منوعات

رجعت من الشغل

أحمد وشه اتحول للون الجير المطفي، شفايفه نشفت وعينيه كانت بتلف في الصالة زي الفار المحبوس في مصيدة. شيرين شهقت وحطت إيدها على بوقها ورجعت لورا لزقت في الحيطة، وحماتي الحاجة فاطمة قعدت تهز في رجليها وتفرك في صدرها كأن ضغطها وقع في الأرض فجأة.
بصيت لأحمد ببرود تام، وشاورت براسي ناحية الباب ما تفتح يا باشمهندس؟ شكلك عازم ناس تانية على الوليمة ولا إيه؟ افتح للراجل اللي إنت مدبسه في شيكات عشان يوسع لشيرين هانم!
أحمد جه يجري عليا، ووطى صوته لدرجة الهمس المبحوح ومسك طرف دراعي ندى، أبوس إيدك ورجلك استري عليا!

المعلم جلال المقاول مش ساهل، ده راجل مجنون وممكن يقلب الدنيا فوق روسنا ويجيب سيرتنا في المنطقة كلها! قوليلي أعمل إيه بس؟ الكارت يتفتح دلوقتي حالا نخرج بيه من الورطة دي وأنا بكره الصبح هكتبلك تنازل عن كل حاجة إنتي عايزاها!
نفضت إيده من على دراعي بقرف، وبصيت له نظرة حسسته إنه نملة تحت جزمتي تشيل إيدك دي يا أحمد بدل ما أقطعها لك. تنازل عن إيه يا روح أمك؟ هو إنت تملك حاجة أصلاً عشان تتنازل عنها؟ الشقة شقتي، والفرش فرشي، وشقى السنين ده كله بتاعي أنا وبنت بابا الله يرحمه.

إنت هنا كنت مجرد ضيف تقيل على قلبي بقالي سنين وصابرة عليك عشان البت متترباش بعيد عن أبوها، بس لحد كرامة بنتي ولقمتها.. الخط الأحمر اتقلب نار وهتاكلكم كلكم.
الخبط زاد، وصوت المعلم جلال علي أكتر يا أستاذ أحمد، أنا صبري قليل والرجالة اللي تحت معايا عايزين يمشوا، نكسر الباب يعني ولا إيه الحكاية؟!
حماتي اتجننت وبدأت تضرب كف بكف وتصرخ في وشي بصوت مبحوح منك لله يا ندى! يا قادرة يا فاجرة! عايزة تفضحينا وتودي ابني في داهية؟ ده انتي لحم كتافك وكتاف بنتك من خيره! دا إحنا سترنا عليكي وجوزناكي لابني الوحيد!

ضحكت، ضحكة رنت في الصالة كلها وخلت حماتي تسكت وتبرق بعينيها سترتوا عليا؟ يا ولية اختشي على سنك وبلاش تمثيل الشحاتين ده! دا أنا اللي جايباه من على بلاطة، أنا اللي طلعت ديونه من البنوك قبل الجواز، وأنا اللي خليت ليه هيبة قدام الناس بعد ما كان شغال سكرتير عند الناس الكبار ومحدش بيعمله حساب! ولحم كتافي منين؟ دا كارت البنك اللي في محفظتك ده هو اللي جايب هدومك ودهبك اللي فاردة بيه ضهرك في أفراح قرايبك! اخرسي خالص وادعي ربنا تخرجي من هنا مستورة قبل ما أطلب النجدة تاخدكم كلكم في عربية الترحيلات بتهمة السرقة وخيانة الأمانة!

شيرين عيطت وبصت لأخوها أحمد.. اتصرف يا أحمد! الراجل لو دخل هنا هيقلبها دمار، ده واخد مني بطاقتي وضامن بيها وصولات الأمانة! لو ندى مادتناش الفلوس، أنا اللي هتحبس!
أحمد لف حوالين نفسه زي المجنون، راح ناحية الباب وبص في العين السحرية، وبعدين رجع بصلي وهو عيونه مليانة دموع ذل وغدر في نفس الوقت ندى.. مفيش فايدة يعني؟ عشر سنين هتهون عليكي في ليلة واحدة عشان وجبة سمك؟
وجبة سمك؟ رديت عليه بنبرة حادة وواضحة وجبة السمك دي كشفت رخصكم، كشفت إنكم ديابة دخلتوا البيت ده عشان تنهشوا فيه، مش عشان تبنوا أسرة.

وجبة السمك دي علمتني إن اللي يستخسر لقمة نضيفة في بطن طفلة مالهاش ذنب، ميستاهلش حتى رغيف حاف. إنت هنتني وهنت بنتي يا أحمد، والراجل اللي يهين بنته عشان يرضي طمع أهله ميبقاش راجل.
مشيت بكل ثبات ناحية باب الشقة. أحمد حاول يقف قدامي، زقيته بإيدي بقوة خلت جسمه يترنح لورا، شديت الترباس وفتحت الباب على وسعه.
المعلم جلال كان واقف، راجل عريض المنكبين لابس جلابية بلدي وفوقيها سديري صوف، وفي وشه علامات غضب من الوقفة على السلم، ووراه اتنين رجالة من عمال البنا شكلهم ميطمنش. أول ما الباب اتفتح، بصلي ورفع حاجبه باستغراب السلام عليكم..

أومال الأستاذ أحمد مبيفتحش ليه يا مدام؟ إحنا بقالنا نص ساعة بنرن وراقدين على السلم!
بصيت له بكل هدوء وثبات، ورسمت ابتسامة رسمية باردة وعليكم السلام يا معلم جلال. اتفضل خطوة جوة عشان الجيران وسرعة الباب دي متليقش بيك ولا بينا.
المعلم دخل خطوة، عينه لفت في الصالة لقى السفرة مقلوبة وريحة الزفارة معبية المكان، وشاف أحمد واقف مكسوف في الركن وشه في الأرض، وحماتي وشيرين زي الفراخ المبلولة. في إيه يا جماعة؟ مال البيت مقلوب كدة ليه؟ فين الأستاذ أحمد؟ وفين الدفعة اللي قولتلي هتحولها من البنك أول ما تطلع من شغلك؟ أنا عطلت الخلاطة والعمال عشان خاطرك!

أحمد لسانه اتعقد، فضل يبلع في ريقه ومش قادر يجمع جملة مفيدة أصل.. يا معلم جلال.. الأمور اتلخبطت شوية في السيستم بتاع البنك وال…
قاطعته بصوت جهوري قطع أي كدبة كان بيحاول يخترعها مفيش سيستم واقع ولا حاجة يا معلم جلال. الحكاية وما فيها إن الباشا أحمد كان بيبعلك الوهم.
المعلم جلال لف وشه ليا وعينيه ضاقت بشرار يعني إيه الكلام ده يا ست هانم؟

طلعت دوسيه صغير من شنطتي وفتحته قدامه، وطلعت صورة عقد ملكية الشقة والسطوح ورخصة العمارة يعني الشقة دي والسطوح اللي فوق ده بتاعي أنا، ملك خالص ومسجل باسمي في الشهر العقاري وباسم والدي الله يرحمه. أحمد هنا ملوش فيها بلاطة واحدة، ولا يملك توكيل مني بالتصرف، ولا ليه صفة قانونية يتفق معاك على طوبة تتبنى في البيت ده. الورق اللي هو وراهولك من كام أسبوع ده مجرد صور بطايق مسروقة وتوكيل ملغي ومفيش بنك على وشالأرض هيطلعله قرض بضمان عقار مش بتاعه.

المعلم جلال عينه لمعت بغضب حارق، لف لأحمد بخطوة سريعة وقرب من وشه لحد ما أنفاسه بقت بتخبط في وشه صحيح الكلام ده يا روح أمك؟! بقى إنت بتنصب عليا أنا يا حتة موظف مفلس؟ مشغلني ومحضرلك الحديد والأسمنت وكاتب على أختك وصولات أمانة وإنت معندكش ريحة التوكيل أصلاً؟!
أحمد ركبه خبطت في بعض، وصوته طلع مخنوق والله يا معلم جلال أنا.. ندى كانت موافقة بس هي اللي غيرت رأيها فجأة، أنا مكنتش بنصب، أنا كنت هسددلك والله!
تسدد منين يا شحات؟

المعلم جلال زعق بصوت هز جدران الشقة، حماتي حطت إيدها على راسها وقعدت تصوت، والمعلم كمل بزعيق إنت عارف الشيك اللي معاك ده لو مرجعش بكرة الصبح، وقيمة المصاريف اللي خسرتها عشان حجز البضاعة ما ادفعتش كاش، إنت وأختك اللي ماضية الضامن هتباتوا في حجز قسم الدقي بكرة بعد الضهر؟!
شيرين انهارت على الأرض وقعدت تعيط بهستيريا أبوس إيدك يا معلم جلال متحبسنيش! أنا ماليش دعوة، أحمد هو اللي قالي دا مشروع العمر وإحنا هنبني الشقق ونبيعها وناخد ملايين، هو اللي وداني ومضاني!

تصفوا حساباتكم دي برة بيتي قولت الكلمتين دول وأنا بشاور على مدخل الشقة وببص للمعلم جلال يا معلم جلال، إنت راجل صاحب حق وتاجر في السوق وليك اسمك، وأنا ست ماليش في الحوارات دي، بس مفيش طوبة هتتحط على سطوحي، ومفيش مليم هيطلع من حساباتي. حسابك مع اللي مضالك، خدهم معاك وروحوا على قسم، روحوا على محامي، روحوا في داهية.. بس الكلام ده يتحل في الشارع مش في صالة بيتي.
المعلم جلال بصلي باحترام ممزوج بالغضب، وهز راسه عندك حق يا ست هانم، العيب مش عليكي، العيب على الندل اللي لابس بدلة ونازل يستغل حريمه وينصب باسمهم.

لف المعلم لأحمد ومسكه من ياقة قميصه بقسوة وشده لقدام قدامك ساعتين يا أستاذ، تلم فيهم تمن العربون ومصاريف نقلي من تحت الأرض، وتيجي تسلمهم في مكتبي وتاخد ورق أختك، وإلا قسماً بعزة جلال الله البلاغ هيكون في النيابة مع أذان الفجر! قدامي إنت وهي!
حماتي قامت تجري على ابنها، بتشد فيه وبتبكي سيب ابني يا راجل إنت! إنت متعرفش إحنا مين!
إنتوا شوية نصابين مفلسين! المعلم جلال زق أحمد لقدام على السلم اتحرك قدامي بدل ما أجرجرك على بطنك قدام العمارة كلها!

شيرين طلعت تجري وراهم وهي بتعيط وتلطم، وحماتي وقفت عند باب الشقة، لفت وشها ليا وعيونها بتطق شرار وحقد، ولسانها ملقاش غير الدعاء الأسود تقوله ربنا يخرب بيتك يا ندى زي ما خربتي بيتنا! ربنا يدوقك اللي دوقتيهولنا!
بصيت لها وابتسمت، ابتسامة باردة شفت فيها كل سنين التعب والقهر وهي بتتبخر بيتي اتخرب يوم ما دخلتوه يا حاجة فاطمة، والنهاردة بس بيتي بيطهر. اطلعي برة واجري ورا ابنك يمكن تلاقي حد يسلفكم تمن البلاغ، وكارت البنك اللي في جيبك ارميه في أي مقلب زبالة عشان خلاص بقى حتة بلاستيك ملوش تمن.. زيكم بالظبط.

زقيت الباب في وشها بكل قوتي، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها، ومسكت الترباس وقفلته بتكتين.
أول ما الصوت انقطع والباب اتقفل، حسيت فجأة إن الصالة وسعت، كأن هوا نضيف دخل البيت لأول مرة من سنين. ريحة الزفارة والبواقي اللي على السفرة مكنتش مضايقاني زي الأول، لأنها خلاص كانت علامة على نهاية كابوس تقيل كان كاتم على نفسي.
روحت على أوضة مريم، خبطت خبطتين خفاف وفتحت الباب براحة. لقيت مريم قاعدة على السرير، حاضنة المخدة بتاعتها وعيونها بتبص على الباب بخوف وترقب. أول ما شافتني، نزلت من على السرير وجريت عليا، اترمت في حضني ومسكت في رقبتي بقوة ماما..

هما مشيوا؟ خلاص مش هيرجعوا تاني؟
شيلتها في حضني، وقعدت على طرف السرير، ودفنت راسي في شعرها وشميت ريحتها. حسيت بدموعها بتبلل كتفي، بس المرة دي كانت دموع خوف بيتبدد، مش دموع انكسار وذل مشيوا يا حبيبتي، مشيوا ومش هيدخلوا العتبة دي تاني طول ما أنا فيا نفس. البيت ده بيتك، وشقايا ده كله ليكي، ومفيش مخلوق يقدر ياخد منك لقمة ولا يبصلك بصة متعجبكيش بعد النهاردة.
مريم بصتلي وعينيها بتلمع طب وبابا؟

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى