منوعات

بعد 3 شهور جواز

حسام أول ما سمع كلمة شريك ولقى السيناريو داخل في حبس وسجن، بص لأمه بنظرة ړعب.. بدأ يتراجع للخلف ويقول لنيابة
أنا ماليش دعوة يا باشا! أنا ما كنتش اعرف هي بتحط إيه في الأكل! هي اللي كانت بتعمل كل حاجة بإيدها وتقولي دي أعشاب من عند العطار! أنا مكنتش حاضر لما كانت بتركب الحاجات دي!
نجوى بصت لابنها پصدمة عمرها! ابنها الوحيد.. اللي عملت كل ده عشان تضمن إنه يفضل تحت دراعها وتجوزه على مزاجها.. بايعها في أول القلم عشان ينفد بجلده!
صړخت فيه في مكتب النيابة
بقى كده يا حسام؟

بتبيع أمك عشان خاېف على نفسك؟ ده أنا كنت بعمل كل ده عشان أخلصك من الست دي وتجوز بنت أختي اللي بتسمع الكلام!
وكيل النيابة ضړب على الترابيزة وقال پغضب
بس أنت وهي! المحضر مكتمل، والمادة السامة مثبتة.
أمرت النيابة بحبس نجوى 4 أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة السن، وإخلاء سبيل حسام بكفالة على ذمة القضية!
اللحظة اللي شفت فيها حماتي ماشية بالكلابشات في إيدها وحسام واقف برة مبلم، ومش عارف يعمل إيه ولا يروح فين، حسيت إن ربنا عدل.. عدل جداً.
لكن القصة ما خلصتش هنا.. الأحداث خدت مجرى تاني خالص بعد 8 شهور!

خلال الثمانية شهور دول، أنا كنت مركزة في حاجتين أولاً، صحتي وعلاجي.. وفعلاً بالتزام تام مع الدكتورة، جسمي بدأ يتعافى تماماً، ورحمي رجع لطبيعته بفضل ربنا وتغذيتي الكويسة وراحة البال.
ثانياً، شغلي.. أنا كنت خريجة حاسبات ومعلومات، وقبل جوازي كنت سايبة شغلي عشان أتفرغ لحسام وبيته. رجعت قدمت على شغل في شركة برمجة كبيرة، واشتغلت بجهد، وفي ظرف كم شهر أثبت نفسي وبقيت مسؤولة عن فريق كامل، ومرتبي بقيت بعتمد بيه على نفسي وبساعد أبويا.
أما حسام.. فحياته اټدمرت.

القضية فضلت شغالة في المحاكم، أمه خدت حكم بالسجن سنة مع وقف التنفيذ نظرًا لسنها ووضعها الصحي، بس الڤضيحة غطت المنطقة كلها. بنت أختها رفضت تتجوزه أول ما عرفت باللي حصل، والناس في الشارع بقوا يبصوله بقرف.
أخدت كل حقوقي منه بالقانون القايمة، الدهب، ومؤخر الصداق، والنفقة.. المحامي جابلي كل مليم لحد عندي.
في يوم من الأيام، وأنا طالعة من الشغل رايحة للبيت، لقيت حد واقف جنب عربيتي.
كان حسام!
بس ما كانش حسام بتاع زمان.. كان شكله مبهدل، وشها شاحب، وعينيه فيها انكسار غريب. أول ما شافني، قرب مني بسرعة وقال بصوت مبحوح
ندى..

ارجوكي اسمعيني دقيقة واحدة.
وقفت بعيد عنه بحذر وقلت ببرود
خير يا حسام؟ عاوز إيه تاني؟ مش كفاية اللي حصل؟
نزل على ركبتيه في الشارع قدام الناس، وبدأ يعيط بالدموع
أنا أسف يا ندى.. أنا اتعميت! أمي ضيعتني وضيعت بيتي. من يوم ما سبتيني وأنا عايش في جهنم.. البيت مېت، وأمي أكلها السم الشك والندم، وبقت مريضة ومش قادرة تقوم من السرير. أنا عرفت قدرك وعرفت إني كنت عيل ومش راجل لما ما صدقتكيش ووقفت ضدك.. ارجعيلي يا ندى، أنا مستعد أعملك أي حاجة، أكتبلك الشقة باسمك، وأبعدك عن أمي خالص، بس ارجعيلي!

بصيت له وأنا حاسة بقمة الشفقة.. مش الحب، ولا الكره حتى.. مجرد شفقة على بني آدم ضيع جوهرة من إيده عشان يرضي مرض أمه النفسي.
قلت له بثبات وصوت مسموع
حسام.. أنت ما ظلمتنيش بس، أنت كسرت الأمان اللي بيني وبينك. الراجل اللي ما

حميش مراته وما يصدقهاش لما تكون بټموت، ما يلزمهاش يكون جوزها. أنا صحتي رجعتلي، وحياتي بدأت من جديد، والرحم اللي كنتوا فاكرين إنه مش هيخلف.. الدكتور أكدلي إنه سليم 100 والحمد لله.. بس العيب ما كانش في رحمي يا حسام، العيب كان في اختيارك ونقص رجولتك.
لفيت وشي وركبت عربيتي، وسبته قاعد على الأرض يبكي على اللبن المسكوب، ومشيت وأنا حاسة إن الهوا يدخل صدري لأول مرة من غير ما يكون محمل بمرارة الأعشاب ولا بظلم الناس.
بعد سنة واحدة..
ربنا عوضني براجل ثاني خالص..

مهندس محترم معاي في نفس مجال شغلي، عرف قصتي كلها من الأول ووقف جنبي، راجل بجد بيعرف يعني إيه حماية وبيتك وأمانك.
واليوم.. وأنا بكتب السطور دي، أنا قاعد في بيتي الهادي، وماسكة في إيدي إيد بنتي الصغيرة ليلى اللي كملت شهرها الثالث.. بنتي اللي كانت شاهدة إن ربنا لما بياخد حاجة، بياخدها عشان يعوضنا بأحسن منها بكتير.
وأمي وحماتي القديمة؟
نجوى فضلت عايشة في بيتها معزولة، ابنتها وبناتها أتعلموا الدرس وما حدش بقى يزورها، وحسام يلف في الشوارع يدور على زواجة ثانية ومش لاقي ست ترضى بيه بعد الڤضيحة اللي شالتها عيلته.
الظلم ليلته قصيرة..

والنيات الطيبة هي اللي بتعيش في الآخر.
تمت. الفصل الثاني:
جدار من ثلج.. وشخص لا ينحني مرت الأيام الأولى على البيت الكبير بطيئة وتقيلة، كأن الوقت حلف ما يتحركش عشان يختبر قدرة كل واحد فيهم على التحمل. البيت مكنش مجرد حيطان وعفش قديم من أيام الجدود، ده كان زي ساحة حرب ساكتة.. الخطوط فيها مشحونة بنظرات الترقب والهمس المكتوم من الخدم في الرايحة والجاية، وقسوة موجهة بذكاء من الحاجة صفية، والجدار العالي اللي بناه “آدم” حوالين نفسه عشان يداري بيه جرح كبرياءه وكرامته اللي اتداست في الأرض بعد هرب عروسته “نورهان” ليلة الفرح.

من الصبح بدري كل يوم، كانت “مريم” ملتزمة نظام صارم فرضته على نفسها عشان تحمي روحها من نظرات الشفقة أو الإهانة. تصحى قبل الكل مع آذان الفجر، تلبس هدومها البسيطة الغامقة المقفولة ، وتنزل على المطبخ الكبير. تصبح على الشغالين بابتسامة هادية، وتبدأ تساعد في توضيب الفطار وتنضيف السرايا. عمرها ما اشتكت ولا أبدت أي اعتراض على أوامر الحاجة صفية.

كانت “مريم” بتتعامل مع كل شيء بهدوء، بس وراه عزة نفس أصلب من الحديد. لو محتاجة حاجة من الخدم تشاور بذكاء، ولو الموضوع محتاج شرح طويل، تطلع الكشكول الصغير والقلم الجاف اللي دايماً في جيب جيبتها، وتكتب كلمات معدودة، قصيرة ومباشرة، مفيهاش أي شحتفة ولا انكسار ولا ترجي.

أما “آدم”، فكان بيقضي أغلب نهاره في المقر الإداري بتاع أعمال العيلة وفي الأراضي الزراعية، بيهرب من البيت واللي فيه عشان ما يواجهش السكوت ده، السكوت اللي بدأ يربكه ويقلقه أكتر من أي هيصة. كان يحاول يغرق نفسه في الحسابات وعقود التوريد عشان ينسى السيرة اللي بقت على كل لسان في البلد، بس لما كان يرجع بليل كان يلاحظ نفسه بيكتم أنفاسه وهو طالع على السلم، و بيدور بعيونه عليها من غير ما يقصد.

وفي صباح يوم من الأيام، حبت الحاجة صفية تكسر غرور “مريم” قدام الخدم في المطبخ. دخلت المطبخ وهي ماسكة ميدالية مفاتيح الخزينة والمخازن اللي بتورثها ست البيت الكبيرة، ورمتها على الطاولة الخشب الكبيرة بصوت رنان هز المكان، وقالت بحسرة مصطنعة قدام الشغالين كلهم:

“المفاتيح دي كانت المفروض تستلمها مرات الكبير و تملى السرايا بحسها وكلامها وتستقبل الضيوف و تشيل المسئولية شوية من عليا .. بس هقول ايه ادي الله و ادي حكمته طالما الدار بقت هُس هُس و مفيش حد يقوم بده غيري فالمفاتيح دي هتفضل معايا أنا لغاية ما كبيرنا يشوفله اللى تملا البيت ده بحسها و تبقى ست البيت اللي بجد … و بعدين بصت ناحية مريم و كملت بحدة و قسوة … أما أنتي شغلك هنا تحت إيد الشغالة الكبيرة، تمسحي وتجمعي الصحون وتوضبي البيت طالما مفيش منك منفعة .. مفهوم يا بنت الشافعي؟”

الشغالين وطوا عينيهم في الأرض بخجل شديد من الموقف الصعب والإهانة المباشرة.
“مريم” ما اترعشتش ولا نزلت دمعة واحدة من عينها. بصت للحاجة صفية في عينها بثبات وشموخ، وبكل هدوء جابت كشكولها الصغير من جيبها وكتبت جملة واحدة بالخط العريض وورتها لها: “البيت بيعمر بأهله وبأصلهم مش بمفاتيح خزنة يا حاجة .. وأنا هنا عشان أمنع الدم بين العيلتين، مش عشان أنافس حد في حٌكم السرايا ” الحاجة صفية وُشها جاب ألوان، واتنرفزت جداً من ثباتها اللي ما انكسرش، وأخدت المفاتيح ونفخت ومشت وهي بتقول بصوت عالي للشغالين:

“بنت الشافعي لسانها مقطوع بس لا ناقصة ايد و لا رجل شغل البيت كله تقوم بيه من تنضيف و اكل و شرب و انتو يا دوب تشرفو عليها … سامعييين !” ثم اكملت بهمس بينها و بين نفسها ” لما نشوف اخرتها معاكي يا بنت ال*** ياانا يا نتي و مبقاش صفية العطار ان مكسرتش مناخيرك دي اللى رفعهالي السما ” *********
في نفس اليوم الضهر، كان آدم في سوق البلد، بيتابع حركة بيع محصول القصب والفاكهة مع كبار تجار الصعيد، وبيخلص كذا حساب في نفس الوقت.

من ساعة ما دخل السوق، وهو ملاحظ النظرات اللي بتتبادل حواليه، والهمسات اللي بتسكت أول ما يعدي جنب حد …كان عارف السبب. خبر هروب نورهان سبقَه للسوق، والحكاية ما بقتش سر بين العيلتين وعيلة الرواشدة، اللي بينه وبينهم عداوة قديمة، ما صدقت لقت الحكاية دي عشان تستغلها. كان آدم واقف بيتكلم مع واحد من التجار، لما سمع ضحكة جاية من وراه، وبعدها صوت هنادي الرواشدة وهو بيتكلم بصوت مسموع متعمد يخلي اللي حواليه يسمعوه:

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى