منوعات

الساعة كانت اتنين وسبعه وعشرين دقيقة

بصيت لها طويلًا، وبعدها قلت: “أنا مصدق اللي هيثبت. لا هظلمك، ولا هسمح إن حد يظلم أبويا.” قامت من مكانها وقالت بعصبية: “أنا مش هقبل إنك تحقق معايا كأني مجرمة!” قلت لها بهدوء: “أنا مش بحقق معاكي. فيه تحقيق رسمي، وكل واحد هيقول اللي عنده.” قبل ما ترد، خرج الدكتور من غرفة الكشف. قمنا إحنا الاتنين في نفس اللحظة. قال إن أبويا محتاج أشعة وتحاليل إضافية، وإن فيه إصابات تستدعي فحصًا دقيقًا، خصوصًا مع شكواه من الألم والدوخة. وأكد إنهم مش هيقدروا يحددوا سبب كل إصابة أو توقيتها من الشكل الخارجي وحده.

طلب مني أدخل أشوفه بعد ما يخلصوا الإجراءات. دخلت الغرفة، ولقيت أبويا نايم على السرير، وإيده متثبتة بشكل مريح علشان مايحركهاش كتير. قربت منه. “عامل إيه يا حبيبي؟” فتح عينيه وابتسم ابتسامة صغيرة. “الحمد لله.” قعدت جنبه ومسكت إيده السليمة. فضلنا ساكتين شوية، لحد ما قال: “أحمد، أنا عايز أقولك حاجة.” قربت منه. “قول يا بابا.” بص ناحية الباب، وبعدها رجع بصلي. “بس أوعى تزعل من اللي هقوله.” حسيت إن قلبي بيقبض. “إنت مهما قلت مش هزعل منك.”

بلع ريقه بصعوبة وقال: “أنا مكنتش عايز أعيش عندك من الأول.” اتصدمت. “ليه يا بابا؟” رد بعد لحظة طويلة: “علشان كنت عارف إن وجودي ممكن يعمل مشاكل بينك وبين مراتك. بس إنت اللي أصريت، وهي اللي قالت إنها هتعتبرني زي أبوها.” سكت شوية، وكأن الكلام نفسه بيتعبه. “في الأول كانت كويسة معايا. كانت بتجيبلي الأكل، وتسألني محتاج حاجة ولا لأ. لكن بعد فترة، كل حاجة اتغيرت.” ما قاطعتوش. كمل:

“بقت تتضايق لما أطلب منها أي حاجة. لو طلبت الأكل بدري تقول لي إني مش مراعي ظروفها. لو احتجت الدوا تقول لي إني بعطلها. ولو ناديت عليها علشان تساعدني أقوم، كانت بتقول لي استنى لحد ما أخلص.” حسيت بغصة في حلقي. أبويا عمره ما كان بيحب يفرض نفسه على حد، حتى على أولاده. سألته: “طب والكدمات يا بابا؟” غمض عينيه. “في مرة كنت داخل الحمام واتزحلقت، وهي شدتني من دراعي علشان تقومني. من يومها وأنا حاسس بوجع. وبعدها حصلت حاجات تانية.”

اتنفس ببطء، ثم قال: “بس أنا مش عايز أظلمها يا ابني. يمكن كانت متعصبة، ويمكن أنا فعلًا بقيت تقيل عليها.” هنا مقدرتش أتمالك نفسي. مسكت إيده وقلت: “إنت مش تقيل على حد يا بابا. إنت أبويا، والبيت اللي إنت فيه بيتك. ومهما حصل، محدش له حق يأذيك أو يخليك تحس إنك عبء.” عينيه دمعت. مسح دموعه بإيده السليمة وقال: “أنا كنت بخاف أقولك. كنت خايف تتخانقوا بسببي، أو تسيب بيتك وتفضل طول عمرك زعلان.” قلت له:

“وإنت فضلت شايل كل ده لوحدك علشاني؟” ما ردش. بس سكوته كان كفاية. فضلت جنبه لحد ما نام، وبعدها خرجت للممر. نهى كانت واقفة عند آخر الطرقة، بتتكلم في التليفون بصوت واطي. أول ما شافتني قفلت المكالمة بسرعة وحطت الموبايل في شنطتها. سألتها: “بتكلمي مين؟” ردت بعصبية: “إيه ده يا أحمد؟ بقيت بتراقب تليفوناتي كمان؟” قلت: “أنا سألتك سؤال عادي.” قالت: “كنت بكلم أختي. عندك اعتراض؟” ما جاوبتش، لكني لاحظت إنها كانت بتبص ناحية باب غرفة أبويا كل شوية.

وبعد لحظات، قالت: “أنا عايزة أروح البيت أجيبله هدوم وحاجاته.” قلت: “أنا هجيب كل اللي محتاجه.” ردت بسرعة: “لأ، أنا عارفة حاجاته فين.” قلت: “خلاص، هاتي اللي محتاجه، بس سيبي كل حاجة زي ما هي. محدش يدخل أوضة أبويا أو ينقل أي حاجة من مكانها لحد ما نعرف تفاصيل اللي حصل.” اتغير لون وشها. “إنت بتشك فيا لدرجة إنك هتفتش البيت؟” قلت: “أنا مش بفتش حاجة. أنا بطلب إننا مانغيرش أي حاجة ممكن نحتاج نراجعها.”

