشترها لها بأقساط مؤخرًا ليضمن بقاءها بجانبه حتى تنجب الولد.

فتح الباب بالمفتاح، ودخل يبتغي مواجهتها بالأوراق التي كشفتها نجلاء. كانت شيرين تجلس على الأريكة تحمل الطفل “عمر”، وبجوارها والدتها وأخوها “مدحت” — الشريك المنافس في شركة التبريد! عندما دخل سيد، لم يجد في عيونهم أي مظاهر للمفاجأة أو الخوف، بل كانت هناك برود تام وابتسامة ثقة خبيثة. سيد رمى الأوراق على الطاولة وصرخ بصوت زلزل المكان: — “إيه ده يا شيرين؟ إيه الورق ده يا مدحت؟ أنتم كنتم بتسرقوا الشركة من ورايا؟ العقد الاستشاري السرّي ده يعمل إيه مع المنافس بتعي؟”

مدحت قام بكل هدوء، وضع يده في جيبه وقال بنبرة ساخرة: — “اهدى بس يا سيد بيه عشان صحتك.. وما ترفضش صوتك في بيت أختي. سرقة إيه وكلام فاضي إيه؟ العقد ده استشارات مبيعات تسويقية رسمية، والشيكات اللي أختي خدتها منك كانت مقابل مؤخر صداقها وفواتير تجهيز الشقة.. كل حاجة بالقانون وبإمضاء إيدك الكريمة.” سيد التفت لشيرين والدموع تتجمع في عينيه من هول الصدمة: — “شيرين.. أنتِ كنتِ متفقة معاهم عليا؟ أنا اللي جوزتك وكتبتلك الشقة دي وعملتلك كل اللي طلبتيه عشان تجيبلي الولد؟”

شيرين حطت البيبي في سريره وقامت ببرود شديد، وبصت له من فوق لتحت: — “ولد؟ هو أنت فاكر إن في زمننا ده في ست بتبيع نفسها وكرامتها عشان تتجوز راجل أكبر منها بـ 15 سنة وتتحمل قرف أمه وتديه ولد لوجه الله؟ أنت كنت بالنسبة لي صيد سهل يا سيد.. راجل موهوم بحلم ‘الولد’، وعنده عقود ومناقصات يسوى ملايين، وأمه كانت السلم اللي دخلتلك منه! أُمك هي اللي جابتك لحد عندي لما كانت بتتحايل عليا أقبل بيك عشان ألم الشمل وأجيب الولد العريان!”

الكلمات كانت كالسياط على وجه سيد. اكتشف أن أمه لم تكن مجرد شريكة في خداع نجلاء، بل كانت الفريسة السهلة التي استخدمها مدحت وشيرين للوصول إلى ثروة الشركة وممتلكاتها! قال سيد وهو يرتجف: “الشقة دي باسمي.. هبيعها وأسدد ديوني!” ابتسم مدحت وقال بثقة: “تبيع إيه يا شاطر؟ الشقة دي مكتوب فيها شرط جزائي ومسجلة باسم شيرين كمنزل زوجية ومؤخر، ولو فكرت تقرب منها أو ترفع قضية، الشيكات المفتوحة اللي معاها بإمضاءك هتوصل النيابة بكرة الصبح.. وتفضل من غير مطرود عشان المدام محتاجة ترتاح.”

خرج سيد من الشقة كالمجنون، يشعر بالدوار والضياع. الشارع كان مظلمًا في عينيه. رجل كان يملك كل شيء: زوجة صالحة، بنتاً كالقمر، 7 ملايين جنيه، شركة ناجحة، وشقة واسعة في شبرا.. وفي ظرف 48 ساعة، أصبح بلا بيت، بلا شركة، مهدداً بالسجن، وعشيقته التي تحدا من أجلها العالم ألقته في الشارع بعد أن أخذت كل ما يملك! تلقى اتصالاً آخر من أمه: — “الحقني يا سيد! المستشفى حاطة أمن على الباب ومش راضيين يخرجوني! فين نجلاء؟ كلم نجلاء تخلي الفيزا تشتغل!”

صرخ سيد في الهاتف بأعلى صوته وبكاء هستيري: — “نجلاء مش هنا يا أمي! نجلاء باعت الشقة وأخدت الـ 7 مليون وقَفلت الشركة! نجلاء اللي كنتِ بتقولي عليها عمياء وبتسمع الكلام طلعت أذكى مننا كلنا! شيرين وأخوها سرقونا ورموني في الشارع يا أمي!” على الجانب الآخر، وفي إحدى المناطق الهادئة في التجمع الخامس، كانت نجلاء تجلس في فيلا صغيرة مستأجرة بعناية. الشرفة تطل على حديقة غناء، وجودي بنتها تجلس بجوارها تدرس على جهاز اللابتوب براحة بال لم تشهدها منذ سنوات.

دخلت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفاً أسود كبيراً. ابتسمت نجلاء وقدمت لها فنجان القهوة الساخن. ماجدة قعدت وقالت: “سيد أكل القلم المظبوط يا نجلاء.. شيرين ومدحت جردوه من كل حاجة، والبنك أعلن التحفظ على حصته في الشركة، وأمه محبوسة في المستشفى بسبب المصاريف.” نجلاء رشفت من القهوة بهدوء، ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الشماتة، بل كان وجهها يعكس راحة بال من استرد حقه كاملاً غير ناقص. قالت نجلاء: “أنا مش شمتانة يا ماجدة.. أنا بس عملت اللي كان المفروض أعمله من 10 سنين. حمايتي لنفسي ولبنتي كان لازم تكون هي الأولوية، مش التضحية للي ما يستاهلش.”

ماجدة فتحت الملف الأسود وقالت بنبرة جدية: — “تمام.. خطوتنا الجاية جاهزة. المحلات والورش بتاعة شركة العريان هتنزل في المزاد العلني الأسبوع الجاي بمرسوم قضائي لتسديد ديون الموردين. الـ 7 مليون بتوعك مأمنين في حساب جودي، بس إحنا نقدر نستخدم السيولة اللي أخدتيها من بيع شقة شبرا (الـ 3.5 مليون) عشان ندخل المزاد ده ونشتري الأصول دي باسمك أنتِ وباسم جودي وبأقل من نص تمنها الحقيقي!” نجلاء ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “يعني الشركة اللي سيد وأبوه بنوها، واللي سيد ضيعها عشان شيرين.. هتتحول لشركة ‘نجلاء للتبريد والتكييف’؟”

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى