حكــايات مــى عمــر جسمي كله اتنمل وسكت ثواني مش عارف أستوعب كلام عم أحمد الجار. الراجل صوته كان متغير وفيه نبرة قلق خلت الدم يهرب من وشي. سألته بصوت مكتوم وأنا ماسك في سور الطابق بتاع المستشفى “عم أحمد أنت شايف ايه في الفيديو؟ أنت شايف مراتي بتعمل ايه؟” رد عليا بأسف وقال “تعالالي يا ابني البيت وأنا هوريك كل حاجة بنفسك. الكلام في التليفون مش هيفيد. المهم اطمن على البنت الأول وهات حقها بالقانون. أنا حفظت المقطع على كارت ميموري عشان محدش يعرف يمسحه حتى لو حد دخل على أجهزة الكاميرات”.
قفلت معاه وأنا حاسس إن الدنيا بتدور بيا. الغضب كان يعمي عينيا. كنت عايز أطلع على البيت أكسره على دماغها وأخليها تدفع ثمن كل دمعة نزلت من عين بنتي. بس افتكرت كلام المحامين ودكاترة الطوارئ. لو اتصرفت بغباؤه دلوقتي هضيع حق بنتي وأنا اللي هطلع غلطان. رجعت الأوضة عند بنتي. كانت أختي قاعدة جنبها وبتمسح على شعرها وبنتي ماسكة في إيد أختي بجامد كأنها خايفة لو سابتها هترجع للجحيم تاني.
أختي بصتلي بعينين مليانة تساؤلات وقالت بشويش “يا محمد ايه اللي حصل بالظبط؟ البنت جسمها متلج وشكلها مرعوب. هي دي وقعة عادية؟ الدكتور بيقولي الجرح عميق ومحتاج متابعة عشان ميسيبش أثر”. قربت من بنتي ووطيت وطبعت بوسة على دماغها وقلت لأختي “خدوا الهدوم اللي جبتيها وغيريلها يا ندى. أنا خارج أجيب أكل وعصاير وراجع بسرعة. متمشوش من الأوضة دي ولا تفتحي لحد خالص مهما حصل”. ندى هزت رأسها وهي حاسة إن فيه مصيبة أكبر من مجرد حادثة بسيطة.
خرجت من المستشفى وركبت عربيتي. المسافة بين المستشفى والبيت كانت ربع ساعة بس بالنسبة لي كانت أطول ربع ساعة في حياتي. طول السكة الموبايل مبيبطلوش رن. اسم مراتي التانية طالع على الشاشة “سمر”. كنت بشوف الاسم والغل ياكل في صدري. متصلة تتطمن؟ ولا متصلة تعرف أنا عرفت ايه؟ ولا بتأمن نفسها؟ وصلت الشارع بتاعنا. الدنيا كانت بدأت تضلم. بدلاً من إني أدخل بيتي، حيودت على بيت عم أحمد الجار اللي قصادنا. بيته كان فيه بلكونة كبيرة كاشفة الجنينة بتاعتنا بالكامل.
خبطت على الباب. فتحلي عم أحمد على طول كأنه كان مستنيني ورا الباب. دخلني الصالون وقفل الباب بشويش. قاللي “اقعد يا محمد يا ابني واشرب كباية مية الأول”. قلتله وأنا بلهج على حيلتي “مش هقدر أقعد ولا أشرب يا عم أحمد. وريني الفيديو الله يخليك. أنا روحي بتتسحب مني”. طلع اللابتوب بتاعه وحطه على الترابيزة. فتح فولدر وعمل دبل كليك على فيديو مدته حوالي عشر دقائق. قربت من الشاشة. العينين مش قادرة تصدق اللي شايفاه.
الفيديو يبدأ وبنتي الصغيره واقفة في الجنينة بتلعب بالعروسة بتاعتها عادي خالص. فجأة تطلع سمر من باب البيت المطبخ وهي ماسكة الموبايل في إيد والخرطوم في الإيد التانية. الخرطوم كان متوصل بمتور المية القوي بتاع العمارة. سمر قربت من البنت وقالت كلام مش مسموع في الصوت بس باين إنها بتزعقلها. البنت خافت ورجعت لورا. سمر رفعت الموبايل وصورت البنت وهي بتعيط وتترجي. وبعدين مسكت الخرطوم وفتحت المية على آخرها ووجهتها بالظبط على وش بنتي.
قوة المية كانت شديدة جداً على طفلة عندها خمس سنين. البنت كانت بترفص وبتحاول تغطي وشها بيديها الصغيرة وتصرخ لكن سمر كانت بتقرب منها أكتر وتضحك. المية طيرت البنت لورا فوقعت على حافة السور الرخام بتاع الورد وربطت دماغها فيه بنطرة جامدة. الدم بدأ يسيل من جبهتها. البنت فضلت صريخة يزرف وعاجزة تقوم. بدل ما سمر تجري تساعدها أو تطلب إسعاف، قربت منها وفتحت المية تاني على جرحها والدم نزل يشر مع المية على هدومها. وبعدين جابت الشاش من صندوق الإسعافات وحطته بعنف على عينها وهي بتزعقلها وتقولها تسكت عشان الجيران متسمعش.
أنا لما شفت المقطع ده حسيت إن قلبي وقف. دموعي نزلت من غير ما أحس وجسمي كله بدأ ينتفض من كثرة القهر والغل. عم أحمد حط إيده على كتفي وقال “أنا سمعت الصريخ يا محمد طلعت البلكونة شفت المنظر ده. كنت لسه هنزل أتدخل لقيت عربيتك دخلت الشارع وهي جريت دخلت جوه وعملت نفسها بتمسح البنت. أنا قفلت الكاميرا وسيفت المقطع فوراً عشان عارف إن البت دي مريضة وهتنكر”. مسكت إيد عم أحمد وقلتله “أنت أنقذت حق بنتي يا عم أحمد. المقطع ده هيروح للنيابة فوراً”.
قاللي “أنا معاك في أي شهادة يا ابني. الظلم ده ميرضيش ربنا خالص”. أخذت الفلاشة اللي عليها المقطع وحطيتها في جيبي. خرجت من بيت عم أحمد ومشيت خطوات لبيتي. كنت عارف إن سمر جوه ومستنياني ترسم دور الزوجة الخايفة القلقانة. فتحت باب البيت بالمفتاح ودخلت. الهدوء كان يعم المكان. سمر كانت قاعدة في الصالة ماسكة موبايلها أول ما سمعت حركة الباب وقفت بسرعة وجت عليا بوش تمثيل كله قلق وخوف. قالت بصوت رقيق “محمد! أخيرًا جيت؟ اتصلت بيك مية مرة ومردتش عليا! البنت عاملة ايه؟ الدكتور قال ايه؟ أنا كنت همو.ت من القلق عليكم هنا!”
بصيت في عينها. عينيها كانت جافة مفيش فيها دمعة واحدة. تمثيل رخيص وركيك. قلتلها بصوت هادي جداً عكس الفكان جوايا “البنت بخير يا سمر. أخذت غرزتين في جبهتها والدكتور نظفلها الجروح”. اتنفست الصعداء وعملت نفسها مريحة وقالت “الحمد لله يا رب! شفت بقى؟ أنا قلتلك الموضوع مش مستاهل كل القلق ده. هي اللي شقية ووقعت وهي بتلعب بالخرطوم وأنا والله كنت بحاول أنظفها بس من الطين”. قربت منها خطوة وقلت “اه.. بتنظفيها من الطين؟ بالخرطوم والمطور شغّال؟”
ارتبكت شوية وقالت “ما أنت عارف المطور بيبقى قوي وأنا أيدي اتزحلت مني بالغطا بتاع الخرطوم. وبعدين هي مسمعتش الكلام لما قلتلها تعالي جوه”. طلعت الموبايل من جيبي وفتحت الرسائل اللي بعتتهالي وقلت “أول رسالة قلتيلي البنت كانت بتلعب في الطين وبتحدفه. تاني رسالة قلتي بتمسحي رجليها. تالت رسالة قلتي الخرطوم اتنطر من إيدك. أنهي واحدة فيهم الحقيقة يا سمر؟” وشها بدأ يصفر وقالت بغضب “أنت بتاخد عليا كلام؟ أنا مراتك وبقولك اللي حصل! أنت بتصدق البنت الصغيره وبتكذبني أنا؟”
رديت بقسوة “البنت مقالتش حاجة يا سمر. البنت كانت مرعوبة تتكلم. بس الكاميرات اتكلمت”. أول ما سمعت كلمة “الكاميرات” عينيها برقت وجسمها اتصلب. قالت بصوت متقطع “كاميرات ايه؟ جاردن ايه اللي فيه كاميرات؟ أنت بتضحك عليا؟” قلتلها “كاميرا عم أحمد الجار. جايبة الجنينة من أول ما طلعتي بالموبايل والخرطوم لحد ما زقيتي المية في وشها ووقعتيها على الرخام ودماغها اتفتحت. جايبة كل ثانية يا سمر. جايبة ضحكتك وأنتِ بتشوفي الدم نازل منها وبتكملي رش مية على جرحها المفتوح”.
سكتت ثواني. الملامح الرقيقة والوديعة اختفت تماماً وحل مكانها وش تاني خالص مليان شر وغل وحقد. قالت بصوت واطي ومسموم “وهي يعني بنتك دي ايه؟ نازلة لي زي اللقمة في الزور! كل ما أعمل حاجة تقول بابا! كل ما أقولها اسمعي الكلام تقول بابا مش بيزعلني! أنت فاكر إني هقبل أعيش خدامة لبنت مراتك الأولى؟ أنا أصلًا مكنتش عايزاها تعيش معانا هنا!” أنا الذهول أكلني. سألتها “عشان كده بتعذبي طفلة عندها خمس سنين؟ عشان غيرانة من طفلة مفيش في إيدها حيلة؟”