رغم دموعها…
ابتسمت.
لأنها أدركت أن الدليل الذي قد يدمرهم جميعًا…
أصبح في حوزتها.
نهى فهمت الحقيقة كاملة.
هما…
ما أنقذوهاش.
هما استغلوها.
استغلوا حبها.
وثقتها.
وصدقها. وأخدوا منها جزء من جسمها…
من غير إذنها.
قفلت عينيها بهدوء.
وحاولت تخلي نفسها على نفس وضعها.
لو عرفوا إنها صحيت…
هيعرفوا إنها سمعت كل حاجة.
ومن ساعتها…
ممكن يعملوا أي حاجة عشان يسكتوها.
لكن جواها…
كانت بتصرخ.
صړخة مليانة ڠضب.
وخېانة.
وانكسار.
أما من بره…
فكانت ساكنة تمامًا.
بعد ثواني…
سمعت كريم يقول بثقة
بعد كام يوم هترجع البيت…
وكل حاجة هتخلص.
ضحك ضحكة خفيفة.
ثم أكمل
نهى طيبة زيادة عن اللزوم.
مستحيل يخطر على بالها تدور في التقارير الطبية أو تسأل ورا اللي حصل.
حماتها ضحكت هي كمان.
وقالت باستهزاء
أوقات الطيبة…
بتبقى هي نفسها الغباء.
نهى عضت على شفايفها من جوه.
لدرجة إنها حست بطعم الډم.
لو كانت فتحت عينيها في اللحظة دي…
كانت هتفضح نفسها.
لكنها تماسكت.
لأن المحامية اللي جواها…
صحيت من جديد.
وفي نفس اللحظة…
افتكرت حاجة محدش منهم يعرفها.
قبل ما تسيب المحاماة…
كانت محتفظة بنسخ إلكترونية من كل القوانين والإجراءات الطبية، وعارفة كويس إن أي نقل أعضاء بين الأحياء في مصر بيخضع لإجراءات صارمة، وموافقات مكتوبة، ولجان طبية مستقلة.
ولو كلمة واحدة من اللي سمعته صحيحة…
يبقى اللي حصل…
مش مجرد خېانة زوج.
دي جناية كاملة.
والأهم…
إنها تذكرت حاجة تانية.
قبل العملية بساعات، وهي في الاستقبال…
الممرضة طلبت منها بطاقة الرقم القومي.
لكن البطاقة اختفت بعدها.
ولحد دلوقتي…
ولا حد رجعها لها.
ابتسمت من غير ما تحرك ملامحها.
لأنها أدركت…
إن اللي سرق كليتها…
أكيد سرق توقيعها كمان.
وده…
هيكون أول خيط هيمسكهم كلهم.
وهما واقفين برا الأوضة…
مقتنعين إن خطتهم نجحت.
وإن نهى هترجع البيت بعد كام يوم، وتعيش باقي عمرها وهي فاكرة إنهم أنقذوا حياتها…
كانت نهى، من غير ما تنطق حرف واحد…
بتاخد أخطر قرار في حياتها.
مش هتواجههم.
مش دلوقتي.
ومش هتفضح إنها سمعت أي كلمة.
هترجع البيت.
وهتبتسم.
وهتمثل إنها لسه الزوجة الطيبة الساذجة اللي هما فاكرينها.
لكن من النهارده…
كل نفس هتاخده هيكون بهدف واحد.
تجمع دليل.
وراء دليل.
لحد ما يبقى مفيش واحد فيهم يقدر يفلت.
لا كريم.
ولا حماتها.
ولا الدكتور اللي باع ضميره.
ولا أي شخص شارك في الچريمة.
نهى كانت عارفة إن أي مواجهة دلوقتي…
هتخليهم يدمروا الأدلة.
لكن لو صدقتهم…
هيكونوا هما بنفسهم اللي هيكشفوا باقي أسرارهم.
افتكرت أول درس اتعلمته وهي محامية.
المچرم اللي يعتقد إنه انتصر… هو أكتر شخص بيغلط.
ابتسمت من جواها.
لأنهم بالفعل…
بدأوا يغلطوا.
التسجيل الصوتي بقى معاها.
واسم الدكتور بقى معاها.
وعرفت إن التقرير الطبي مزور.
لكن كان ناقصها حاجة واحدة.
الدليل اللي يثبت إن كليتها كانت سليمة قبل العملية.
وفجأة…
افتكرت ملفها الطبي الإلكتروني.
قبل أسبوع من دخولها المستشفى، كانت عملت كشفًا شاملًا في شركة التأمين الخاصة بالشغل القديم، لأن وثيقة التأمين كانت هتنتهي.
وكان من ضمن الفحوصات…
وظائف الكلى.
افتحت عينيها للحظة قصيرة، من غير ما حد يشوفها.
لو التحاليل دي لسه محفوظة…
فهي هتنسف كذبتهم كلها.
لأنها هتثبت إنها دخلت المستشفى بكليتين سليمتين.
وفي اللحظة دي…
دخلت الممرضة تغير المحلول.
ابتسم لها كريم قدام الجميع، ومسك إيد نهى بحنان مصطنع.
وقال
الحمد لله إن ربنا رجعهالي.
الممرضة ابتسمت بتأثر.
أما نهى…
فكانت عارفة إنها ماسكة إيد الراجل…
اللي سرق جزءًا من جسدها.
ومع ذلك…
ابتسمت له هي كمان.
ابتسامة هادئة…
خلت كريم يطمن أكثر.
ولم يخطر بباله أبدًا…
أن المرأة التي ظنها انتهت على سر,,ـــــير المستشفى…
كانت في الحقيقة قد بدأت للتو أخطر قضية في حياتها.
القضية…
التي لن تنتهي بالطلاق.
بل بالسجــ,,ـــــن.
لما خرجت نهى من المستشفى…
ما جابتش سيرة ولا كلمة من اللي سمعته في الليلة دي.
ولا واجهت كريم.
ولا بصتله حتى بنظرة شك.
كانت بتبتسم له.
وتشكره كل ما يساعدها تمشي.
ولما يوصلها الدوا…
كانت تقوله
ربنا يخليك
ليا.
لدرجة إن كريم بدأ يصدق إن خطتهم نجحت فعلًا.
أما حماته…
فكانت كل ما تشوفها تهمس لابنها
قولتلك…
عمرها ما هتعرف.
نهى كانت تسمع…
وتبتسم.
لكن ابتسامتها ما كانتش معناها التسامح.
كانت معناها…
كملوا… كل ما تطمنوا أكتر، هتقعوا أسرع.
بعد يومين فقط…
استغلت خروج كريم للشغل.
قفلت باب البيت.
فتحت اللابتوب القديم بتاعها.
اللي ما فتحتهوش من سنين.
ولأول مرة منذ تركها المحاماة…
أنشأت مجلدًا جديدًا.
كتبت اسمه
القضية رقم ١.
ثم بدأت أول خطوة.
قدمت طلبات رسمية للحصول على نسخة كاملة من ملفها الطبي.
مش التقرير المختصر اللي ادوه لكريم.
لا…
كل حاجة.
نتائج التحاليل.
الأشعات.
تقارير العمليات.
أوامر دخول غرفة الجراحة.
واسم كل شخص دخل أو خرج من أوضة العمليات في يوم الجراحة.
وكمان…
طلبت حفظ نسخة من تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالمستشفى قبل ما تتمسح تلقائيًا.
وبعتت طلب تاني…
للحصول على جميع نتائج معامل التحاليل اللي اتعملت باسمها.
كل طلب كانت بتبعتُه…
كان بيتبعت من بريد إلكتروني جديد، باسم مختلف.
علشان محدش يحس إنها بدأت تشك.
وفي نفس الوقت…
كلمت واحدة من زميلاتها القدام في المحاماة.
أقرب واحدة كانت بتثق فيها.
المحامية دينا.
ما قالتلهاش كل الحقيقة.
اكتفت بجملة واحدة.
لو واحدة شاكّة إن فيه تزوير في عملية جراحية… تبدأ منين؟
دينا سكتت ثواني.
ثم قالت
ابدئي من الورق.
لأن الكذاب يقدر يمثل…
لكن المستندات… عمرها ما بتمثل.
ابتسمت نهى.
لأن ده بالضبط…
اللي كانت ناوية تعمله.
لكنها ما كانتش تعرف…
إن أول مستند هيوصلها بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة…
مش هيكشف تزوير العملية فقط.
بل هيكشف…
إن اسم المړيض المكتوب على تقرير استئصال الكلية…
لم يكن اسمها أصلًا.
بعد ما بعتت كل الطلبات…
كلمت اتنين من زملائها القدام.
واحد كان متخصص في القضايا الطبية.
والتانية كانت محامية شاطرة في قضايا التزوير.
ما حكتلهمش كل التفاصيل في التليفون.
لكن أول ما شافوا المستندات…
طلبوا منها تقابلهم فورًا.
وخلال يومين…
كانوا رتبوا إن لجنة طبية مستقلة تراجع كل ملفها من البداية.
نهى كانت قاعدة قدامهم…
وقلبها بيدق.
لحد ما كبير الأطباء قفل الملف.
وبص لها.
وقال بهدوء
مدام نهى…
حضرتك عمرِك ما كان عندك أي حالة تستدعي استئصال الكلية.
سكت لحظة.
ثم أكمل
لا كانت فيه حالة طارئة.
ولا كان فيه خطړ على حياتك.
ولا حتى فيه تقرير واحد يبرر اللي حصل.
نهى غمضت عينيها.
كانت عارفة الحقيقة…
لكن سماعها من طبيب مستقل…
ۏجعها أكتر.
لسه الصدمة ما خلصتش.
خبير المستندات الجنائية رفع ورقة موافقة العملية.
وبعد ما قارن التوقيع بأوراقها الرسمية…
قال الجملة اللي أنهت أي أمل عند كريم.
التوقيع مزور.
وده مش توقيع مدام نهى.
سكت الجميع.
ثم أضاف
حتى البصمة الموجودة على الاستمارة… منقولة بطريقة غير قانونية.
يعني…
حد استغل أوراقها الشخصية…
وزور موافقتها بالكامل.
في اللحظة دي…
القضية خرجت من مجرد تعويض مدني.
وبقت قضية جنائية.
تزوير.
واستعمال محررات مزورة.
واستئصال عضو بشړي دون موافقة صاحبه.
والاشتراك في ارتكاب الچريمة.
…
بعد أسابيع…
كانت قاعة المحكمة مليانة.
الإعلام واقف برا.
لأن القضية بقت حديث الناس.
دخل كريم.
وراءه أمه.
وأخته، صاحبة عملية الزراعة.
والدكتور.
ومدير المستشفى.
كل واحد فيهم كان مقتنع…
إنه هيعرف يطلع من الورطة بكلمتين.
كريم كان لسه فاكر إن نهى هتلين أول ما تشوفه.
دخل القاعة.
ابتسم لها.
وقال بصوت واطي
لسه تقدري تنهي كل ده.
نهى بصت له.
لكن لأول مرة…
ما شافتش فيه جوزها.
شافت…
المتهم الأول.
ورفعت الملف اللي في إيديها.
وقالت قدام الجميع
متقلقش…
أنا فعلًا هخلص كل حاجة.
بس النهارده…
قدام القاضي.
نهى ما قالتش كلمة.
فتحت شنطتها بهدوء.
وأخرجت موبايلها القديم.
بص القاضي لها وسأل
هل مع حضرتك دليل جديد؟
هزت رأسها.
أيوه يا فندم.
سلمت الموبايل لخبير المحكمة.
وبعد ما اتأكد من سلامة التسجيل…
بدأ الصوت يشتغل في القاعة.
هي شاكّة في حاجة؟
كان صوت فاطمة واضح.
ثم جاء صوت كريم.
لأ… صدقت كل كلمة قولناهالها.
ساد الصمت.
ولا نفس واحد كان بيتسمع.
التسجيل كمل.
أهم حاجة إن صوفيا هتعيش.
نهى عمرها ما هتعرف إن كليتها كانت سليمة.
ولو كنا قولنالها الحقيقة… ما كانتش هتوافق.
ثم الجملة الأخيرة…
اللي أنهت كل شيء.
سامحيني… بس أنا اخترت أختي.
انتهى التسجيل.
وساد صمت ثقيل داخل المحكمة.
القاضي خلع نظارته ببطء.
أما كريم…
فكان وشه شاحب.
حماته بدأت ترتعش.
وصوفيا اڼهارت في
العياط.
لأول مرة…
عرفت إن الكلية اللي أنقذت حياتها…
اتاخدت من مرات أخوها بالخداع.
محامي كريم حاول يقف.
وقال بسرعة
يا فندم… موكلي كان مضغوط نفسيًا، والتسجيل خارج سياقه…
قاطعه القاضي بحزم.
اقعد.
ثم رفع ملف القضية.
وقال
التسجيل وحده كان كافيًا.
لكن المحكمة أمامها أيضًا تقارير الطب الشرعي.
وتقرير لجنة الخبراء.
وتقرير أبحاث التزييف والتزوير.
وتسجيلات كاميرات المستشفى.
وشهادة طاقم التمريض.
وشهادة الطبيب المقيم.
والأدلة جميعها تؤكد ارتكاب المتهمين الچرائم المنسوبة إليهم.
بعد جلسة استمرت ساعات…
وقف الجميع لسماع الحكم.
قال القاضي بصوت ثابت
حكمت المحكمة…
بإدانة المتهم الأول، كريم…
والمتهمة الثانية، فاطمة…
والمتهم الثالث، الطبيب المعالج…
بجرائم التزوير، واستعمال محررات مزورة، والاحتيال، وإجراء تدخل طبي غير مشروع دون موافقة صحيحة من المړيضة.
ثم أضاف
وتُحال إدارة المستشفى للتحقيق فيما ثبت من أوجه تقصير وإهمال.
اڼفجرت القاعة.
في ناس پتبكي.
وفي ناس بتصور.
أما كريم…
فكان واقف مكانه، غير قادر حتى على استيعاب الحكم.
بص لنهى للمرة الأخيرة.
كانت أول مرة يشوفها قوية بالشكل ده.
قال بصوت مكسور
أنا كنت بحبك.
نهى بصت له بهدوء.
وردت
اللي بيحب…
مابيبيعش جزء من جسم الإنسان اللي بيحبه.
ثم استدارت ومشت.
خارج المحكمة…
كانت الشمس ساطعة.
وقفت لحظة.
حطت إيدها على جنبها.
المكان اللي فقدت فيه كلية…
لكنها كسبت فيه نفسها.
رفعت وشها للسماء.
وأخذت نفسًا عميقًا.
وأدركت أن العدالة…
قد لا تعيد إليها العضو الذي سُرق منها.
لكنها أعادت إليها شيئًا كان أهم بكثير.
كرامتها.
وحريتها.
وثقتها في نفسها.
أما كريم…
فخسر كل شيء حاول حمايته بالكذب.
خسر أمه.
وخسر أخته.
وخسر بيته.
وخسر سمعته.
وخسر حريته.
وفي النهاية…