بصت للظرف اللي في إيدي، وسألتني: “إيه اللي معاك ده؟” ما جاوبتش على طول. قالت تاني بنبرة حادة: “أنا بسألك يا أحمد!” رفعت عيني ليها. “أوراق تخص أبويا.” مدت إيدها ناحيتي بسرعة. “هاتها أشوفها.” رجعت خطوة لورا. “ليه؟” قالت: “علشان أعرف إنت بتفكر في إيه! أنا عايشة معاكم في البيت، ومن حقي أعرف إيه اللي بيحصل.” قلت لها: “الورق ده يخص أبويا، وهو اللي هيقرر مين يشوفه.” نهى بصتلي بنظرة غريبة، وبعدها قالت بصوت منخفض:
“إنت مش فاهم إن فيه حاجات لو اتفتحت مش هتتقفل تاني.” ثبت عيني عليها. “زي إيه؟” سكتت. وبعد ثواني، حاولت تضحك ضحكة مصطنعة. “أنا قصدي إنك هتعمل مشكلة كبيرة من غير داعي، وهتندم لما تعرف الحقيقة.” قلت: “الحقيقة هي اللي هتحدد إذا كانت فيه مشكلة ولا لأ.” نهى قربت مني وقالت: “طيب، بما إنك عايز الحقيقة، اسأل أبوك مين اللي كان بيجيله كل يوم وهو في شقته القديمة، ومين اللي كان بيطلب منه فلوس، ومين اللي كان بيخليه يعيط وهو لوحده.”
الكلام نزل عليا كأنه صدمة. أبويا ماكانش عايش معانا قبل كده غير من شهور، وشقته القديمة كانت مقفولة أغلب الوقت بعد ما نقل عندنا. سألتها: “إنتِ بتتكلمي عن مين؟” لكنها ما ردتش. لفت ومشيت ناحية المصعد. ناديت عليها: “نهى! استني!” وقفت من غير ما تلف. قلت: “إنتِ تعرفي إيه عن اللي كان بيحصل في شقة أبويا القديمة؟” لفت وشها ببطء، وبصتلي. “أنا عارفة أكتر مما إنت متخيل يا أحمد.” وبعدين دخلت المصعد وقفلت الباب. فضلت واقف مكاني، والظرف في إيدي، وكلامها بيرن في ودني.
مين كان بيروح لأبويا؟ وليه كان بيطلب منه فلوس؟ وليه نهى عارفة حاجة أنا معرفهاش؟ رجعت لأوضة أبويا، ولقيته صاحي ومستني. حطيت الظرف على الترابيزة وقعدت جنبه. “بابا، فيه حد كان بيجيلك في شقتك القديمة؟” بصلي باستغراب. “مين قالك؟” قلت: “نهى.” أبويا غمض عينيه، واتنهد تنهيدة طويلة. وبعد لحظات، قال: “كان فيه حد بيجيلي فعلًا.” سألته: “مين؟” فتح عينيه وبصلي، ثم قال: “أخوك يا أحمد.” اتسمرت مكاني.
أنا ماعنديش أخ شقيق عايش معايا في البيت، لكن كان عندي أخ أصغر مني اسمه كريم، من جوازة أبويا الأولى، وكان عايش في محافظة تانية من سنين، وعلاقتنا بيه كانت شبه مقطوعة بسبب خلافات قديمة على الميراث. آخر مرة شفته كانت من حوالي أربع سنين، يوم ما جه يطلب من أبويا يبيع قطعة أرض قديمة في البلد، وأبويا رفض علشان الأرض دي كانت آخر حاجة فاضلة من ميراث أمي. من وقتها، كريم اختفى من حياتنا تقريبًا.
سألت أبويا بصدمة: “كريم كان بيجيلك؟ إمتى؟” قال: “من حوالي ست شهور. كان بييجي كل فترة، ويقعد معايا بالساعات.” “وكان بيطلب منك فلوس؟” هز راسه ببطء. “في الأول لأ. كان بيقول إنه جاي يطمن عليا، وإنه ندم على اللي حصل بينا. وأنا صدقته، لأنه مهما كان ابني.” حسيت بغصة. “وبعدين؟” رد: “بعد فترة بدأ يتكلم عن الأرض، وعن الشقة، وعن إنك إنت اللي ماسك كل حاجة. كان بيقول لي إنك مش هتسيبله حقه، وإنك عايز تاخد كل حاجة لنفسك.”
اعترضت فورًا: “ده كذب يا بابا! أنا عمري ما منعت كريم من حقه، وإنت عارف إن كل حاجة تخصك إنت اللي بتقرر فيها.” قال: “أنا عارف يا ابني. بس كريم كان بيجيبلي ورق ويقول لي أمضي هنا، وإن ده هيضمن حقه من غير ما يضرك.” سألته: “وإنت مضيت؟” هز رأسه بالنفي. “لأ. كنت كل مرة أطلب منه يسيب الورق وأفكر فيه، فياخده ويمشي.” سكت شوية، وبعدها قال: “آخر مرة جه فيها، كان متعصب جدًا. قال لي إنك إنت ونهى متفقين عليا، وإنكم هتخلوني أتنازل عن كل حاجة وأنا مش فاهم.”
حسيت إن الصورة بدأت تتعقد أكتر. “ونهى كانت تعرف كريم؟” أبويا هز راسه. “أيوه. هي اللي قالتلي إنه ممكن يساعدني في المعاملات، وإنه فاهم في الورق أكتر مني. وبعدها بقت تتكلم معاه في التليفون.” حطيت إيدي على رأسي. دلوقتي عندي أخ بيقول لأبويا إني عايز أحرمه من حقه، ومراتي بتطلب منه يمضي على أوراق، وحساب بنكي فيه معاملات مش مفهومة، وإصابات محتاجة تحقيق. لكن أهم سؤال كان لسه من غير إجابة. هل كل ده مرتبط ببعضه، ولا فيه أكتر من مشكلة حصلت في نفس الوقت؟
ماكانش ينفع أستنتج حاجة من غير دليل. اتصلت بالضابط اللي استقبلنا في القسم، وبلغته بالمعلومات الجديدة، وسلمته نسخة من المستندات بعد ما أخدت إذن أبويا. أكد لي إن أي معاملات مالية مشبوهة أو أوراق محتمل يكون حصل فيها ضغط لازم تتراجع من الجهات المختصة، وإن الأفضل إن أبويا مايمضيش أي مستند جديد قبل ما محاميه يراجعه. بعدها اتصلت بكريم. رن التليفون كتير قبل ما يرد. “أيوه يا أحمد.” قلت له: “إنت كنت بتروح لأبويا في شقته القديمة؟”
سكت لحظة. “أيوه، كنت بطمن عليه. فيه مشكلة؟” “كنت بتطلب منه يمضي على ورق؟” رد بعصبية: “هو إنت بتسألني كأني حرامي؟” قلت: “أنا بسألك سؤال واضح.” قال: “أيوه، كنت بحاول أرتب موضوع الأرض علشان حقي مايضيعش. وإنت مالك؟” قلت: “أبويا لسه عايش، وأي حاجة تخصه لازم تتم بإرادته ومن غير ضغط.” رد بسخرية: “إرادته؟ إنت اللي قاعد جنبه طول الوقت، وإنت اللي بتقرر مين يشوفه ومين مايشوفوش!” قلت: “أبويا موجود في المستشفى، ولو عايز تطمن عليه تعالى الصبح. بس أي كلام عن فلوس أو أرض هيتناقش قدامه وبوجود محاميه.”
سكت كريم، وبعدها قال جملة خلتني أركز معاه. “اسأل مراتك الأول يا أحمد. هي اللي كانت عارفة كل حاجة.” وقفل الخط. فضلت ماسك الموبايل وأنا مش قادر أستوعب. ليه كريم بيحاول يحط نهى في الصورة؟ وهل نهى كانت بتساعده فعلًا، ولا هو بيحاول يرمي عليها المسؤولية؟ ماكانش عندي إجابة. لكن الصبح كان قرب، وأنا كنت عارف إن أول حاجة لازم أعملها هي إني أحافظ على أبويا وأتأكد إنه مش هيرجع لأي مكان مش حاسس فيه بالأمان.
مع أول ضوء للنهار، وصل محامي أبويا للمستشفى، وراجع معاه الأوراق واحدة واحدة. واتفقنا إن أي تعاملات مالية أو مستندات تخص ملكيته لازم تتراجع رسميًا، وإننا مش هنسمح لأي خلاف عائلي إنه يتحول لضغط عليه. بعدها طلبت من عم رجب يحتفظ بتسجيلات كاميرات العمارة، ويقدمها للشرطة بالطريقة القانونية لو طلبوها. وقبل الضهر بشوية، وصلتني رسالة من نهى. “أنا في البيت، وفيه حاجة لازم تشوفها بنفسك.” كانت الرسالة قصيرة، لكن بعدها وصلت رسالة تانية. “لو عايز تعرف ليه أبوك كان خايف، تعالى أوضته وافتح الدرج اللي تحت الدولاب.”
قرأت الرسالة أكتر من مرة. اتصلت بيها، لكنها ما ردتش. اتصلت تاني، فالمرة دي ردت وقالت بصوت متوتر: “تعالى لوحدك يا أحمد.” قلت: “أنا مش هروح أواجهك لوحدي، ولو فيه حاجة تخص أبويا هنخليها تتم بشكل قانوني.” ردت بسرعة: “أنا مش بخاف من القانون. أنا بس خايفة عليك.” سألتها: “خايفة عليا من إيه؟” سكتت لحظة، ثم قالت: “من أخوك.” قفلت المكالمة. بعد دقائق، تواصلت مع الضابط وبلغته بالرسائل، واتفقنا إن أي مستندات أو أشياء ممكن تكون مرتبطة بالواقعة يتم التعامل معاها بالطريقة الرسمية، من غير ما ألمس أي حاجة أو أواجه حد بعنف.
وفي الوقت ده، كان أبويا نايم في المستشفى، وأنا قاعد جنبه، مستني منه يقوم ونقدر نتكلم بهدوء عن كل اللي حصل. فجأة فتح عينيه وقال: “أحمد… كريم جه؟” قلت: “لأ يا بابا، لسه.” مسك إيدي وقال: “لو جه، اسمعه للآخر. مهما قال، اسمعه.” بصيتله باستغراب. “بعد كل اللي حصل، لسه عايزني أسمعه؟” قال: “أنا مش عايزك تظلم حد. بس كمان مش عايز حد يظلمني.” هزيت رأسي. “حقك عليا يا بابا. محدش هيظلمك تاني.” في اللحظة دي، تليفوني رن.
كان عم رجب. رديت، وسمعته بيتكلم بسرعة: “أستاذ أحمد، الشرطة وصلت العمارة، وفيه حاجة لقوها في الشقة لازم حضرتك تعرفها.” وقفت من مكاني. “إيه اللي لقوه؟” قال بصوت متوتر: “لقوا ملف قديم جوه الدرج اللي تحت الدولاب، زي ما مراتك قالتلك. بس الملف ده مش فيه ورق البنك بس.” سألته: “أمال فيه إيه؟” سكت لحظة، ثم قال: “فيه ورقة مكتوب عليها اسمك، وتحت اسمك توقيع منسوب ليك، وورقة تانية فيها تنازل عن جزء من أرض الحاج محمود.”
حسيت إن الدنيا وقفت. أنا ما مضيتش أي تنازل. ولا طلبت من أبويا يتنازل عن أي حاجة. قلت لعم رجب:
