في محكمة الأسرة، القاعة كانت زحمة، وقف المحامي بتاعي قدام المنصة وقدّم صورة رسمية من تحقيقات النيابة، واعتراف المتهم، وقرارات حبسه الاحتياطي، وقال بصوت هز جدران القاعة:”سيدي القاضي.. إن ما ارتكبه المدعى عليه لا يمت للدين ولا للأخلاق ولا للرجولة بصلة، لقد انتهك أقدس رابطة شرعية، وباع ستر زوجته وعرض بيته، والضرر هنا ليس مادياً أو لفظياً فحسب، بل هو خيا.نة عظمى تستحيل معها العشرة وتأباها النفوس السوية، ونطلب تطليق المدعية طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها المالية من مؤخر صداق ونفقة متعة ونفقة عدة.
“القاضي بص في الأوراق للحظات، وشه كان بيعكس مدى اشمئزازه من تفاصيل المحضر، ونطق بالحكم في نفس الجلسة:”حكمت المحكمة بتطليق المدعية على المدعى عليه طلقة بائنة للضرر، وإلزامه بأن يؤدي لها مؤخر الصداق المسمى بينهما وقدره مائة وخمسون ألف جنيه، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة.”أول ما القاضي نطق بالحكم، حسيت إن روحي رجعتلي، رفعت راسي للسما ودموعي نزلت مش حزن، دموع خفة وراحة ونجاة، اتطلقت منه ورجعت حرة، وأخدت كل مليم من حقوقي بالقانون.
بس اليوم مكنش خلص لسه، لأن على بُعد أمتار في نفس المجمع، كانت جلسة تجديد الحبس الجنائي لطارق وشبكته شغالة. اتحركت مع محمود والمحامي ودخلنا قاعة الجنايات والجنح المستأنفة، ووقفنا في الصفوف الخلفية. بعد دقايق، دخل القفص طارق ومعاه الاتنين التانيين، متكلبشين مع بعض في سلسلة واحدة. طارق كان لابس ترينج الحجز الرمادي، وشه شاحب، خاسس للنص، وعينيه تايهة ومرعوبة، وأول ما لمحني واقفة برة القفص رافعة راسي ولابسة أبيض في أبيض، مسك في أسياخ الحديد بإيديه المرتعشة، ونادى عليا بصوت يائس بيقطع القلب بس مكنش يحرّك فيا ساكن:”سمر!
سمر أبوس رجلك! اسمعيني بس..
أمي جالها جلطة وأبويا مش قادر يرفع عينه في الناس، وأنا حياتي ادمرت وشغلي طردني، هتحبس سنين يا سمر، تنازلي وخدي اللي انتي عايزاه، والله لو عايزاني أكتبلك الشقة وكل ما أملك هكتبهولك بس طلعيني من القبر ده!”المحامي بتاعه حاول يدخل يقدم طلب إخلاء سبيل بأي كفالة مالية معللاً إنه عائل لأسرته وإن الواقعة مكنتش تتعدى هزار عابر، لكن ممثل النيابة العامة وقف واعترض بشدة وصرخ في القاعة:”إن النيابة العامة ترفض إخلاء سبيل المتهم أو شركائه، وتؤكد أن الجر.يمة المرتكبة هي اعتداء صارخ على المجتمع وقيمه وأعراضه، ونعلن إحالة أوراق القضية رسمياً إلى محكمة الجنايات الاقتصادية بتهم جنائية مشددة، والمتهم وشركاؤه
يشكلون خطراً داهماً ويجب استمرار حبسهم. “القاضي خبط بالشاكوش وصرخ بصرامة:”قررت المحكمة رفض الاستئناف، واستمرار حبس المتهمين جميعاً خمسة وأربعين يوماً على ذمة القضية وإحالتهم إلى محاكمة الجنايات العاجلة.”الصوت رن في القاعة، وطارق صرخ ومسك دماغه ووقع في أرضية القفص بيصرخ كأنه اتصاب برصاصة، والعساكر شدوهم للنزول للتخشيبة وهو بيتشد على الأرض ومذلول. خرجت من مجمع المحاكم في شمس النهار، الهوا كان نقي، وأبويا مسك إيدي وباس راسي وقالي: “رفعتي راسنا وخدتي حقك بأدب وبأصل وبقوة القانون يا بنتي.
