منوعات

رميت حاجات امك من البلكونه

مريم سمعت جرس الباب في اللحظة اللي كانت بتحاول فيها تنوّم ياسين لقيلولة العصر. كان ياسين خلاص دخل في النوم، جفونه الصغيرة بتتقفل واحدة واحدة، وصوابعه اللي كانت متعلقة في هدومها بدأت تفلت براحة، ونَفَسه بقى منتظم وهادي. مريم فضلت واقفة جنبه شوية، بتبص على وشه وهي مبتسمة. همست لنفسها:
— أخيرًا يا حبيبي… نمت. كانت مرهقة. اليوم من أوله وهي بتجري وراه، مرة ترضعه، ومرة تغيرله، ومرة تحاول تأكله، ومرة تلم البيت اللي كان بيتبهدل في خمس دقايق بعد ما تكون قعدت ساعة تنضفه.

وفجأة… جرس الباب رن تاني. المرة دي بإلحاح مستفز. مريم بصت ناحية الباب بضيق. — مين ده بس؟! حاولت تتجاهل الجرس، يمكن اللي برا يمشي، لكن الجرس رن للمرة التالتة. مريم اتنهدت، وحطت ياسين في السرير بهدوء، وسحبت الغطا عليه، وبعدين خرجت من الأوضة وهي بتعدّل شعرها الأشقر الفاتح. كانت مغيراه من شهر، بعد شتاء طويل ممل، وكانت وقتها حاسة إنها محتاجة تعمل حاجة مختلفة. وقفت قدام المراية يومها وقالت لنفسها: أنا محتاجة تغيير. وبالفعل، راحت وغيرت لون شعرها.

مش عشان حد. ولا عشان تلفت نظر حد. بس عشان نفسها. كانت طول الوقت شايلة مسؤولية البيت، وجوزها، وابنها، وبتحاول تفضل محافظة على نفسها وسط كل ده. فتحت الباب… وفوجئت بحماتها سعاد واقفة قدامها، شايلة شنطتين كبار. سعاد دخلت من غير ما تستنى حتى دعوة. — أهلًا يا مريم. مريم فتحت بوقها باستغراب. — أهلًا… طنط سعاد؟! سعاد حطت الشنط على الأرض وقالت بمنتهى البساطة: — أنا جاية أقعد أسبوع. — أسبوع؟ — أيوه. أحمد طلب مني أجي. شغله معقد اليومين دول، وقلت أساعدكم شوية.

مريم رمشت كذا مرة. أحمد ما قالش أي حاجة. ولا لمح حتى إن أمه جاية. ولا قالها إن سعاد هتقعد أسبوع. ولا حتى بعتلها رسالة يقولها استعدي. لكن خلاص… سعاد كانت بالفعل جوه البيت. قلعت جزمتها، وعدلت هدومها، واتجهت ناحية الصالون كأنها عارفة مكان كل حاجة. مريم قفلت الباب وراها، وحاولت تبتسم. — ياسين نايم، لو سمحتي خلي صوتك واطي شوية. سعاد وقفت في نص الأوضة، وبصت حواليها. مش مجرد بصّة عادية. كانت بتبص كأنها بتعاين مكان جديد، أو بتدور على حاجة مش عاجباها.

وبعدين عينيها وقعت على مريم. سكتت ثانيتين. وبعدين قالت: — إيه ده؟ مريم بصتلها. — إيه؟ سعاد ضيقت عينيها. — بقيتي شقرا؟ مريم لمست شعرها تلقائيًا. — أيوه. — إمتى ده؟ — من شهر تقريبًا. سعاد قربت منها شوية، وبصت لشعرها من فوق لتحت. — كان شكلك أحلى وإنتِ سمراء. مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس جواها بدأت تحس بشدّة مألوفة. — حبيت أغير. سعاد هزت راسها ببطء. — حبيتي تغيّري… قالتها بنبرة خلت الكلمتين كأنهم تهمة.

وبعدين لمحت إيد مريم. — وطلاء الأظافر الأحمر ده كمان؟ مريم بصت لأظافرها. كانت عاملة المانيكير من يومين، وكانت مبسوطة جدًا بشكله. وأحمد نفسه لما شافه قالها إنه حلو عليها. فقالت: — آه، عملته من يومين. سعاد رفعت حاجبها. — المتجوزة تختار ألوان أهدى شوية. مريم سكتت. كانت لسه بتحاول تستوعب وجودها المفاجئ، ومش عايزة تبدأ أول يوم بخناقة. فابتسمت وقالت: — تحبي أشربك شاي؟ — بعدين. سعاد أشارت على الشنط. — خليني أفك الشنط الأول.

مريم قالت: — حاضر. سعاد بصت ناحية الصالة وقالت: — هتفرشيلي سرير في الصالة، صح؟ مريم بلعت ريقها. — آه طبعًا. وهي بتجهز لها مكان النوم، كانت جواها أسئلة كتير. ليه أحمد ما قالش؟ ليه أمه جاية فجأة؟ وليه أسبوع كامل؟ لكنها قررت تسكت. يمكن فعلًا جايه تساعد. يمكن فعلًا أحمد طلب منها. يمكن الموضوع أبسط مما هي متخيلة. لكن مريم مكانتش تعرف إن الأسبوع ده هيغير حاجات كتير جواها. تلات أيام عدّوا… كأنهم سنين.

سعاد استقرت في البيت كأنها صاحبة المكان من سنين. تصحى بدري جدًا. قبل مريم نفسها. وتدخل المطبخ وتبدأ تحضر أكل محدش طلبه. تعمل أكل تقيل، ومريم أصلًا كانت عاملة أكل من اليوم اللي قبله. وبعدها تعيد غسل أطباق نضيفة. تمسح الترابيزة بعد ما مريم تكون مسحتها. ترتب حاجات في الدولاب من غير ما تستأذن. وتفتح الشبابيك وتقفلها. وتعلّق على كل نفس بتاخده مريم. مرة على طريقة لبسها. مرة على شعرها. مرة على أكلها. مرة على طريقة حملها لياسين.

وفي مرة، مريم كانت شايلة ياسين وبتحاول تهديه، فقالت لها سعاد: — إنتِ بتعوديه على الشيل ليه؟ مريم بصتلها. — عشان بيعيط. — سيبيه شوية. — بس هو صغير. — الصغير بيتعود. مريم حاولت ما تتعصبش. — حاضر. وشالت ياسين وراحت أوضتها. لكنها أول ما قفلت الباب، أخدت نفس طويل. وقالت لنفسها: — معلش… أسبوع ويعدي. كانت بتكرر الجملة دي كل يوم. أسبوع ويعدي. لكن كل يوم كان بيجيب معاه موقف جديد. في اليوم التالت، مريم كانت خارجة تروح الجيم.

لبست هدومها الرياضية، وربطت شعرها، وحطت شنطتها على كتفها. كانت بتحب الجيم. مش عشان تخس. ولا عشان تثبت حاجة لحد. لكن لأنها كانت بتحس هناك إنها لسه مريم. مش بس أم ياسين. ومش بس زوجة أحمد. ولا ست البيت اللي طول اليوم بتطبخ وتنضف. الجيم كان ساعتين لنفسها. بس سعاد كانت واقفة في الصالة، وأول ما شافتها قالت: — رايحة النادي تاني؟ مريم وقفت عند الباب. — أيوه. — ابنك لسه صغير. — ماما هتيجي تقعد معاه.

— الأمهات المرضعة ما يسيبوش عيالهم ويجروا ورا الرياضة. مريم حاولت تتكلم بهدوء. — بروح تلات مرات في الأسبوع، ومش بسيبه لوحده. سعاد ضحكت بسخرية. — محتاجة ده يعني؟ مريم كانت بتربط الجزمة. وقفت. — أيوه، محتاجة. سعاد قعدت على الكرسي ورفعت رجل على رجل. — أنا بعد ما ولدت أحمد ما دخلتش كوافير سنتين. مريم بصتلها. — ربنا يقويكي. — مكنش عندي وقت. وبصت لها من فوق لتحت. — وإنتِ… جيم، مانيكير، شعر… وسكتت.

مريم حست إن فيه حاجة جاية. — لمين كل ده؟ مريم وقفت تمامًا. — تقصدي إيه بالكلام ده؟ سعاد صبت لنفسها شاي بكل برود. — ما تستغبيش. مريم حسّت إن الدم بدأ يسخن في وشها. — أنا مش مستغبية. — الست ما تتزينش كده لجوزها. مريم سكتت لحظة. سعاد كملت: — لما الزوجة تبالغ في اهتمامها بنفسها… يا إما في حد في حياتها، يا إما بتدور على حد. الجملة نزلت على مريم زي الصفعة. — نعم؟

سعاد رفعت كتفها. — إيه؟ أنا قلت حاجة غلط؟ — حضرتك بتتهميني بالخيانة علشان بروح الجيم؟ — أنا ما اتهمتش. قالتها ببرود مستفز. — بقول اللي بيحصل عادة. مريم قربت خطوة. — لا، حضرتك بتلمحي. — أنا بنصحك. — نصيحتك فيها اتهام. سعاد حركت المعلقة في كباية الشاي. — الست المحترمة تفكر في بيتها، مش في شكلها. مريم ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة. — ده اسمه اهتمام بالنفس. وبعدين أشارت لنفسها. — أنا عندي سبعة وعشرين سنة. ولسه صغيرة، وعايزة أكون حلوة لنفسي ولجوزي. فين الغلط؟

سعاد قالت: — لجوزك؟ وضحكت ضحكة مشككة. — وأحمد شغال ليل نهار، وإنتِ في النادي. وسكتت لحظة. — غريب… غريب جدًا. مريم بصتلها فترة طويلة. كان نفسها ترد عليها بكلام كتير. كان نفسها تقولها إن أحمد هو اللي بيشجعها. وإنه لما يشوفها مهتمة بنفسها بيكون مبسوط. وإنها مش مطالبة توقف حياتها عشان بقت أم. لكنها اكتفت إنها قالت: — أنا خارجة. سعاد قالت: — براحتك. مريم لبست وخرجت من غير ولا كلمة. أول ما وصلت السلم، ساندت ضهرها على الحيطة.

وأخدت نفس طويل. خيانة؟ هي بتتكلم عن الخيانة؟ وهي اللي صاحبة الليل والسهر مع ابنهم؟ هي اللي بتقوم من نومها عشر مرات عشان ياسين؟ هي اللي أحمد نفسه قالها أكتر من مرة إنها لازم تهتم بنفسها؟ غمضت عينيها. وبعدين قالت: — لأ… أنا مش هسمح للكلام ده يدخل دماغي. ونزلت. بالليل، حاولت تكلم أحمد. كان قاعد قدام اللابتوب، شغال، ومشغول. مريم وقفت قدامه. — أحمد؟ — همم؟ — أمك بتلمح إني بخونك. أحمد رفع عينه بسرعة.

— إيه؟ — سمعتني. — قالتلك كده؟ — آه. أحمد مرر إيده على وشه. — معلش يا مريم. مريم استغربت. — معلش؟ — أمي كده. — يعني إيه أمي كده؟ — ما تقصديش على كلامها. — بس هي بتتهمني. — مريم، عندي ميتينج مهم. وأشار للابتوب. — نكلم بعدين؟ مريم وقفت مكانها. — أحمد، الموضوع مهم. — عارف. — طب اتكلم معاها. — حاضر. — إمتى؟ — بعدين. الكلمة دي وجعتها أكتر من كلام سعاد.

بعدين. كل حاجة عند أحمد كانت بعدين. مريم سكتت. وبعدين قالت: — تمام. وراحت أوضتها. قفلت الباب. وقعدت على طرف السرير. ياسين كان نايم. بصت له. وبعدين همست: — أنا مش عارفة ليه كل حاجة لازم تبقى عليا أنا.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى