وأبوك
دفع ثمن محاولته إنه يصلح غلطته. كان ممكن يسكت ويعيش مرتاح، لكنه اختار يقول الحقيقة، حتى لو ده عرّضه للخطر.
سايروس نزل عينيه، وحس لأول مرة إنه فهم وصية أبوه.
أبوه ما كانش كاملًا، لكنه لما اكتشف إنه اتسبب بحسن نية في مشكلة كبيرة، حاول يصلحها بدل ما يهرب منها.
إلياس يظهر للمرة الأخيرة
قبل ما يقدروا يتحركوا، سمعوا صوت عربات بتقف قدام البيت.
إدوارد بص من الشباك، ووشه اصفر.
إلياس وصل!
سايروس مسك بندقيته، لكن إدوارد رفع إيده وقال
مش هنحل المشكلة دي بالرصاص. إحنا معانا الدليل، ولازم نوصل للمحكمة.
وفجأة، جه صوت إلياس من برّه
إدوارد هيل! انتهى وقت الاختباء. سلّم الأوراق، وأنا هسيب البنت والراجل الجبلي يعيشوا!
إدوارد فتح الباب، وخرج ومعاه المستندات، بينما سايروس وجوزفين وقفوا وراه.
إلياس كان واقف وسط رجاله، وعلى وشه ابتسامة واثقة.
لكن أول ما شاف الأوراق في إيد إدوارد، ابتسامته اختفت.
إنت لسه محتفظ بيها؟!
إدوارد رد بهدوء
احتفظت بيها عشان اليوم اللي تتحاسب فيه على كل اللي عملته.
إلياس ضحك بعصبية.
ومين هيصدقك؟ إنت راجل اختفى سبعتاشر سنة، ومعاك أوراق ممكن أي حد يزوّرها!
في اللحظة دي، ظهر من آخر الطريق رجال من مكتب الشريف، ومعاهم الدكتور صمويل برادوك.
الدكتور كان سلّم نفسه واعترف بكل اللي عمله، ووافق يشهد ضد إلياس مقابل إنه يتحمل مسؤوليته القانونية عن دوره في التزوير وإخفاء الأدلة.
أما جورج، فكان وصل قبلهم، بعد ما ساعده رجال محليون على تلقي العلاج.
الدكتور وقف قدام إلياس وقال
أنا هشهد بكل حاجة. هقول
إزاي سلّمتك معلومات مارجريت، وإزاي حاولت أخفي الملف الطبي، وإزاي هددتني لما حاولت أتراجع.
إلياس حاول يهرب، لكن رجال الشريف قبضوا عليه وعلى اثنين من رجاله، بعد ما لقوا معاهم مستندات وأختام مزورة.
وللمرة الأولى من سنين طويلة، ما قدرش يشتري سكوت حد، ولا يخوّف شاهد، ولا يدفن الحقيقة.
وبعد شهور من التحقيق، المحكمة أدانت إلياس بتزوير المستندات، والاحتيال، والتسبب عمدًا في اللي أدى مارجريت، بناءً على الأدلة وشهادات الشهود.
أما الدكتور، فتحاسب على دوره في إخفاء الأدلة والتلاعب بالسجلات.
الحقيقة أخيرًا ظهرت، والناس اللي استغلوا خوف الآخرين عشان يحققوا مصالحهم، اضطروا يواجهوا عواقب أفعالهم.
جوزفين تخلع الشوال إلى الأبد
بعد انتهاء القضية، رجعت جوزفين مع سايروس إلى كوخه في الجبال.
لكن المرة دي، ما رجعتش وهي خايفة من نظرات الناس، ولا مستنية حد يقرر إذا كانت تستحق تعيش بينهم أو لأ.
في أول صباح بعد رجوعهم، وقفت قدام المرآة الصغيرة المعلقة جنب المدفأة.
كانت الندبات لسه موجودة، وملامح وشها ما اتغيرتش، لكنها لأول مرة بصت لنفسها من غير ما تحاول تداري وشها.
سايروس كان واقف عند الباب، ولما لاحظ إنها ماسكة الشوال القديم، سألها
هتعملي إيه بيه؟
جوزفين بصت له، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
هحتفظ بيه، مش عشان ألبسه تاني… لكن عشان أفتكر إني نجيت من كل اللي حصل.
وبعدها حطته في صندوق قديم، وقفلت عليه.
سايروس ما حاولش يقول لها إنها لازم تبقى قوية، ولا طلب منها تنسى اللي حصل.
كل اللي عمله إنه حط قدامها كوبًا من القهوة الساخنة، وساب
لها المساحة اللي تحتاجها عشان تبدأ من جديد.
ومع مرور الأيام، جوزفين بدأت تساعده في أعمال البيت، وتتعلم قراءة الحسابات والرسائل، وتكتب لوالدها إدوارد بانتظام.
أما إدوارد، فكان بيزورها كلما سمحت الطرق، وبيحاول يعوضها عن السنين اللي اتحرمت فيها من معرفته.
وجورج كمان بدأ يصلح علاقته بيها، لكنه ما طلبش منها تسامحه بسرعة.
كان عارف إن الثقة اللي اتكسرت سنين طويلة محتاجة وقت عشان ترجع.
بعد سنة كاملة…
في نوفمبر من السنة التالية، نزل سايروس وجوزفين إلى بلدة أوروفينو.
نفس البلدة اللي اتجمعت فيها الناس من سنة، وضحكوا عليها، واعتبروها إنسانة أقل منهم لمجرد إن وشها مختلف.
لكن المرة دي، كانت جوزفين ماشية من غير شوال، رافعة رأسها، ولابسة فستانًا أزرق بسيطًا.
بعض الناس عرفوها، وبدأوا يتهامسوا.
واحد من الرجال اللي كانوا موجودين يوم بيعها قرب منها، وقال بإحراج
جوزفين… أنا آسف على اللي حصل زمان.
جوزفين بصت له، وقالت بهدوء
أتمنى تكون اتعلمت إن الإنسان مش سلعة، وإن محدش من حقه يهين حد عشان شكله.
وبعدين كملت طريقها.
ما كانتش محتاجة تنتقم من كل شخص ضحك عليها، ولا تثبت لهم إنها تستحق الاحترام. كانت عارفة قيمتها، وده كان كفاية.
أما سايروس، ففضل ماشي جنبها، بنفس الهدوء اللي استقبلها بيه أول ليلة في كوخه.
وبعد فترة، اختاروا يتجوزوا بإرادتهم، بعد ما جوزفين بقت حرة تمامًا في قرارها، وبعيدًا عن أي ضغط أو خوف.
ما كانش سايروس بيعتبر نفسه صاحب فضل عليها، ولا كانت جوزفين شايفة نفسها مدينة له بحياتها.
كانوا اتنين اتقابلوا في وقت صعب،
وكل واحد فيهم عرف في التاني إنسانًا يستحق الاحترام.
وعاشوا في كوخ الجبال، وسط الشتاء الطويل والليالي الهادية، وبنوا حياة أساسها الأمان والصدق، مش الشفقة ولا المظاهر.
وفي يوم، جوزفين علّقت الشوال القديم فوق رف خشبي، جنب صورة أمها.
كل ما كانت تبص له، تفتكر اليوم اللي افتكرت فيه إن حياتها انتهت، بينما الحقيقة إن حياتها الجديدة كانت لسه بتبدأ.
أما سايروس، فكان كل ما حد يسأله ليه دفع خمسين دولار عشان يتجوز ست أهل البلد وصفوها بالمسخ، يرد بنفس الإجابة
أنا ما دفعتش عشان أشتري ست، ولا كنت بدوّر على واحدة تنقذني من الوحدة. أنا شفت إنسانة كل الناس قررت إنها ما تستاهلش الرحمة، ورفضت أبقى واحد منهم.
لأن جوزفين ما كانتش محتاجة حد يغيّر وشها عشان تبقى جميلة… كانت محتاجة حد يشوفها إنسانة قبل ما يحكم عليها.
