منوعات

جوزى احتفل بذكري جوزنا

خطتي انا وحماتي فضلت واقفة قدام المكتب، عيني متسمّرة على الاسم المكتوب في آخر صفحة من الاتفاق، وإيدي بتترعش لدرجة إني كنت هقطع الورقة من غير ما أحس. الاسم اللي كان مكتوب تحت التوقيع هو روبرت ميلر والدي أنا! أبويا. الرجل اللي علّمني إن الكرامة أغلى من الفلوس، واللي كان دايمًا يقولي إن مفيش راجل يستاهل إني أتنازل عن نفسي علشانه.

الرجل اللي ماټ من أربع سنين، واللي فضلت طول عمري فاكرة إنه كان بيحبني أكتر من أي حاجة في الدنيا.
كان اسمه موجودًا في اتفاق بيربط جوازي بدانيال بمبلغ مليونين وأربعمية ألف دولار!
رجعت خطوة لورا، وخبطت في طرف المكتب، فوقعت شوية أوراق على الأرض. نزلت ألمّها وأنا مش حاسة برجليّ، لكن عيني فضلت معلقة بالتوقيع.
كنت أعرف خط أبويا كويس. شوفته آلاف المرات على خطابات أعياد ميلادي، وعلى كروت التهنئة اللي كان بيحطها جوه كتبي، وحتى على آخر رسالة كتبها لي قبل ۏفاته.
التوقيع ده كان توقيعه فعلًا.
رفعت التليفون واتصلت بإيلين.

أول ما ردت، صړخت فيها
إنتِ كنتِ عارفة؟!
سكتت لحظة، وبعدها سألتني بصوت هادي
شفتي الاسم؟
أيوه، شفته! ده اسم أبويا! قوليلي إن الورقة دي مزورة! قوليلي إن فيه أي تفسير تاني!
سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية.
يا صوفيا، أنا كنت أتمنى إنك تعرفي الحقيقة بطريقة أرحم من كده.
الحقيقة إيه؟! إن أبويا باعني؟! إن جوزي اتجوزني علشان فلوس؟! ولا إن كل الناس اللي كنت فاكرة إني أقدر أثق فيهم كانوا بيضحكوا عليَّ؟!
اڼفجرت في العياط، لكن إيلين ما قاطعتنيش.

استنت لحد ما هديت شوية، وبعدين قالت
أبوكي ما كانش عايز يبيعك، يا بنتي. لكن لازم تعرفي إن الاتفاق ده بدأ قبل ما دانيال يقابلك أصلًا.
حسيت إن حد سحب الأرض من تحتي.
قبل ما يقابلني؟!
أيوه. وفيه تفاصيل مش هقدر أشرحها لك في التليفون. خدي كل المستندات اللي تخصك، واقفلي الخزنة، وارجعي البيت. هاجيلك بنفسي.
قفلت المكالمة، لكني ما تحركتش فورًا.
بصيت للخزنة المفتوحة، للمظاريف، للدهب، وللأوراق اللي كنت فاكرة إنها مجرد دليل على ثراء دانيال.
فجأة، كل حاجة بقت دليلًا على حياة كاملة اتخطط لها من غير علمي.

صورت كل صفحة من الاتفاق، وحطيت النسخ اللي عليها اسمي في ملف منفصل. وبعدها قفلت الخزنة، وخرجت من المكتب.
طول الطريق للبيت، كنت بحاول أفتكر أول مرة قابلت فيها دانيال.
كان ده في

حفل خيري نظمته إحدى المؤسسات اللي كنت بشتغل معاها قبل الجواز. وقتها كنت مسؤولة عن مشروع لتوفير منح دراسية للأطفال، ودانيال كان حاضرًا باعتباره رجل أعمال شابًا بيبحث عن فرص للاستثمار في مشروعات اجتماعية.
كان أنيقًا، واثقًا من نفسه، وبيعرف يسمع كويس.
افتكرته وهو بيضحك على نكتتي، وافتكرت أول مرة عرض عليَّ العشاء، وأول مرة مسك إيدي، وأول مرة قالي إنه ما قابلش حد شبهي قبل كده.
هل كان كل ده تمثيلًا؟
هل كان حافظ تفاصيل حياتي لأنه مهتم بيا، ولا لأنه كان بيجمع معلومات عني؟
ولما وصلني البيت، لقيت السفرة لسه زي ما سبتها.

الشموع خلصت، والأكل برد، وكوباية النبيذ اللي كنت مجهزاها لدانيال فضلت مكانها من غير ما حد يلمسها.
مشيت وسط الكراسي، وسحبت كرسيه من مكانه.
فجأة، افتكرت يوم ما طلب إيدي.
كان أبويا وقتها لسه عايش، ودانيال جه بيتنا ومعاه باقة ورد كبيرة. قعدوا هما الاتنين لوحدهم في المكتب حوالي ساعة، ولما خرجوا، أبويا كان مبتسمًا ابتسامة غريبة.
لما سألت أبويا بعد كده عن اللي اتكلموا فيه، قال لي
دانيال راجل طموح، يا صوفيا. بس الطموح لوحده مش كفاية علشان ينجح الجواز.
كنت فاكرة إنه بيتكلم عن المسؤولية والنضج.

ما تخيلتش أبدًا إنه كان بيتكلم عن اتفاق مالي!
رن جرس الباب، فانتفضت من مكاني.
كانت إيلين.
دخلت من غير ما تخلع معطفها، وحطت حقيبتها على الكنبة، وبصت للسفرة. عينيها وقفت عند الشموع المحروقة، وبعدها عند الفستان الأزرق اللي كنت لسه لابساه.
كنتِ مستنياه، صح؟
هزيت راسي، ومقدرتش أتكلم.
قربت مني، ومسكت إيدي.
أنا آسفة يا صوفيا.
سحبت إيدي منها.
أنا مش عايزة اعتذار. أنا عايزة أعرف كل حاجة. ليه أبويا وقّع الاتفاق ده؟ وليه دانيال اختارني أنا؟ وإيه حكاية المليونين وأربعمية ألف دولار؟

وليه المبلغ مشروط إن جوازنا يستمر ستة وثلاثين شهرًا؟
قعدت إيلين على الكنبة، وطلبت مني أقعد قصادها.
وبعد تردد طويل، بدأت تحكي.
قبل حوالي ست سنين، كانت شركة والد دانيال، جورج وايت، بتواجه أزمة مالية ضخمة. استثمارات فاشلة، وقروض متراكمة، ومشروع عقاري كان على وشك الاڼهيار.
دانيال كان وقتها بيحاول يثبت نفسه داخل الشركة، لكنه كان مديونًا بمبالغ كبيرة، وبعض قراراته الاستثمارية زوّدت الأزمة بدل ما تحلها.
وفي نفس الفترة، كان أبويا بيستثمر في مجموعة من الشركات،
من بينها شركة جورج وايت.
أبوكي كان من المستثمرين الرئيسيين في الشركة، قالت إيلين.

وكان مقتنع إن دانيال عنده القدرة ينقذها، لكنه كان عارف إن ابني متهور، وإنه محتاج حد يوقفه قبل ما يضيّع كل حاجة.
سألتها
وده ليه علاقة بجوازي منه إزاي؟
بصتلي بحزن.
لأن أبوكي اقترح اتفاقًا. لو دانيال قدر يحافظ على الشركة، ويلتزم بشروط معينة، ويتجوزك ويستمر الزواج بينكم تلات سنين، هيكون فيه مبلغ مالي يتحول لصالحك. المبلغ كان جزءًا من تسوية استثمارية أكبر، مش هدية لدانيال.
ضحكت بمرارة.
يعني أنا كنت جزءًا من صفقة تجارية؟
الاتفاق ما كانش المفروض يتحول لكده. أبوكي كان فاكر إن دانيال بيحبك فعلًا.
وهل دانيال كان يعرف بالمبلغ؟

إيلين سكتت.
والصمت ده كان كفاية.
قمت من مكاني، ومشيت ناحية الشباك.
طبعًا كان يعرف. علشان كده استناني تلات سنين بالظبط، ولما جه يوم استحقاق الفلوس، سافر مع فانيسا يحتفل!
إيلين وقفت ورايا.
أنا مش هبرر خيانته، يا صوفيا. اللي عمله قذر، ومهما كان فيه اتفاق قديم، مفيش حاجة تبرر إنه يكدب عليكِ بالشكل ده.
لفيت ناحيتها.
طب وإنتِ؟ كنتِ تعرفي إنه بيخوني؟
كنت شاكّة إن فانيسا رجعت لحياته، لكن ما كنتش أعرف إنه مسافر معاها النهارده. لما شفت الصورة، اتأكدت إن الوقت جه أتحرك.
تتحركي إزاي؟

فتحت حقيبتها، وطلعت منها ملفًا أسود.
لأن أبوكي ما كانش الشخص الوحيد اللي حط شروطًا في الاتفاق.
فتحت الملف قدامي، وطلعت نسخة من عقد آخر.
كان عنوانه اتفاق حماية الأصول العائلية.
وفي الصفحة الأولى، كان اسم دانيال واضحًا، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في البند السابع.
البند اللي بيقول إن المبلغ مش من حق دانيال شخصيًا، وإن أي محاولة لإخفاء الأصول أو تقديم معلومات مضللة عن الحالة الزوجية قد تؤدي إلى تجميد التحويل لحين مراجعة قانونية مستقلة.
رفعت عيني لإيلين.
يعني هو ممكن ما يكونش قبــ,,ـــــض الفلوس لسه؟
بالضبط.

لأول مرة من بداية الليلة، حسيت إن فيه خيطًا صغيرًا أقدر أمسك فيه.
لكن إيلين ما كانتش خلصت كلامها.

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى