جوزفين فجأة افتكرت حاجة.قبل بيوم، أمها كانت قاعدة جنبها، وطلبت منها تحفظ جملة غريبة، وقالت لها إن الجملة دي هتكون مفتاحًا لحاجة مهمة لما تكبر.
وقتها جوزفين كانت صغيرة، وما فهمتش معناها.
لكن دلوقتي، وسط التلج والخطر، الكلمات رجعت لذاكرتها بوضوح.
لما القمر يختفي ورا الجبل، دوري على البيت اللي ملوش باب… هناك هتلاقي الحقيقة اللي محدش
يقدر يشتريها.
جوزفين رفعت رأسها فجأة.
البيت اللي ملوش باب!
افتكرت كوخًا حجريًا قديمًا في الغابة، كان أبوها جورج بيمنعها تقرب منه، ويقول لها إنه مهجور وممكن يقع في أي لحظة.
بصت لسايروس وهمست
أنا عارفة مكان الورق!
سايروس سألها بسرعة
فين؟!
لكن قبل ما تجاوب، إلياس سمع همسها، وفهم من نظرتها إنها افتكرت حاجة.
فصرخ برجاله
امسكوها! ما تخلوهاش توصل للمخزن!
الرجال اندفعوا ناحيتهم.
سايروس أطلق طلقة في الهواء عشان يوقفهم، وصمويل سحب الدكتور بعيدًا عن خط النار، وجوزفين جريت ناحية الغابة وسط التلج.
سايروس لحقها، وهو بيصرخ
جوزفين! استني!
لكنها ما وقفتش.
كانت بتجري ناحية الكوخ الحجري، المكان اللي فضلت طول طفولتها ممنوعة تقرب منه.
وبعد دقائق من الجري، وصلوا أخيرًا.
كان الكوخ صغيرًا، سقفه منهار جزئيًا، وبابه القديم متثبت بالخشب والمسامير.
جوزفين وقفت قدامه، وهي بتاخد نفسها بصعوبة.
أمي قالت لي إن الحقيقة هنا… بس عمرها ما قالت لي إزاي أوصل لها.
سايروس فحص الباب، ولاحظ إن الخشب قديم جدًا، لكن القفل جديد نسبيًا.
طلع المفتاح النحاسي اللي أخده من صمويل، وجرّب يدخله في القفل.
المفتاح دخل بسهولة.
وبمجرد ما لفّه، سمعوا صوت طقطقة جاية من جوه الحيطة.
جزء من الأرضية الحجرية اتحرك، وظهر تحته تجويف صغير.
سايروس نزل على ركبته، ومد إيده جوه التجويف، وطلع صندوقًا خشبيًا ملفوفًا بقماش مشمع.
جوزفين قربت منه، وقلبها بيدق بعنف.
فتحوا الصندوق، فلقوا جواه مجموعة مستندات قديمة، وخطابات مختومة، وصورة لوالدتها وهي واقفة جنب رجل شاب.
على ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بخط أمها
إدوارد هيل، والد جوزفين الحقيقي… والرجل الوحيد اللي حاول ينقذنا.
لكن
تحت الصورة كان فيه خطاب مختوم باسم سايروس كريد الأب.
سايروس فتح الخطاب بإيدين مرتعشتين، وبدأ يقرأ.
كل ما كان بيقرأ سطر، وشه كان بيزداد شحوبًا.
جوزفين سألته بقلق
مكتوب إيه؟!
سايروس رفع عينيه ناحيتها، وقال بصوت مخنوق
أبويا كان عارف إن إدوارد هيل لسه عايش وقت ما كتب الخطاب ده…
سكت لحظة، وبعدين كمل
والأسوأ من كده… إنه كتب عنوان المكان اللي كان إدوارد مستخبي فيه، وطلب من حد يوصّله ليه قبل ما إلياس يوصله الأول.
جوزفين خطفت الخطاب من إيده، وبدأت تقرأ العنوان.
لكن أول ما وصلت لآخر سطر، إيديها بدأت ترتعش.
العنوان ما كانش في سانت لويس، ولا في أوريغون سيتي.
كان في بلدة صغيرة على بُعد يومين من كوخ سايروس.
وتحت العنوان مباشرة، كانت فيه جملة أخيرة مكتوبة بخط والد سايروس
لو وصلت الرسالة دي لابني، لازم يعرف إن إدوارد هيل ما اختفاش بإرادته… وإن الشخص اللي حبسه بعيد عن بنته كل السنين دي، موجود أقرب مما يتخيل.
وفجأة، سمعوا صوت خطوات برّه الكوخ الحجري.
خطوات بطيئة، بتقرب من الباب.
وبعدين جه صوت راجل من وسط الظلام
جوزفين… أنا عارف إنك جوه.
جوزفين حبست نفسها.
الصوت كان مألوفًا بشكل مرعب.
كان صوت الراجل اللي رباها طول طفولتها…
جورج ميلر، أبوها اللي اتقال لها إنه مات من تلات شهور!
يتبع…
الجزء السادس
أبوها اللي مات من تلات شهور… واقف برّه الباب!
جوزفين حست إن رجليها مش شايلينها.
الصوت اللي سمعته برّه الكوخ كان مستحيل يكون حقيقي، أو على الأقل ده اللي كانت بتحاول تقنع نفسها بيه.
جورج ميلر، الراجل
اللي رباها، واللي قضت عمرها فاكرة إنه مات من تلات شهور، كان واقف برّه وبينده عليها باسمها!
سايروس رفع البندقية، ووقف قدامها.
ما تتحركيش من مكانك.
لكن جوزفين كانت بتتهز من الصدمة، وبتهمس لنفسها
أنا حضرت جنازته… أنا شفت النعش بعيني!
الصوت رجع تاني من برّه
جوزفين، عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إنك مش هتصدقي كلامي بسهولة. بس لو ما خرجتيش دلوقتي، إلياس هيوصل لك قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
سايروس قرب من الباب، وقال بصوت حازم
لو إنت جورج فعلًا، قول لنا حاجة محدش يعرفها غيرك!
سكت الراجل شوية، وبعدين قال
لما كانت جوزفين عندها عشر سنين، وقعت في النهر وهي بتحاول تجيب سلة الغسيل اللي جرفها التيار. أنا نزلت وراها، وطلعتها بنفسي، وبعدها فضلت أسبوعين أخاف أسيبها تبعد عن البيت.
جوزفين حطت إيدها على بُقها.
الذكرى دي كانت حقيقية، ومحدش يعرف تفاصيلها غيرها وغير جورج.
همست
بابا…
لكن سايروس منعها من الاقتراب.
استني. إنه يعرف ذكرياتك مش معناه إننا نقدر نثق فيه.
جوزفين بصت له، ودموعها بتنزل.
حتى لو كان كداب، أنا محتاجة أعرف ليه كل ده حصل!
سايروس فضّل متردد لحظات، وبعدها فتح الباب بحذر، وهو مصوّب البندقية ناحية الرجل الواقف برّه.
كان راجلًا عجوزًا، شعره أبيض، ووشه شاحب، وهدومه مبلولة من التلج.
ولما شاف جوزفين، عينيه اتمَلَت بالدموع.
يا بنتي…
جوزفين ما قدرتش تتحرك.
كانت عايزة تجري عليه، وفي نفس الوقت خايفة يكون كل اللي قدامها خدعة جديدة.
سألته بصوت مرتعش
إنت متّ إمتى؟!
جورج نزل عينيه للأرض.
ما متّش يا جوزفين.
أمال مين اللي دفناه؟!
جورج سكت، وملامحه اتشدت من الألم.
الراجل اللي اتدفن في القبر ده كان أخويا، توماس. مات قبلّي بأيام، وإلياس استغل عشان يخلّي الناس تفتكر إني أنا اللي متّ.
جوزفين رجعت خطوة لورا.
وإنت سبتني أعيش كل ده لوحدي؟! سبتني أتعرض للإهانة، وأتبعث من بيت لبيت، لحد ما اتبعت في السوق زي الحيوانات؟!
جورج حاول يقرب منها، لكنها رفعت إيدها تمنعه.
ما تقربش!
وقف مكانه، وكأنه تلقّى ضربة أقوى من أي سلاح.
سايروس تدخّل وقال
كفاية كلام دلوقتي. عايزين نفهم إنت كنت فين، وليه إلياس بيدوّر على جوزفين، وإيه علاقة أبويا بالموضوع ده كله.
جورج بص له باهتمام.
أبوك كان راجل شريف يا سايروس. وهو الوحيد اللي حاول يساعدني لما اكتشفت إن إلياس بيزوّر مستندات ملكية الأراضي وبيستولي على أرباح الشركة.
طيب ليه أبويا خبّى الحقيقة عني؟
لأنه كان عارف إن إلياس ممكن يستخدمك ضدي.
أبوك كان معاه نسخة من السجلات الأصلية، وكان مستعد يسلّمها للمحكمة، لكن قبل ما يعمل كده، اختفى جزء من المستندات.
سايروس افتكر الصندوق الحديدي اللي لقاه تحت أرضية كوخه.
إحنا لقينا مستندات بالفعل، لكن فيه ورقة ناقصة.
جورج هز رأسه.
الورقة الناقصة هي أهم ورقة في القضية. فيها أسماء الأشخاص اللي شاركوا إلياس في التزوير، وتوقيعاتهم الأصلية.
جوزفين سألت بسرعة
وأمي؟ إيه اللي حصل لها بالضبط؟
جورج غمض عينيه، وكأنه بيحاول يستجمع شجاعته.
أمك اكتشفت إن إلياس بيخطط مخزن الأخشاب عشان يدمّر السجلات اللي بتدينه.
حاولت تهرب بالمستندات، لكن
بدأ قبل ما تخرج من المبنى.
وإنت كنت فين؟!
كنت بحاول أوصل لها، لكن إلياس ورجاله حاصروا المكان. لما قدرت أدخل، لقيتها مصابة، وكانت بتحاول تنقذك.
جوزفين بدأت تبكي .
جورج كمل بصوت مكسور
قبل ما ، طلبت مني أحافظ عليكي، وأخليكي تعيشي بعيد عن الناس اللي تسببوا في . ولما عرفت إن إلياس بيدوّر عليكي، اضطرّيت أخفي هويتي، وأخلي الناس تفتكر إني متّ.
جوزفين ردّت بغضب
تحميني من إيه؟! من الحقيقة؟! ولا من إنك تواجه اللي حصل؟!
جورج ما لاقاش إجابة.
لأول مرة، الراجل اللي كانت بتعتبره أبوها وقف قدامها من غير أي حجة يدافع بيها عن نفسه.
وبعد لحظة صمت، مد إيده داخل معطفه، وطلع خطابًا قديمًا.
أمك سابت لك الرسالة دي. طلبت مني ما أديهاش لك إلا لما تبقي مستعدة تعرفي كل حاجة.
جوزفين أخدت الخطاب بإيدين مرتعشتين.
كان عليه اسمها بخط أمها.
قعدت على صندوق خشبي، وفتحت الخطاب بحذر، وبدأت تقرأ بصوت منخفض
بنتي الحبيبة جوزفين…
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا ما قدرتش أكون جنبك وإنتِ بتكبري، وده أكتر شيء وجع قلبي.
عايزاكي تعرفي إن وشك عمره ما كان عيب، وإن الندبات اللي على جلدك مش دليل على إنك أقل من أي إنسان. دي آثار يوم حاولت فيه أحميكي، ولو كان ليا عمر تاني، كنت هعمل نفس الشيء من غير تردد.
فيه ناس هتحاول تقنعك إن شكلك هو اللي بيحدد قيمتك، لكن ما تصدقيهمش. الإنسان بيتعرف بأفعاله، مش بملامحه.
وفيه سر تاني لازم تعرفيه…
أبوكي الحقيقي، إدوارد هيل، ما
سابكيش بإرادته. هو اتجبر يبعد عنك عشان يحميكي من الناس اللي كانوا عايزين يستغلوا اسمه وفلوسه.
لو قدرتي توصلي له يومًا، قولي له إني سامحته، وإني كنت عارفة إنه بيحاول يرجع لك مهما حصل.
لكن خلي بالك يا بنتي… الشخص اللي تسبب في كل المصايب دي مش بعيد عنك زي ما إنتِ فاكرة.
هو شخص وثقت فيه، واعتبرته من أهلك، وكان دايمًا بيقول إنه بيحميكي.
جوزفين وقفت عن القراءة.
رفعت عينيها لجورج، ووشها مليان صدمة.
أمي كانت تقصد مين؟
جورج ما ردش.
سايروس لاحظ إن الراجل العجوز بيبص ناحية الباب، وكأنه سمع صوتًا بعيدًا.
فجأة، قال بصوت منخفض
لازم نمشي من هنا حالًا.
سايروس سأله
ليه؟
جورج قرب من الشباك الصغير، وبص من خلاله.
لأن إلياس عرف إننا لقينا الصندوق، ومش هيستنى لحد الصبح.
وفي اللحظة دي، ظهر ضوء مشاعل بين الأشجار، وبدأت أصوات الرجال تقرب من الكوخ.
جوزفين لمّت الخطاب والصورة، وحطتهم جوه معطفها.
سايروس جهّز بندقيته، لكن جورج مسكه من ذراعه وقال
فيه طريق خلفي بيخرج على مجرى النهر. لو اتحركنا دلوقتي، نقدر نوصل لمكان آمن قبل ما يحاصرونا.
خرجوا من الباب الخلفي، ومشوا وسط التلج، لحد ما وصلوا لممر ضيق بين الصخور.
لكن قبل ما يدخلوا الممر، جورج وقف فجأة.
بص لسايروس، وقال
فيه حاجة لازم تعرفها عن أبوك. الحقيقة اللي كنت مخبيها عنك طول السنين دي، ممكن تغيّر كل اللي إنت فاكره عن عيلتك.
سايروس حس بالقلق.
إيه هي؟
جورج تنهد، وبعدين قال
أبوك ما كانش مجرد شريك في تجارة الأخشاب. كان هو الشخص
اللي وقّع أول مستند نقل ملكية الأرض لإلياس، وبعدها اكتشف إن التوقيع اتستخدم بطريقة غير قانونية.
سايروس اتصدم.
يعني أبويا هو اللي بدأ كل ده؟!
لأ، هو وقّع المستند بحسن نية،
كنه لما اكتشف التزوير، حاول يصلح غلطته. وده السبب اللي خلّى إلياس يطارده لحد آخر يوم في حياته.
سايروس نزل عينيه، وحس إن صورة أبوه اللي عاش بيها عمره كله بدأت تتغير.
لكن جورج كمل
والأهم من كده، إن فيه مستند واحد بس يقدر يثبت إن الأرض ما كانتش ملك إلياس أبدًا.
جوزفين سألت
فين المستند ده؟
جورج بص لها، وقال
مع أبوكي الحقيقي.
إدوارد؟!
هز رأسه بالموافقة.
أيوه. وإدوارد لسه عايش، ومستخبي في مكان محدش يعرفه غيري.
جوزفين قربت منه بسرعة.
خدني له! أرجوك، أنا لازم أشوفه!
جورج وافق، لكنه قبل ما يتحرك، طلع من جيبه ورقة صغيرة، ومدها لسايروس.
ده عنوان المكان اللي هتلاقوه فيه.
سايروس فتح الورقة، وقرأ العنوان.
لكن قبل ما يقدر يتكلم، دوّى صوت طلقة نارية من ناحية الممر.
جورج وقع على ركبته، وحط إيده على صدره.
جوزفين صرخت
بابا!
سايروس لف بسرعة ناحية الأشجار، وشاف ظل راجل بيختفي خلف الصخور.
جورج مسك إيد جوزفين، وقال بصعوبة
اسمعيني كويس… لو حصل لي أي حاجة، ما تثقيش في إلياس، ولا في الدكتور، ولا حتى في…
صوته انقطع فجأة.
جوزفين هزته وهي بتعيط
في مين؟! كمّل كلامك!
جورج حاول يرفع إيده، وأشار ناحية الورقة اللي في إيد سايروس.
العنوان… لازم توصلي له قبلهم…
وبعدين فقد وعيه.
سايروس ركع جنبه، وحاول يوقف النزيف، بينما جوزفين كانت
بتبكي وبتنادي عليه.
لكن وسط الفوضى، لاحظ سايروس حاجة غريبة.
الورقة اللي فيها عنوان إدوارد هيل كانت مبتلة، والحبر بدأ يسيح.
وقبل ما العنوان يختفي بالكامل، قدر يقرأ آخر سطر مكتوب تحت الاسم
لو وصلت متأخر، هتلاقي قبره مفتوح… لأن إلياس عارف مكانه من زمان.
سايروس رفع عينيه ناحية الطريق المظلم.
كان لازم يختار بسرعة يفضل جنب جورج ويحاول ينقذ حياته، ولا يتحرك فورًا قبل ما إلياس يوصل لإدوارد ويدفن آخر دليل على الحقيقة.
لكن جوزفين، رغم دموعها، مسكت إيد سايروس وقالت بحزم
هننقذ الاتنين. مش هسيب حد تاني عشان سر الناس خايفة تكشفه.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت جورج وهو بيهمس بكلمة واحدة قبل ما يفتح عينيه بصعوبة
الدكتور… هو اللي خان أمك!
جوزفين بصت ناحية الغابة، وبدأت تفهم إن الراجل اللي ظهر عشان يساعدهم، ممكن يكون هو نفسه اللي كان بيخدعهم من البداية!
يتبع…
النهاية الأخيرة
الحقيقة اللي غيّرت مصير جوزفين وسايروس إلى الأبد!
جوزفين فضلت باصة لجورج، مش قادرة تستوعب آخر كلمة قالها.
الدكتور هو اللي خان أمها!
إزاي؟ وليه؟ وإزاي قدرت تثق فيه بعد كل السنين دي؟
سايروس ضغط على جرح جورج بقطعة قماش، ولما اتأكد إن النزيف بدأ يهدأ، ساعده يقوم، وسنده لحد ما وصلوا لمكان محمي بين الصخور، بعيد عن الطريق اللي كان إلياس ورجالته جايين منه.
بعدها سايروس بص لجوزفين وقال
لازم نعرف الدكتور عمل إيه بالضبط، لكن الأول لازم نلاقي إدوارد. لو إلياس وصله قبلنا، ممكن نخسر الدليل الوحيد اللي فاضل.
جوزفين هزت راسها، ومسكت خطاب أمها
جوا معطفها.
هنروح له، وهنعرف الحقيقة كلها. المرة دي مش ههرب من حد.
وبعد رحلة طويلة وسط التلج، وصلوا لبلدة صغيرة عند أطراف الغابة، وهناك لقوا بيتًا خشبيًا قديمًا، بعيدًا عن البيوت التانية.
سايروس خبط على الباب.
مافيش رد.
خبط تاني، فسمعوا صوت خطوات بطيئة من الداخل.
الباب اتفتح شوية، وظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان واقف على رجليه رغم ضعفه.
جوزفين أول ما شافته، حست إن الزمن وقف.
كانت ملامحه مختلفة عن ملامحها، لكن عينيه كان فيهم نفس النظرة اللي شافتها في صورتها القديمة مع أمها.
الراجل بص لها طويلًا، وبعدين سأل بصوت مرتعش
إنتِ اسمك جوزفين؟
دموعها نزلت فورًا.
أيوه… وإنت إدوارد هيل؟
الراجل حط إيده على فمه، وعينيه اتمَلَت بالدموع.
يا بنتي… كنت فاكر إني مش هشوفك أبدًا!
جوزفين فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تقرب ولا تبعد.
عمرها كله كانت محتاجة تعرف أبوها الحقيقي، لكنها لما لقيته أخيرًا، ما عرفتش تبدأ منين.
إدوارد فتح الباب على آخره وقال
ادخلوا. فيه حاجات لازم تعرفيها قبل ما الوقت يفوت.
الحقيقة اللي اتخبّت سبعتاشر سنة
قعدوا حوالين ترابيزة صغيرة، وإدوارد بدأ يحكي.
بعد ، إلياس استغل الفوضى، وغيّر سجلات ملكية الأراضي، واستولى على أرباح الشركة، وحاول يخلّي كل الأدلة تختفي.
أما الدكتور، فكان مسؤولًا عن علاج جوزفين بعد . وإلياس وعده بفلوس كتير مقابل إنه يغيّر بعض بيانات الملف الطبي، ويخفي شهادة مهمة تثبت هوية الطفلة.
الدكتور وافق في البداية، لكنه لما اكتشف إن إلياس مش ناوي يكتفي بالتزوير، وإنه مستعد
يتخلص من أي شاهد، حاول يرجع عن اتفاقه.
لكن الوقت كان فات.
إدوارد كمل بصوت مليان حزن
أمك اكتشفت إن الدكتور سلّم إلياس نسخة من الأوراق اللي كانت مخبياها. ولما واجهته، وعدها إنه هيساعدها تهرب بيكي. لكنه ما قدرش ينفّذ وعده، حصل قبل ما يقدر ينقذها.
جوزفين سألت والدموع في عينيها
يعني الدكتور هو اللي ولّع النار؟
إدوارد هز رأسه.
لأ. الدليل اللي عندي بيقول إن إلياس هو اللي دبّر عشان السجلات. الدكتور خانه لما سلّم له المعلومات، لكنه ما كانش هو اللي أشعل النار بنفسه.
سايروس حط على الترابيزة المستندات اللي لقوها في الصندوق الحديدي.
إدوارد قلب الصفحات واحدة واحدة، ولما وصل لآخر ورقة، وشه اتغير.
دي هي! دي النسخة اللي كنت بدوّر عليها من سنين!
كانت الورقة الأصلية فيها توقيعات الشركاء، وسجلات تحويل الأموال، وإثبات إن إلياس استخدم مستندات مزورة للاستيلاء على الأرض والمنجم.
لكن إدوارد أخرج من درج مكتبه مستندًا آخر، عليه ختم رسمي قديم.
الورقة دي تثبت التزوير، لكن المستند ده هو اللي يثبت ملكية الأرض الحقيقية. أمك قدرت تحتفظ بيه قبل ، وأنا فضلت أحاول أوصل له طول السنين اللي فاتت.
جوزفين بصت للمستند، ثم سألت
يعني كل الناس اللي أهانتني، وكل السنين اللي عشتها مستخبية، كانت بسبب الفلوس دي؟
إدوارد مسك إيدها بحنان أبوي، وقال
مش بسبب الفلوس وحدها يا بنتي. بسبب الطمع والخوف، وبسبب ناس افتكرت إن قوتها تديها الحق إنها تتحكم في حياة غيرها.
ثم نظر إلى سايروس وأضاف