“ركبنا العربية ورجعنا بيتنا، والكل كان عارف إن الخطوة الجاية هي القاضية، محاكمة الجنايات اللي هتحدد مصيره النهائي في السجن المشدد، والستار اللي هينزل على أبشع كابوس عشته في حياتي. مرت الأسابيع اللي سبقت الجلسة الفاصلة في محكمة الجنايات الاقتصادية وكأنها سنين، لكنها كانت سنين بتبني فيا شخص جديد تماماً. الضعف والخوف اللي حسيت بيهم وأنا بسمع صوت المية في الحمام زمان، اتبدلوا تماماً بقوة وهدوء مخيفين.
في الفترة دي، أهله مسبوش باب إلا وخبطوا عليه. وفود من كبارات عيلتهم، ناس من أصحاب والدي القدامى، وحتى إمام المسجد اللي في منطقتنا جابوه وجه يتوسط. قعدوا في صالون بيتنا، يعرضوا شيكات على بياض، تنازل كامل عن الشقة، وفلوس فوق المؤخر والقايمة أضعاف مضاعفة، وأبوه كان قاعد يبكي بدموع حارقة ويقول لأبويا:”يا حاج.. ابني غلط وأذنب ويستاهل ض.رب النا.ر، بس مستقبله هينتهي.. بدلة السجن الزرقا دي لو اتلبسها هيموت بالحيا، والمهنة هتسحب ترخيصه ونقابة المهندسين هتشطبه، استروا عليه ربنا يستر ولاياكم.
“لكن رد أبويا كان ثابت ومفيش فيه مساومة، بصلهم وقال ببرود يقطع الشك:”اللي باع ستر بيته عشان رهان وفلوس رخيصة ميطلبش الستر لما يقع تحت سيف القانون. اللي بيننا مش فلوس ولا شيكات، اللي بيننا حق شرف وكرامة بنتي والمجتمع كله، والكلمة بقت للقضاء مش للمجالس.”خرجوا يجروا أذيال الخيبة، وبدأ العد التنازلي ليوم المحاكمة. يوم الجلسة، صحيت من الفجر، اتوضيت وصليت ركعتين شكر وراحة، ولبست هدوم هادية ومحترمة، ونزلت ومعايا والدي ومحمود والمحامي.
مجمع المحاكم كان زحمة، بس القاعة اللي فيها القضية كانت واخدة اهتمام غير عادي، صحفيين من مواقع الحوادث بدأوا يشموا خبر عن القضية اللي بتجمع بين انتهاك حرمة الحياة الخاصة والإتجار بالصور والابتزاز الإلكتروني داخل مسكن الزوجية. أول ما دخلنا القاعة، كانت أسر المتهمين التانيين موجودة كمان، وشوش مكسورة وعيون تايهة، وأمه كانت قاعدة في الزاوية، شكلها هدّه المرض والجلطة اللي خلت مشيتها تقيلة ولسانها بيتلعثم. أول ما شافتني بصتلي بنظرة كلها كسر ورجا، بس عنيا مكنتش بتنزل ولا بتتهز.
اتفتح باب القفص الحديدي، ودخل الحرس المتهمين التلاتة. طارق كان لابس الأبيض الخاص بالحبس الاحتياطي، دقنه طويلة ومهملة، عيونه غائرة وسودة من قلة النوم في الحجز، ورجليه مكنتش شايلاه، متكلبش في إيد زمايله الاتنين اللي كانوا بيتفادوا حتى يبصوا في وشه، وكل واحد فيهم محمل التاني مسؤولية الخراب اللي هما فيه.
دخلت هيئة المحكمة، وهتف الحاجب بصوت جهوري: “محكمة!”الكل وقف، والقاعة سكتت تماماً لدرجة إن صوت تنفس المتهمين في القفص كان مسموع. رئيس الدائرة، مستشار وقور عيونه صارمة وملامحه مفيهاش أي تردد، فتح الملف وبدأ يقرأ أمر الإحالة من النيابة العامة. المرافعة بدأت، وممثل النيابة العامة ألقى مرافعة تاريخية خلت القشعريرة تمشي في ضهر كل اللي في القاعة. وقف ممثل النيابة وبص ناحية القفص وشاور بصابعه وقال بصوت جهوري هز الجدران:”سيدي الرئيس، عدالة المحكمة الموقرة.
. جئناكم اليوم لا لنقتص من جر.يمة سر.قة أو خيا.نة أمانة عادية، بل لنقتص من خيا.نة للأرض والعرض والعهد المقدس. متهم خان أمانة مسكنه، واستحل ستر زوجته، وبدلاً من أن يكون الحصن والسند، تحول إلى تاجر رخيص يعرض شرف بيته في مزادات الشاتات المظلمة. المتهمون أمامكم لم يرتكبوا فعلاً طائشاً، بل خططوا، وساوموا، واستدرجوا، وعرضوا أقدس ما في هذا المجتمع للبيع والتسلية الرخيصة. النيابة العامة تطالب بتوقيع أقصى عقوبة نصت عليها المادة 25 و26 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والمادتين 309 مكرر و327 من قانون العقوبات، ليكونوا عبرة لمن تسول له نفسه العبث بالأعراض.
“محامي طارق حاول يدافع، حاول يقول إن المحادثات كانت مجرد ‘مزاح ثقيل’ لا يرقى لنية الفعل الجنائي، وإن الشاكية كانت تهدف للانتقام الشخصي بعد خلافات أسرية. المحامي بتاعي وقف على طول وطلب الكلمة، ووجه للمحكمة الض.ربة القاضية:”سيدي الرئيس، أي مزاح هذا الذي ينتهي بتصوير زوجة غافلة على سرير نومها، وإرسالها بحساب شخصي مع تحديد مواعيد للتسليم؟ الأوراق المحروزة وتقارير الأمن العام ومباحث التوثيق والمعلومات لا تحتمل التأويل، والضرر هنا وقع واستقر، واعتراف المتهم في تحقيقات النيابة مدون وموثق بالصوت والصورة، نطالب بالقصاص العادل لحق المجني عليها وحق المجتمع.
القاضي رفع عينه وبص لطارق اللي كان جوة القفص بيعيط ومنهار، وسأله:”هل لديك ما تقوله للمحكمة يا متهم؟”طارق مسك الحديد بإيديه اللي كانت بترتعش، وصوته طلع مبحوح ومكسور:”سامحوني يا فندم.. ندمان.. والله ندمان ومكنتش في وعيي، حياتي ضاعت ومستقبلي ادمر.. أبوس إيدك ارحمني يا سيادة القاضي!”القاضي بصله بنظرة واحدة باردة وحاسمة، وقفل الملف فجأة، وخبط بالشاكوش على المنصة وقال الكلمة اللي حبست الأنفاس:”رُفعت الجلسة للمداولة وإصدار الحكم.
“الكل خرج يستنى برة في الممر، وطارق رجعوه للتخشيبة مع زمايله وهو منهار وبيض.رب دماغه في الحيطة. مرت ساعتين كاملين من الترقب والرعب اللي مالي قلوب أهله، وثبات هادي بيملى قلبي أنا وعيلتي، لحد ما اتفتح باب القاعة من تاني، ودخل الحاجب ينادي عشان النطق بالحكم الأخير والنهائي اللي هيقفل الصفحة دي للأبد. فتحت عساكر الحرس باب القاعة من تاني، ورجعت الصفوف تتملي في ثواني معدودة.
الهوا جوا القاعة كان تقيل ومكتوم، وكل العيون متعلقة بالمنصة وبالقفص اللي رجعوا دخلوا فيه المتهمين التلاتة. طارق مكنش قادر حتى يقف على حيله؛ كان ساند بكتفه على سيخ القفص، ركبه بتخبط في بعضها، وعينيه تايهة بتبص للأرض بخزي وخوف هستيري. أمه كانت قاعدة في أول صف برة، ماسكة سبحة وإيدها بتنتفض، وعينه كل شوية تروح لأبويا ولمحمود اللي كانوا واقفين وقفة جبال مابتتهزش. رن صوت الحاجب في أرجاء القاعة زي الرعد:”محكمة!
“الكل وقف في لحظة واحدة، ودخلت هيئة المحكمة بكامل هيبتها. رئيس الدائرة مسك الأوراق، بص في القاعة بنظرة صارمة خلت الهمس ينقطع تماماً، وقبل ما ينطق بالحكم، وجه كلمتين نزلوا على راس طارق وأهله زي الصواعق:”إن المحكمة وهي بصدد النطق بحكمها، تهيب بالمجتمع أن يرعى الأمانات التي اؤتمن عليها.. فالبيوت عورات، والزواج ميثاق غليظ جعله الله سكناً ومودة ورحمة، لا ساحة للخسة والغدر والمتاجرة بالأعراض. ومن خان ستر أهله وباع حرمة بيته، لا يستحق إلا أن يُجرد من كرامته وأن يذوق وبال ما صنعت يداه ليكون عبرة وآية.
“خبط القاضي بالشاكوش على المنصة ونطق بالحكم بصوت قاطع هز جدران المحكمة:”حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:أولاً: بمعاقبة المتهم الأول ‘طارق’ بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وتغريمه مائتي ألف جنيه، ومصادرة كافة الأجهزة الإلكترونية والهواتف المضبوطة، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، عن تهم انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وتصوير ونشر مواد خادشة للحياء دون رضاء المجني عليها، واستخدام وسائل تقنية المعلومات في المساس بالأعراض والشرف. ثانياً: بمعاقبة المتهمين الثاني والثالث بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات لكل منهما، وتغريم كل منهما مائة ألف جنيه، عن تهم التحريض والاشتراك. ثالثاً: إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة للتعويض.
“أول ما القاضي نطق بكلمة “السجن المشدد خمس سنوات”، انفجرت القاعة. صرخة مدوية طلعت من أمه وهي بتقع مغمى عليها في الطرقة، وأبوه حط إيديه الاتنين على وشه وقعد على الأرض يبكي بحرقة وذل. وجوة القفص، طارق صرخ صرخة هستيرية ووقع بطوله على أرضية القفص، العساكر دخلوا شدوه بالكلابشات وهو بيزحف وبيصرخ باسمي بصوت مبحوح ومذعور:”خمس سنين؟! مستقبلي راح! يا سمر ارحميني.. خمس سنين يا سمر ضعت خلاص!”العسكري شده بقسوة من قفاه ونزله في السلم المؤدي للتخشيبة، وهو بيتجرجر زي الشوال، راسه في الأرض، متجرد من كل كرامة ورجولة كان بيتباها بيها كدباً في يوم من الأيام.
أنا وقفت في مكاني، مفيش دمعة واحدة نزلت من عيني. حسيت بهوا بارد ونقي بيدخل صدري لأول مرة من شهور. بصيت للسما وقولت من كل قلبي: “الحمد لله.. حقك يا رب مبيضيعش.”محمود مسك إيدي وشد عليا بفخر، وباس راسي قدام كل اللي في القاعة، وأبويا طبطب على كتفي وقال بصوت مليان عزة:”رفعتي راسنا وصونتي نفسك، ود.فنتِ الندل بالقانون وتحت جزمته، ارفعي راسك يا بنتي، إنتي حرة وبنت أصول.”خرجنا من باب مجمع المحاكم، شمس الضهر كانت دافية وبتنور الدنيا.
اتنفست الهوا بحرية كاملة، سيبت ورايا الخيا.نة والوساخة وبدلة السجن الزرقا اللي هيلبسها سنين في ظلمات الزنازين مع المجرمين، ومسكت في إيد أبويا وأخويا، ورجعت لحياتي النضيفة من تاني، أقوى وأصلب، وعارفة إن الستر والكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا، وإن اللي يبيعك بالرخص، نهايته الطبيعية يتداس عليه تحت أقدام العدالة.