لفت وشها ومشيت خطوتين، وبعدها رجعت وقالت: “أحمد، إنت لو كملت بالطريقة دي، إنت اللي هتخسر.” بصيت لها بهدوء. “أنا خسرت راحتي من اللحظة اللي شفت فيها أبويا مش قادر يقف على رجليه.” ما ردتش. خرجت من المستشفى، وأنا كنت متأكد إن الليلة دي مش هتنتهي عند حدود محضر في قسم الشرطة. لكن اللي ماكنتش أعرفه إن أول خيط حقيقي للحقيقة كان موجود في مكان قريب جدًا مني، مكان كنت بدخله كل يوم من غير ما أشك إن فيه حاجة مستخبية.

بعد حوالي ساعة، رن موبايلي. كان رقم غريب. رديت، وسمعت صوت راجل بيقول: “أستاذ أحمد؟ أنا اسمي عم رجب، بواب العمارة اللي حضرتك ساكن فيها.” قلت: “أيوه يا عم رجب، خير؟” اتردد شوية، وبعدها قال: “أنا مش عارف إذا كان من حقي أتكلم ولا لأ، بس بعد اللي حصل للحاج محمود، ضميري مش مريحني.” اعتدلت في قعدتي. “إيه اللي حصل يا عم رجب؟” قال بصوت واطي: “أنا شفت حاجات في العمارة من فترة، وكنت كل مرة أقول ماليش دعوة. بس اللي حصل النهارده خلاني لازم أتكلم.”

سألته: “شفت إيه؟” رد: “مش هقدر أقولك في التليفون. أنا موجود في العمارة، ولو تقدر تيجي بكرة الصبح، هوريك حاجة بنفسي.” قلت له: “يا عم رجب، الموضوع مهم. لو عندك أي معلومة تخص سلامة أبويا، لازم أعرفها دلوقتي.” سكت لحظات، ثم قال: “أنا مش عايز أتهم حد ظلم. بس أنا شفت الحاج محمود أكتر من مرة نازل يقعد على السلم لوحده، ووشه باين عليه العياط. ولما كنت أسأله مالك يا حاج، كان يقول لي مفيش.”

حسيت إن نفسي ضاق. “وإيه كمان؟” قال: “في يوم من الأيام، سمعت صوت خناق جاي من شقتكم. وبعدها بدقايق، لقيت الحاج محمود نازل لوحده، من غير جاكيت، رغم إن الجو كان ساقعة. كان بيترعش، ولما سألته رايح فين، قال لي إنه نازل يجيب حاجة من الصيدلية.” سألته: “وكان معاه فلوس؟” قال: “دي بقى الحاجة اللي خلتني أستغرب. كان بيدور في جيوبه، وبعدها طلع ورقة صغيرة من محفظته وفضل يبص فيها. أنا عرضت عليه أوصله، لكنه رفض.”

سكت عم رجب شوية، ثم أضاف: “بس فيه حاجة تانية يا أستاذ أحمد. أنا عندي تسجيل من كاميرا العمارة، مش عارف إذا كان هيفيدك ولا لأ.” وقفت من مكاني. “تسجيل إيه؟” قال: “الكاميرا اللي عند مدخل العمارة بتصور الباب والطرقة اللي قدام الأسانسير. من كام يوم حصلت مشكلة في المدخل، وأنا احتفظت بالتسجيل. ولما رجعت أبص عليه علشان أعرف المشكلة بدأت إزاي، شفت الحاج محمود.” سألته بسرعة: “وشفت إيه؟” رد بصوت متردد: “شفت حاجة خلتني أفكر أكلمك من ساعتها، بس كنت خايف أدخل نفسي في مشكلة.”

قلت له: “يا عم رجب، اسمعني كويس. أنا مش طالب منك تتهم حد، ولا تغير أي تسجيل، ولا تمسح أي حاجة. احتفظ بالتسجيل زي ما هو، وخلي الشرطة تشوفه لو طلبته.” قال: “حاضر يا أستاذ أحمد.” قفلت المكالمة وأنا حاسس إن كل كلمة قالها عم رجب بتفتح باب جديد. رجعت لغرفة أبويا، لقيته صاحي وبيبص للسقف. قعدت جنبه وسألته: “بابا، إنت تعرف عم رجب بتاع العمارة؟” بصلي باستغراب. “أيوه، راجل طيب.” “قال لي إنه شافك نازل من الشقة لوحدك من كام يوم. كنت رايح فين؟”

اتغيرت ملامح أبويا، وحاول يغير الموضوع. “يا أحمد، سيبك من الكلام ده.” قلت: “مش هسيبك يا بابا، مش بعد اللي شفته.” فضل ساكت شوية، وبعدها مد إيده ناحية الكومودينو الصغير اللي جنب السرير. كان فيه كيس بلاستيك صغير محطوط تحت علبة المناديل. طلع منه ظرف بني قديم، ومدهولي. “خد يا ابني. أنا كنت مخبيه علشان لو حصلتلي حاجة.” مسكت الظرف وأنا مش فاهم. “إيه ده يا بابا؟” قال: “افتحه.” فتحت الظرف بحذر. كان جواه ورق طبي قديم، وصورة من بطاقة بنكية، وإيصالات سحب وإيداع، وورقة مكتوبة بخط إيد أبويا.

بدأت أراجع الورق، ولقيت إن فيه مبالغ مالية اتسحبت على فترات متقاربة من حسابه، رغم إنه كان دايمًا بيقول لي إنه مش بيستخدم البنك غير نادرًا. بصيتله. “إنت كنت بتسحب الفلوس دي يا بابا؟” هز راسه بالنفي. “لأ.” حسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة. “أمال مين؟” أبويا بصلي، وعينيه كانت مليانة خوف. قال بصوت خافت: “أنا كنت فاكر إن الفلوس دي بتتصرف على علاجي ومصاريف البيت. لكن من فترة، لما طلبت كشف حساب من البنك، لقيت حاجات مش فاهمها.”

بصيت على الإيصالات تاني، وبدأت أراجع التواريخ. كان فيه سحب حصل في أيام أنا كنت مسافر فيها، وأيام تانية كنت برجع فيها البيت متأخر. سألته: “إنت واجهت حد بالموضوع ده؟” قال: “واجهت نهى.” اتجمدت مكاني. “وقلتلها إيه؟” رد بعد تردد: “قلت لها إن فيه فلوس ناقصة من حسابي، وإن البنك قال لي إن فيه معاملات اتعملت باستخدام البطاقة. هي قالت لي إنها كانت بتساعدني في دفع الفواتير، وإن الحسابات دي أنا مش فاهمها علشان سني كبر.”

سكت لحظة، ثم أضاف: “لكن لما طلبت منها توريني الإيصالات، اتعصبت وقالت لي إني بشك فيها بعد كل اللي عملته معايا.” بصيت للورق اللي في إيدي. الموضوع ما بقاش مجرد كدمات، ولا خلاف بين مرات راجل وابوه. بقى فيه فلوس، ومعاملات مالية لازم تتراجع، وحاجات كتير محتاجة تفسير. قلت لأبويا: “البطاقة كانت مع مين؟” رد: “كانت في درج الكومودينو في أوضتي. وبعدها اختفت يومين، ولما سألت عنها، لقيتها رجعت مكانها.” سألته: قال: “أنا كنت مدي نهى البطاقة مرة واحدة علشان تجيبلي الدوا وتسحبلي مبلغ صغير من ماكينة البنك. وبعدها رجعتها لي.”

حطيت الورق في الظرف تاني، وقررت إني مش هواجه نهى بأي اتهام قبل ما أعرف الحقيقة كاملة. لكن قبل ما أقوم، أبويا مسك إيدي. “أحمد.” بصيت له. قال: “فيه حاجة تانية لازم تعرفها.” قعدت تاني. “قول يا بابا.” بص ناحية الباب، وبعدها قرب مني وقال: “أنا مش خايف على الفلوس يا ابني. الفلوس بتروح وتيجي. أنا خايف من حاجة تانية.” سألته: “إيه هي؟” بلع ريقه بصعوبة وقال: “نهى كانت عايزاني أمضي على ورق من فترة، وقالت لي إنه مجرد إجراء علشان تقدر تخلصلي شوية معاملات في البنك. وأنا رفضت أمضي قبل ما أفهم الورق.”

حسيت ببرودة في أطرافي. “ورق إيه؟” رد: “مش عارف بالضبط. كان فيه ورق كتير، وكانت مستعجلة. ولما رفضت، قالت لي إنك إنت اللي طلبت منها تجهزه.” قربت منه أكتر. “أنا؟” هز راسه. “أيوه. قالت إنك عايز ترتب أموري علشان تبقى أسهل عليك في المستقبل.” فضلت باصصله وأنا بحاول أفهم. أنا ما طلبتش من نهى تجهز أي أوراق تخص ملكية أبويا أو حساباته، وماكانش فيه أي سبب يخليني أطلب منه يمضي على حاجة من غير ما أعرف تفاصيلها.

سألته: “إنت محتفظ بالورق ده؟” قال: “لأ، هي أخدته ومش عارف حطته فين.” وقفت من مكاني، ومشيت خطوتين ناحية الباب، لكن أبويا ناداني تاني. “يا أحمد، استنى.” رجعت له. قال بصوت مكسور: “أوعى تعمل حاجة تندم عليها. أنا مش عايزك تخسر بيتك بسببي.” قربت منه وبوست إيده. “إنت مش السبب في أي حاجة يا بابا. والبيت اللي يخليك تسكت على وجعك علشان تحافظ عليه، يبقى محتاج يتصلح من أساسه.” في اللحظة دي، دخلت الممرضة وقالت إن الدكتور وافق إن أبويا يفضل تحت الملاحظة لحد الصبح.

خرجت من الغرفة، ولقيت نهى واقفة قدام الباب، ووشها كان شاحب.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى